عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

ياسر البتانوني: من حكايات مملكة الغابة

الثعلب أمين المجلس

قصة أدبية خيالية

***

"ما فسدت الممالك يوم غاب عنها القانون، وإنما فسدت يوم تولى تنفيذه من جعل هواه فوق الميثاق وقواعده المنظمة."

يحكى أنه في قديم الزمان، قامت في قلب الغابة مملكة ضربت بها الأمثال في حسن النظام واستقامة العدل، حتى كانت الوفود تأتيها من أقاصي البراري لتتعلم كيف تستقيم المملكة إذا استقام ميثاقها، والتزم الجميع بقواعده المنظمة.

وكان على عرشها أسد وقور، عرف بين الرعية برجاحة العقل، وسعة الصدر، وحسن الظن بمن يعملون معه. ولم يكن يرى في الحكم مغنما، وإنما كان يعده أمانة ثقيلة لا يحملها إلا من خاف الله في رعيته. لذلك أحاط نفسه بمجلس من حكماء الغابة، وجعل النمر كبيرهم ورئيسهم، ورشح الثعلب ليكون أمينا للمجلس، يتولى حفظ الميثاق، وتنفيذ قواعده، وتنظيم أعمال المجلس، ومتابعة كل من يتقدم للانضمام إلى صفوف الحكماء.

وكان أمين المجلس ثعلبا ، اشتهر بين الحيوانات بحسن الهيئة، ولين الحديث، والتفاني في الخدمة التملق، حتى ظنت أكثر الحيوانات أن الأمانة قد اتخذت له صورة تمشي على الأرض.

كان إذا لقي النمر بالغ في الثناء عليه، وأفرط في التملق له، وإذا اجتمع بالحكماء أظهر العلم والورع والحرص على العدل، وإذا قابل عامة الحيوانات ابتسم في وجوههم، وسارع إلى قضاء حوائجهم، حتى صار مضرب المثل في حسن المعاملة.

لكن البومة الحكيمة - وهي من أعضاء المجلس - كانت تقول في سرها: "ليس كل من أكثر من الحديث عن الأمانة كان أمينا، فبعض النفوس تجعل الفضيلة ثوبا ترتديه حتى تبلغ غايتها."

ولم تكن البومة تدري أن وراء تلك الابتسامة الهادئة نفسا يملؤها طموح لا يعرف الحدود.

فقد كان الثعلب يرى نفسه أذكى من أعضاء المجلس جميعا، وأقدر على القيادة من رئيسه، وكان يحدث نفسه كلما خلا بها: "ولماذا أبقى أمينا، وأنا أصلح للرئاسة؟ ولماذا أتبع غيري، وأنا أولى بأن أتبع؟"

وكان يرى أن المنصب الذي يشغله اليوم ليس إلا الدرجة الأولى في سلم طويل ينتهي، لا محالة، عند مقعد الرئاسة.

وفي ناحية بعيدة من الغابة كانت تعيش أنثى ذئب عجوز، لم يبق لها من قوة الشباب شيء، لكنها اشتهرت برداءة الطبع، وخسة النفس، والحقد على الآخرين، والمكر بهم. وكانت تعرف كيف تنفذ إلى النفوس المريضة، فتوقظ فيها ما خفي من شهوة السلطان وحب السيطرة.

فلما رأت ما يعتمل في نفس الثعلب من كبر وطموح، قربته إليها في مناسبات كثيرة، وأخذت تستعمله لتنفيذ أغراضها في رفع الفاسدين من جلسائها وخدمها، والتنكيل بالنجباء ممن لا يأتمرون بأمرها، ولا ينصاعون لرغباتها.

وكان الثعلب يصغي إليها، وينفذ مطالبها في مجلس الحكماء دون تردد، ظنا منه أن التقرب منها رفعة لشأنه، ووسيلة تعبد له الطريق إلى شهوة الرياسة.

وفي تلك الأيام، شاع في أنحاء الغابة أن النحلة المجتهدة، التي كانت تسكن في الجهة نفسها التي تسكنها أنثى الذئب العجوز، قد استوفت جميع الشروط التي نص عليها الميثاق وقواعده المنظمة، للانضمام إلى مصاف الحكماء، بعد سنوات طويلة من العمل الدؤوب، والإنجاز الذي شهد لها به القاصي والداني.

