في الممرّ الطويل للمحطة
يمرّ وجهكَ كظلّ لا يحتفظ بأثره.
أحاول أن أضع يدي على الهواء
كأنني أوقف شيئًا يسقط في بئر
لا قاع لها.
*
علينا أن نفهم:
المدن ليست سوى غرف انتظار أكبر
أبوابها شقوق في جدار
يدخل منها الغياب كلّ يوم.
*
كنت أراكَ تمشي إلى آخر الممرّ
مثل فكرة تفقد شكلها
تتحرّك بلا زمن
وأنا أبحث عن طريقة لأعيدك
إلى مكان لم يعد موجودًا
كمن يضع ماءً في دُرج مغلق.
*
الأسماء التي حفظناها
تصير أصواتًا
تتقافز في الفراغ
كطائر يضرب زجاج نافذة
ثم يسقط على الأسفلت
ولا أحد يعرف لمن كانت تلك الأجنحة.
2
في المقاهي التي تغلق قبل منتصف الليل
يجلس الغياب على الطاولات كضيفٍ دائم
يترك بخارًا على زجاج النوافذ
ثم ينسحب
كدخان سيجارة لم تُكمَل.
*
أحاول أن أفهم:
هل كان هذا مكتوبًا في دفترٍ لا يفتح أبدًا؟
أم أن القدر هو تلك الساعة الإلكترونية
التي تومض على جدار المطبخ
تذكّرنا دائمًا بالوقت الذي عبر
بينما كنّا نبحث عن معنى واحد للبقاء؟
*
يغادرون
كما يغادر الضوء المرايا في آخر النهار
لا ضجيج
لا إعلان
فقط أثر دافئ
يتحوّل بعد لحظات إلى بقعة باردة.
*
أتجوّل في الشوارع
أراقب إشارات المرور
كأنها دروس في التوديع:
الأحمر يعلّمنا التوقّف
الأخضر يذكّرنا أنّ كل شيء يمضي
والأصفر... هو لحظة التردّد التي نسمّيها حبًّا.
3
في النهاية لا أحد يبقى
سوى ما تخلّفه المقاعد الفارغة:
انحناءة في الوسادة
أو ظلّ على بلاطٍ لم يلحظه أحد.
أدرك الآن
أن الغياب ليس حدثًا
إنه طقس يومي يتكرّر
مثل أخبار الطقس على شاشة صامتة
حتى نصبح جزءًا من نشرة لا يقرؤها أحد.
*
علينا أن نصغي
إلى المسافة التي تفتحها الخطوات
حين تغادر الأرواح التي أحببناها
المسافة التي تتحوّل مع الوقت
إلى مرآة
نرى فيها أنفسنا
أكثر من وجوههم.
*
ربما هذه هي القدرية:
أن نفهم أن العالم ليس بيتًا
بل ممرّ طويل
وأن الذين عبروا حياتنا
لم يكونوا أصدقاء
ولا أعداء
بل علامات استدلال
على خريطة لا نهاية لها.
***
مروان ياسين الدليمي








