وصلني ذات صباح إشعار من دائرة البريد في المنطقة التي كنت أسكن فيها في موسكو، يخبرني بأن رزمة بريدية باسمي وصلت من العراق، وأن عليّ مراجعة الدائرة لاستلامها في أقرب وقت.
لم يكن محتوى الرزمة مجهولاً بالنسبة إليّ. كنت أعرف، من رسائل أهلي التي كانت تصلني بعد أسبوعين أو أكثر من إرسالها، أنهم أرسلوا إليّ بعض الأشياء التي أحتاجها في شتاء موسكو القارس.
كان الطالب الأجنبي في ذلك الوقت يعيش بين نظامين من القيود: قيود الطقس، وقيود الأوراق الرسمية.
فكل ستة أشهر، وعند الطلب، كانت عمادة الأجانب في الجامعة تمنحنا كتاباً موجهاً إلى دائرة البريد، يثبت أننا طلاب أجانب، وأن من حقنا استلام رزمة واحدة من الخارج معفاة من الرسوم الجمركية. أما الرزم الإضافية، فكان لها حساب آخر.
ذهبت إلى دائرة البريد، وقدمت للموظفة الكتاب.
كانت امرأة شقراء، ممتلئة الجسم، ذات ملامح سوفياتية صارمة لا توحي بأن الابتسام جزء من وظيفتها. ألقت نظرة سريعة على الكتاب، ثم قالت:
- خوروشو.
أي: حسناً.
اختفت في غرفة جانبية، وتركتني واقفاً أمام شباك الاستلام. وبعد دقائق عادت تحمل رزمة متوسطة الحجم، وضعتها أمامي.
وقّعت، وأخذتها، ثم بدأت أفتحها وأنا أتخيل ما فيها.
كان أول ما ظهر لي حذاء أسود جميل من أحذية «باتا»، مبطن من الداخل، يبدو مناسباً تماماً لشتاء موسكو الذي لا يرحم.
لكنني سرعان ما اكتشفت شيئاً غريباً.
كان في الرزمة حذاء واحد فقط.
حدقت فيه لحظات، ثم قلبته، كأن الفردة الثانية يمكن أن تكون مختبئة في قاع الرزمة.
لم تكن هناك ثانية.
رفعت رأسي إلى الموظفة وقلت:
- وأين الفردة الثانية؟
نظرت إليّ بهدوء، وكأن السؤال لا يعنيها كثيراً، ثم أجابت:
- الرزمة الثانية موجودة تحت يدي.
وأشارت إلى الغرفة الجانبية.
لم أفهم.
- ماذا تقصدين؟
- الفردة الثانية موجودة هنا أيضاً، ولكن عليك أن تدفع الرسوم الجمركية.
- ولكن لماذا؟
- لأن هذه رزمة، وتلك رزمة.
حاولت أن أشرح لها أن الحذاء زوج واحد، وأن إرسال كل فردة في رزمة منفصلة ليس قراراً اتخذته أنا، وأنه لا معنى لأن تكون فردة واحدة معفاة والأخرى خاضعة للرسوم.
كانت تستمع إليّ بوجه خالٍ من التعبير.
ثم قالت:
- التعليمات.
كلمة واحدة، لكنها كانت كافية لإنهاء النقاش.
قلت:
- لكن يحق لي استلام رزمة واحدة معفاة كل ستة أشهر.
- صحيح.
- إذن هذه هي الرزمة.
- هذه رزمة. والثانية رزمة أخرى.
- ولكنها فردة الحذاء الثانية!
رفعت كتفيها قليلاً.
- هذا لا يغيّر شيئاً.
كان الحد الأقصى المسموح به لوزن الرزمة الجوية نصف كيلوغرام، ويبدو أن أهلي اضطروا إلى إرسال الحذاء في رزمتيْن حتى لا يتجاوز الوزن المسموح به.
وقفت أمامها أفكر في عبث المسألة.
كان بإمكاني أن أذهب إلى أحد المتاجر وأشتري زوجاً من الأحذية السوفيتية بثلاثين أو أربعين روبلاً، وأرتاح من هذه المعركة الصغيرة. لكن حذاء "باتا" كان أجمل وأدفأ، والأهم أنني كنت بحاجة إليه فعلاً في ذلك الشتاء.
سألتها:
- وما الحل؟
قالت، ببساطة شديدة:
- تجلب كتاب إعفاء آخر.
لم تكن العمادة ستمنحني كتاباً ثانياً، لأن التعليمات تنص على رزمة واحدة فقط خلال الفترة المحددة.
وجدت نفسي أمام معادلة لا حل لها: إما أن أترك الفردة الثانية في البريد، فأصبح مالكاً لفردة حذاء لا أستطيع ارتداءها، وإما أن أدفع رسوماً تفوق ما كنت مستعداً لدفعه أصلاً.
قلت لها:
- كم؟
قالت:
- أربعة وأربعون روبلاً.
كان المبلغ كبيراً بالنسبة إلى طالب أجنبي يعيش بميزانية محدودة. والأغرب أنني كنت سأدفعه من أجل فردة واحدة.
دفعت.
أحضرت الموظفة الفردة الثانية، ووضعتهما أمامي.
خرجت من دائرة البريد وأنا أحمل زوجاً كاملاً من الأحذية، لكنني كنت أشعر أنني اشتريت فردة واحدة بأربعة وأربعين روبلاً، أما الفردة الأولى فقد وصلتني مجاناً، بفضل ورقة رسمية تحمل ختم الجامعة.
في الطريق إلى السكن، ضحكت وحدي.
في موسكو، كنت قد تعلمت أن الأشياء لا تكون دائماً كما تبدو. فالورقة يمكن أن تكون أهم من الشيء نفسه، والختم قد يكون أقوى من المنطق، والزوج يمكن أن يتحول، بقرار إداري بسيط، إلى رُزمتين منفصلتين.
وحين وصلت إلى غرفتي، وضعت الحذاءين أمامي.
كانا جميلين فعلاً.
لكنني، كلما نظرت إليهما في ذلك الشتاء، تذكرت المرأة الشقراء في دائرة البريد، وتذكرت كلمتها القصيرة:
- خوروشو.
كان كل شيء «خوروشو» بالنسبة إلى التعليمات.
أما بالنسبة إليّ، فلم يكن الأمر كذلك تماماً.
لقد احتجت إلى حذاءين كي أمشي في شوارع موسكو الثلجية، لكن النظام السوفيتي علّمني يومها أن الحصول على زوج من الأحذية قد يحتاج إلى أكثر من رزمة، وأكثر من ورقة، وأكثر من منطق.
***
جودت هوشيار