وما إن بلغ الخبر أنثى الذئب العجوز، حتى انقبض وجهها، واشتاطت غيظا وحقدا، فتواصلت مع الثعلب، وقالت له :" لا بد، بكل السبل والوسائل، أن نمنع النحلة من الترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، فإن وجودها بينهم يضر بمصالحنا المشتركة."

فأدرك الثعلب ما رمت إليه أنثى الذئب العجوز، ومنذ تلك اللحظة عقدا بينهما عهدا خفيا، ألا يدخرا وسيلة تحول دون وصول النحلة إلى مصاف الحكماء.

ولم ينتظرا حتى تصل أوراق النحلة إلى مجلس الحكماء للنظر فيها، بل شرعا في إعداد المسرح قبل بدء المشهد. فاستعانا بغراب وقح، متملق، من حاشية أنثى الذئب العجوز، اعتاد الخيانة والتملق طلبا لمصالحه، حتى صارا سجية من سجاياه، فخان النحلة التي وقفت إلى جواره في أوقات انكساره، وأسدت إليه من المعروف ما كان فارقا في حياته ومساره.

وما إن أحيل ملف النحلة إلى مجلس الحكماء، حتى أيقن الثعلب أنه لا بد من تجهيز لجنة من الخبراء تدين لهما بالولاء، يحال إليها ملف النحلة للنظر فيه وتحكيمه، حتى يتم التنكيل بها، ورفض ترقيتها إلى مصاف الحكماء كما يرغبان.

لكن غالبية أعضاء مجلس الحكماء، لما عرف عنهم من نزاهة، واستقلال، وخبرة، فطنوا إلى مخطط الثعلب وأنثى الذئب العجوز، ورفضوا الأسماء التي اقترحها، وفضحوا مخططهما، وأجمعوا على تشكيل لجنة من الخبراء امتازت بالكفاءة، والشرف، والاستقلال، والعدالة، لتنظر في ملف النحلة، وتقول فيه القول الفصل. ثم أحالوا إليها الملف، وانتظروا تقاريرها.

وفي أثناء فحص لجنة الخبراء لملف النحلة، استقطب الثعلب وأنثى الذئب العجوز أحد أعضاء اللجنة، وهو الفأر، ليساعدهما في تنفيذ مخططهما من داخل اللجنة. فأخذ يطعن في ملف النحلة، ويردد معهما ما أشاعاه في حقها، بل تضامن معهما في التواصل مع أعضاء لجنة الخبراء، للترويج لديهم بضعف ملف النحلة، بل وادعى أنها انتحلت بعض ما ورد فيه من أعمال الآخرين، وأن ذلك لا يؤهلها للترقية إلى مصاف الحكماء، بل يستوجب طردها من المملكة، لخيانتها وعدم أمانتها، كما زعموا.

لكن لجنة الخبراء لم تنصع لهم، ولم تأخذ بما كانوا يرددونه من شائعات حول النحلة، وأجمعت على أن تنظر في ملفها بحياد وعدل، فإن كانت تستحق الترقية إلى مصاف الحكماء أقرت بذلك، وإن لم تستحق، بينت الأسباب في وضوح وتجرد.

وجاء اليوم الموعود، الذي سيعرض فيه تقرير لجنة الخبراء على مجلس الحكماء.

دخل النمر قاعة المجلس، وجلس على مقعد الرئاسة في وقاره المعهود، وعن يمينه البومة الحكيمة، وعن يساره الفيل الوقور، ثم اكتمل حضور أعضاء المجلس، وفي مقدمتهم الثعلب أمين المجلس، والفأر عضو اللجنة، اللذان بدت على وجهيهما علامات القلق والاضطراب.

وما إن أمر النمر بفتح تقارير لجنة الخبراء الخاصة بملف النحلة، حتى بادر الثعلب والفأر بالاعتراض، وطلبا تأجيل عرضها وإعلان نتيجتها، الأمر الذي أثار استغراب أعضاء المجلس.

فقالت البومة: "لقد عهدنا إلى لجنة الخبراء بالفصل في هذا الملف، فكيف نمنع أنفسنا من سماع ما انتهت إليه؟"

وقال الفيل: "إن الميثاق لا يجيز حجب تقارير الخبراء عن مجلس الحكماء، وإلا فما جدوى إحالة الملفات إليهم؟"

وأضاف الببغاء: "إن احترام الميثاق يبدأ باحترام إجراءاته، وأولها أن تعرض التقارير على المجلس كاملة، دون زيادة أو نقصان."

