نصوص أدبية

حسن لمين: ذاكرة الرمل

في المساء الذي بدا أطول من عمره، جلس عبد السلام أمام الطاولة الخشبية، يحدّق في ساعة رملية قديمة. لم تكن أداة فحسب؛ كانت شيئًا يشبه الاعتراف. اشتراها قبل سنوات من سوق عتيق في فاس، يوم كان يظن أن الزمن يُقاس… لا يُعاش.

قلبها ببطء.

انهمر الرمل من الأعلى، كما لو أن شيئًا داخله قد انكسر وبدأ يتسرّب.

لم يكن عبد السلام رجلاً عاديًا. كان مدرسًا أنهكته الحياة، لا من كثرة العمل، بل من ثقل الذكريات. منذ وفاة زوجته، صار الزمن عنده كتلة صامتة، لا تتحرك إلا في هذا الكائن الزجاجي الصغير.

في كل مساء، يجلس أمام الساعة الرملية، يراقب الحبيبات وهي تسقط. لم يكن يقيس الدقائق، بل كان يحاول أن يُبطئ شيئًا لا يُبطأ.

قال لنفسه ذات مرة:

"لو توقفت هذه الحبيبات، هل سيتوقف الألم؟"

لكن الرمل لا يسمع.

في تلك الليلة، حدث شيء غريب.

بينما كان يراقب تدفّق الرمل، لاحظ أن بعض الحبيبات توقفت عند العنق الضيق، كأنها ترددت. اقترب أكثر. وضع عينه بمحاذاة الزجاج.

رأى… وجهًا.

تراجع مذعورًا، ثم عاد ببطء، كمن يخشى أن يكون قد رأى الحقيقة. كان الوجه مألوفًا، متعبًا، لكنه حيّ.

إنها هي.

زوجته.

كانت تنظر إليه من داخل الساعة، كما لو أنها محبوسة بين حبيبات الزمن. شفاهها تتحرك، لكن لا صوت. فهم منها جملة واحدة فقط، كأنها كتبت داخل روحه:

"لم يمت شيء… أنت الذي توقفت."

ارتجفت يداه. أمسك الساعة بقوة، وكأنها قد تسقط.

صرخ: "كيف؟ كيف أخرجك؟"

لكن الرمل عاد يتدفق، أسرع من قبل، وكأن اللحظة ترفض أن تُحتجز.

الذروة

بدافع جنوني، قلب الساعة… ثم قلبها مرة أخرى… ثم ثالثة.

في كل مرة، كان يأمل أن تعود تلك اللحظة، أن يتوقف الرمل عند العنق، أن يظهر الوجه من جديد.

لكن شيئًا لم يحدث.

إلا أنه لاحظ شيئًا آخر.

الرمل في الأسفل… لم يعد كما كان. صار أكثر. أكثر مما يفترض أن تحتويه الساعة.

اقترب، ولمس الزجاج. أحس بثقل غريب. كأن كل لحظة عاشها، كل ذكرى دفنها، كل ألم تجاهله… قد تجمّع هناك.

وفجأة، سمع صوتًا خافتًا، ليس من الساعة، بل من داخله:

"أنت لا تفقد الزمن… أنت تتراكم فيه."

في الصباح، وجده الجيران ممددًا على الأرض، والساعة الرملية مكسورة بجانبه.

لكن الغريب… أنهم حين اقتربوا، لم يجدوا داخلها أي رمل.

كانت فارغة تمامًا.

أما وجه عبد السلام، فكان هادئًا بشكل لم يعرفوه من قبل. كأنه أخيرًا… توقّف عن العدّ.

وفي زاوية الغرفة، على الطاولة الخشبية، كانت هناك ورقة صغيرة، كتب عليها بخط مرتجف:

"حين حاولت أن أُمسك الزمن… اكتشفت أنه كان هو الذي يمسك بي."

***

حسن لمين

في نصوص اليوم