عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

إباء إسماعيل: إلى زياد الرحباني

نَصٌّ يَنزِفُ أَمَلاً!!

مِن مَنفى الأرصفة البعيدة، حيث الشوق طائرٌ جريح،

أنكسُ أعلام الفجيعة الرمادية،

وأرفعُ فوق ناصية الروح عَلَمَكَ المَغزول من جمرٍ وماء.

أرفع حضوركَ المؤثر بالفن، بالموسيقا الصاعدة كبخار الحلم،

بالإبداع الذي يكسر هندسة الموت ويسخر من صلابة التوابيت.

أنتَ لم تمت.. كأنك تعبرُ في مدار المطر،

تتأرجح فينا بين الخيبات الكبيرة والضحكة التي تشرخ وجه الهزيمة.

هذا العَلَم الذي رفعناه معاً منذ كُنّا نقتسم الهواء في زواريب دمشق العتيقة،

لم ولن تنتهي صلاحيته.. وكيف تنتهي صلاحية النور؟

أنتَ باقٍ.. "زياد في قلب دمشق"،

تسكن حَناجر الشباب والصبايا، السوريين .. اللبنانيين والعرب،

أولئك الذين كبروا وهم يشربون صوتك في فناجين القهوة المُرّة،

وعلّمتهم كيف يكون الحب ثورة، وكيف تصبح السياسة مسرحاً للعبث النبيل.

الموتُ هو ولادةٌ فادحة الجنون.

تولدُ من جديد مع كل عازف شاب يسرق النار من ألحانك،

ومع كل صبيّة تغسل حزن المدائن بكلماتك الساحرة.

أنتَ الذي قلتَ يوماً عن غواية الأوطان:

"بلد مش معروف مين حاكمه، بس معروف مين داخله"،

وقلتَ عن مرارة العشق والانتظار:

"الحب مش بس كلمة، الحب موقف بيبكّي وبيقسّي".

بين عبث السياسة ويقين الفن، كنتَ الولد المشاكس الذي يمسك يد أُمّه.

عشقكَ لفيروز لم يكن مجرد بنوّة، بل كان صوفيةً وتقديساً.

كنتَ ترى في حنجرتها سماءً بديلة لشرقنا الممزق،

آمنتَ بأن صوتها هو المعيار الوحيد لسلامة هذا العالم،

وأن الأرض دون "فيروز" ليست سوى منفىً ضيق لا يصلح حتى للبكاء.

في زمن الانهيارات الكبرى، حين تضيق الممرات ويهرب الحالمون،

نقف على أطلال الذاكرة، نفتح النوافذ المغلقة بنحيب الغربة،

ونصرخ في وجه الريح العاتية:

 "إيه فيه أمل"!

سيبقى فينا الأمل.. لأنك تركتَ لنا "عايشة وحدا بلاك" تواسي وحشتنا،

ولأننا كلما تعبنا من ليل الغربة، رددنا خلف أُمّك العالية: "نسم علينا الهوى"..

لعل الهوى يحملنا إليك، إلى دمشق، إلى بيروت،

إلى حيث تبتسم أنتَ الآن ساخراً من موتك، ومتكئاً على كتف الخلود.

***

إباء إسماعيل

31 ديسمبر- 26 يوليو 2025

في نصوص اليوم