كنتُ طفلةً أرى العالم بعينين واسعتين، فأمنح الأشياء الصغيرة من قلبي ما لا تمنحه الحياة للكبار.
ولم أكن أعرف يومها أنني عندما دفنتُ قطّي الأبيض كنتُ أدفن معه شيئًا من طفولتي سيظلّ يطلّ من الذاكرة كلما اشتقتُ إلى ما لا يعود.
كنت أظنّ التراب مجرد حفّارٍ صامت يأخذ الجسد ويُخفيه، ثم يجلس فوقه وكأنّ شيئًا لم يحدث.
وعندما كبرت صرتُ أعرف أنه يحتفظ بالأشياء التي نحبها أكثر مما نحتفظ نحن بها، وأنه كلما أودعناه شيئًا ثمينًا صار علينا أن نقضي بقية أعمارنا نفتّش عنه في رائحته.
كنت طفلة يوم دفنت قطّي الأبيض، وكان العم الحكيم خليل واقعي أكثر مما تتصورون، وأكثر مما تتخيّله طفلة ساذجة تداعب قطّها، وتقاسمه طفولتها الحالمة على أنّه شيء خالد إلى الأبد.
وقتها قال لي العم الحكيم إنّ القط مات، وكأنّ الموت خبر إداري صغير يمكن إبلاغ طفلة به في جملة واحدة ثم متابعة شؤون الحياة بشكلها الطبيعي من الغداء، والمدرسة، والكهرباء التي انقطعت، والجارة التي جاءت تستعير السكر ولم تُرجعه منذ ثلاثة أشهر.
أما أنا، فلم أفهم لماذا كان على العالم أنْ يستمر.
جلستُ إلى جوار قطّي أحدّق في جسده الأبيض الممدّد أمامي.
كان يبدو نائمًا بصورة فاضحة متآمرا على قلبي الصغير الضعيف.
لم أصدّق أنه مات، فقلت له:
- قم يا صغيري.
ولم يقم.
ربّتُّ على رأسه.
- لا تفعلها بي... افتح عينيك.
ولم يفتح.
اقترب أخي وقال:
- خلص، مات.
نظرت إليه بغضب.
- ومن قال لك؟
قال بثقة رجلٍ يملك شهادة في الطب الشرعي:
- لأنه لا يتحرك.
قلت:
- يمكن يكون زعلان.
ضحك.
ضحكتُ أنا أيضًا، لأنني كنت أحتاج إلى أي سبب يمنعني من تصديق الحقيقة.
كانت تلك أول مرة أكتشف فيها أنّ بعض الضحكات ليست فرحًا، وإنما طريقة مهذبة للبكاء أمام الآخرين.
حمل أبي قطّي في قطعة قماش قديمة، وقال:
- هيا، سندفنه تحت الرمّانة المستندة على سور أرض البئر الأولى.
تبعته وأنا أبكي.
كان قبره صغيرًا جدًا…صغيرًا إلى درجة أثارت غضبي.
قلت لأبي:
- لماذا حفرت له هذا المكان الضيق؟
قال:
- لأنه قط.
نظرت إلى الحفرة ثم إلى أبي، وشعرت أنّ حجته غير مقنعة إطلاقًا.
قلت:
- لكنه كان كبيرًا في قلبي.
سكت أبي.
ولم أكن أعرف يومها أنّ تلك الجملة ستكبر معي أكثر من كلّ الأشياء التي كنت أظنها مهمة.
دفناه، ووقفنا.
كان أبي يريد أن ينهي المراسم سريعًا، أما أنا فكنت أريد أنْ أعيد الزمن إلى الوراء، وأنْ أفتح القبر، وأنْ أقول للتراب: آسفة، أخطأنا العنوان.
صرخت:
- ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟
لم يجبني أحد.
ومنذ ذلك اليوم ظلت الجملة عالقة في رأسي.
ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟
كنت أتحسس وجهي بيديّ الصغيرتين الباردتين وأنا أسأل عن وجه القط، وعن كل شيء يبتلعه الغياب.
مرت السنوات…كبرتُ، وكبر معي السؤال.
تعلمت في المدرسة أنّ الأشياء لا تعود إذا دفنت، ثم اكتشفت أنّ المدرسة نفسها ستصبح يومًا شيئًا مدفونًا في ذاكرتي.
ضحكات الصديقات، ورائحة الدفاتر الجديدة، والطابور الصباحي، والمعلمة التي كانت تعاقبنا لأننا نضحك في الحصة مع أنها كانت تضحك أكثر منا حين تغادر المديرة، وذلك المقعد الخشبي الذي تركنا عليه أسماءنا معتقدين أننا بذلك سنخلّد أنفسنا بينما جاء عامل النظافة بعد سنوات ومسحها في دقيقتين، ليعلّمنا أول درس حقيقي في هشاشة الخلود.
دفنتُ طفولتي دون أن أعرف، وهذا هو أسوأ ما في الأمر.
نحن لا نعرف أننا ندفن الأشياء الأخيرة إلا بعد أنْ نصير عاجزين عن استعادتها.