وأيدت السلحفاة وسائر أعضاء المجلس هذا الرأي، وأجمعوا بالأغلبية على فتح التقارير وإعلان ما انتهت إليه لجنة الخبراء.

ففتحت التقاررير، وجاءت جميعا متوافقة، لا يكاد يختلف أحدها عن الآخر، مؤكدة أن النحلة قد استوفت جميع الشروط التي نص عليها الميثاق وقواعده المنظمة، وأنها جديرة بالترقية إلى مصاف الحكماء عن جدارة واستحقاق فائق.

فقال الفيل: "لقد حسم الخبراء الأمر." وقالت السلحفاة: "ولم يتركوا موضعا للشك." وقالت البومة: "إذا شهد الأمناء بالحق، وجب على المجلس أن ينصف أصحابه."

وعقب مناقشات طويلة، أجمع أعضاء مجلس الحكماء - فيما عدا الثعلب والفأر - على إقرار استحقاق النحلة للترقية ألى مصاف الحكماء، وقرروا تحرير شهادة رسمية بذلك، ووقع عليها أعضاء المجلس، تمهيدا لرفعها إلى الأسد لاعتمادها.

غير أن ذلك لم يرق للثعلب، الذي كانت جميع أوراق النحلة، وتقارير الخبراء، ومحاضر المجلس مودعة بعهدته، بحكم منصبه أمينا للمجلس.

ورأى أن المؤامرة التي خطط لها مع أنثى الذئب العجوز توشك أن تنهار، وأن النحلة أصبحت على بعد خطوة واحدة من الانضمام إلى مصاف الحكماء.

وهنا استبد به الهوى، وغلبت شهوة الانتقام على صوت الضمير. فانتهز فرصة انشغال أعضاء المجلس، وأخذ يراجع الأوراق وحده، ثم مد يده إلى أحد تقارير لجنة الخبراء، فغير في مضمونه، وبدل بعض ما ورد فيه، ليظهر وكأن بين تقارير الخبراء اختلافا وتباينا، بعد أن كانت متفقة على استحقاق النحلة، ليعطل استحقاق النحلة.

وقف الثعلب أمام أعضاء المجلس، وقال: "لقد تبين لي، بعد مراجعة الملف، أن هناك اختلافا بين نسختي أحد تقارير لجنة الخبراء، وأن الأمر يقتضي التريث، بل يستوجب إعادة فحص ملف النحلة من جديد، حتى لا يقع المجلس في خطأ لا يمكن تداركه."

ساد المجلس شيء من الدهشة، وأخذ الأعضاء يراجعون الأوراق، ويدققون في التقارير، ويتناقشون فيما بينهم.

وبعد مناقشات طويلة، تبين لغالبية أعضاء المجلس أن ما أثاره الثعلب لا ينهض دليلا على إسقاط حق ثبت بأدلة قاطعة، ولا يصلح سببا لإهدار ما انتهت إليه لجنة الخبراء بعد فحص علمي دقيق.

لذلك انتهى المجلس، بالأغلبية، إلى التمسك بقراره السابق، وإقرار استحقاق النحلة للترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، وحرر بذلك شهادة رسمية، وقع عليها الأعضاء، ثم أنابوا النمر لرفعها إلى الأسد، مرفقة بما دار في المجلس، وما وقع فيه من خلاف، للنظر فيه وإصدار القرار النهائي.

قرأ الأسد الأوراق كلها في صمت طويل، ولم يتعجل حكما، ثم رفع رأسه وقال: "إذا اختلطت الأهواء بالأمانة، وجب أن يبدأ الإصلاح من حيث بدأ الخلل؛ فالميثاق لا يظلم أحدا، وإنما يظلم الناس حين يتولى تنفيذه من يجعل هواه فوق نصوصه."

ثم أمر بإعادة فحص جميع الإجراءات التي صاحبت نظر ملف النحلة، والتحقق من كل ما أثير حوله، حتى تستبين الحقيقة كاملة، ويطمئن الجميع إلى أن العدل قد أخذ مجراه.