كبر البيت أيضًا، أو ربما صغرت أنا، والغرف التي كانت تبدو واسعة صارت ضيقة، والساحة التي كانت تتسع لركضنا صارت بالكاد تتسع لسيارة.
ذات يوم عدت إلى البيت القديم، ووقفت أمام الباب طويلًا.
مددت يدي إلى المقبض، ثم ترددت…كان الباب يعرفني أكثر مما أعرف نفسي.
فتحته، فلم أجد الطفولة…وجدت الغبار.
قلت في سري: حتى أنتِ؟ ثم ضحكت.
يا للسخرية! كنت أبحث عن طفولتي في بيت قديم، كما يبحث رجل عن مفتاح سيارته في جيب معطف دفنه منذ عشرين عامًا.
لم أجد سوى فتحة صغيرة في قلب الباب الخارجي، نظرت منها، فكان كل شيء في مكانه تقريبًا إلا نحن، وهنا فهمت شيئًا مخيفًا.
جلست على عتبة الباب التي كنت أجلس عليها وأنا طفلة…أغمضت عيني، وفجأة سمعت صوتًا قديمًا…ضحكة، وخطوات، وبابًا يُفتح، وصوت جدّتي فاطمة، وصوت العم الحكيم خليل، وصوت أمي، وصوت الجارة التي استعارت السكر ولم تعده، ثم فتحت عيني فلم أجد أحدا، لقد صار البيت خبيرًا في الأشباح.
بعد أعوام دفنت أشياء أخرى…دفنتُ رسائل لم أجرؤ على إرسالها، ودفنتُ صداقة ماتت بسبب كلمة مع أنّ صاحبة الكلمة نسيتها بعد خمس دقائق، ودفنتُ حلمًا كنت أظنه سيصبح ذات يوم حقيقة، ودفنتُ أشخاصًا خرجوا من حياتي، وهؤلاء أصعب مَن فقدت.
فالميت الحقيقي يمنحك حق البكاء، أما الذي يرحل وهو حي، فيتركك في حيرة أخلاقية…هل تبكي عليه؟ أم تبكي على نفسك؟
أم تضع إعلانًا في الصحيفة تكتب فيه:فُقد شخص كان عزيزًا، آخر ظهور له في قلبي كان قبل غروب شمس اليوم، ومن يجده يرجى عدم إعادته، فقد تغيّر كثيرًا.
ضحكت حين خطرت لي الفكرة، ثم بكيت.
وفي إحدى الليالي، كنت أرتب صندوقًا قديمًا، فعثرت على صورة.
صورة لي وأنا طفلة، لكنني لم أجد صورة قطّي الأبيض…يا الله ليتني حملته في الصورة!
كان وجهه أبيض كما أتذكره، وكانت عيناه واسعتين، وكانت يداي صغيرتين إلى درجة جعلتني أشعر بالدهشة.
حدقت في الصورة طويلًا، ثم سألتها:
- أين ذهبت تلك الطفلة؟
لم تجب الصورة.
قلت:
- هل دُفنتِ أنت أيضًا؟
سكتُّ، ثم أدركت الحقيقة.
نعم، لقد دفنتها في مكان ما بين السنوات، ولم أعد أعرف متى حدث ذلك، ربما يوم دخلت المدرسة الثانوية، وربما يوم اكتشفت أنّ العالم ليس عادلًا، وربما يوم مات شخص أحببته، وربما يوم قيل لي للمرة الأولى: كبرتِ، كوني عاقلة.
كم هو غريب هذا العالم!
نحن نربّي الأطفال على أنْ يكبروا، ثم نقضي بقية أعمارنا ندفع ثمن ذلك.
أعدت الصورة إلى الصندوق، لكنني لم أستطع إعادة السؤال.
ظلّ واقفًا أمامي:
تُرى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟
هذه المرة كنت أسأل عن وجوه كثيرة…عن قطي الأبيض المدلل، وعن العم الحكيم خليل وصندوق حكاياه، وعن جدّتي وهي تناديني باسمي، وعن أمي عندما كانت تضحك بلا خوف، وعن صديقة كانت تعرف أسراري ثم صارت لا تعرف عني شيئًا، وعن بيت كان عامرًا بالأصوات، وعن مدينة كانت تبدو لنا أبدية، وعن حلم تركناه لأنّ الحياة قالت لنا: ليس الآن، ثم مرّ العمر، ولم يأتِ الآن.
والآن، وبعد هذا العمر لا زلت أبحث عن وجه الطفلة التي دفنت قطها، ثم مضت في الحياة وهي تظن أنها دفنت قطًا واحدًا، لكنّها تعي جيّدا أنّ بعض الأشياء لا تعود، لكنها لا ترحل تمامًا.
تبقى في نبرة صوتنا، وفي طريقة ضحكنا، وفي خوفنا، وفي أغنية عابرة، وفي رائحة بيت قديم، وفي شارع لا نجرؤ على دخوله، وفي جملة طفلة صغيرة تقف أمام حفرة ضيقة وتبكي كأنّ العالم كله قد دُفن فيها:
ترى ماذا فعل التراب بوجهك يا صغيري؟
***
غدير حميدان الزبون
فلسطين