وبعد أيام، صدر مرسوم الأسد بإعادة تشكيل مجلس الحكماء، فعين رئيس جديد عرف بالحزم والنزاهة، واختير أمين جديد، لم يعرف عنه إلا احترام الميثاق وقواعده المنظمة، واستبعد الثعلب من منصبه، وأعفي من عضوية المجلس، بعد أن فقد الثقة التي كانت أساس الأمانة.

وكان أول ما كلف به المجلس الجديد أن يعيد النظر في ملف النحلة كاملا، دون التفات إلى ما دار في المجلس السابق، فعكف أعضاؤه على دراسة الأوراق من جديد، وراجعوا الوثائق، وتقارير لجنة الخبراء، ومحاضر مجلس الحكماء، واستمعوا إلى كل ما يتصل بالقضية، حتى لا يبقى موضع لريبة أو تأويل.

وبعد مراجعة دقيقة، أصدر المجلس الجديد قراره بالإجماع - وكان الفأر من بين الموافقين عليه - وجاء فيه: "ثبت للمجلس ثبوتا يقينيا أن النحلة مستحقة للترقية والانضمام إلى مصاف الحكماء، وأن استحقاقها ثابت بتقارير لجنة الخبراء التي أقرتها لجنة الحكماء السابقة، وبالتزامها الكامل بأحكام الميثاق وقواعده المنظمة، ولا سيما المادة (25)، التي استوفت جميع شروطها استيفاء كاملا، مما ينفي عن النحلة كل ادعاء، ويدحض كل شبهة أثيرت حول أمانتها أو استحقاقها."

فوقع الأسد القرار، ثم قال: "إن الحق قد يتأخر، لكنه لا يضيع ما دام في المملكة رجال يقدمون الميثاق على أهوائهم، ويجعلون العدل فوق المصالح، والأمانة فوق المطامع."

أما الثعلب، فلم يحتمل أن يرى الحقيقة تنتصر، فخرج يطعن في المجلس الجديد، ويشكك في نزاهته، ويزعم أن النحلة لا تستحق ما نالته، غير مدرك أن كثرة الطعن في الأحكام العادلة لا تغير من الحقيقة شيئا، وإنما تكشف للناس ما يعتمل في نفس صاحبها من حقد وعجز.

وأما أنثى الذئب العجوز، فقد انصرف عنها كثير ممن كانوا يظنون فيها الحكمة، بعدما أدركوا أنها لم تكن تطلب إلا بقاء نفوذها، ولو كان الثمن إهدار العدل، وتضييع حقوق المستحقين.

وأما النحلة، فلم تلتفت إلى ضجيج الحاقدين، ولم تنشغل بالرد على افتراءاتهم، بل مضت في طريقها كما كانت دائما، تعمل في صمت، وتنجز بإخلاص، وتبني ولا تهدم، حتى غدت أعمالها، يوما بعد يوم، أعظم شهادة على أن قرار مجلس الحكماء لم يكن منحة، ولا مجاملة، وإنما كان اعترافا متأخرا باستحقاق لم تستطع المؤامرات أن تطفئ نوره، ولا الأهواء أن تحجب ضياءه.

وعندئذ قالت البومة، وهي تخاطب صغار الغابة، وقد اجتمعوا حولها يلتمسون الحكمة: "تذكروا دائما أن أخطر الجهل ليس أن يجهل المرء الحقيقة، وإنما أن يعرفها ثم يحاربها؛ لأن الاعتراف بها يهدم الصورة التي رسمها لنفسه. فإذا اجتمع الجهل بالغرور، والاستبداد بالطمع، لبس الظلم ثوب الأمانة، وظن صاحبه أنه يحسن صنعا."

ثم أشارت إلى باب مجلس الحكماء، حيث كانت قد نقشت عبارة بقيت تتردد على ألسنة الأجيال: "إذا صار الأمين خصما، فانتظروا ضياع الحقوق. وإذا عاد الأمين خادما للميثاق وقواعده، عاد العدل سيد المملكة."

وهكذا بقيت حكاية الثعلب أمين المجلس تروى في أنحاء الغابة جيلا بعد جيل، لا لأنها تحكي قصة ثعلب أو نحلة أو ذئب، وإنما لأنها تذكر الجميع بأن المؤسسات لا تفسد بضعف قوانينها، بل تفسد حين يتولى تنفيذها من يجعل هواه حاكما على الميثاق، ومصلحته مقدمة على العدل، فيغدو أخطر على الأمانة من أعدائها المعلنين.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

في نصوص اليوم