منذُ أنِ انقطعتْ مسبحتي
عرفتُ
أنَّ العمرَ خيطٌ رفيعٌ
نحاولُ أن نجمعَ بهِ
ما تبعثرَ منّا.
ومنذُ ذلكَ اليومِ
وجدتُني أقفُ عندَ بابِ البيتِ،
أحملُ ملامحَ أمّي،
وصمتَ أبي،
وأوزّعُ الطمأنينةَ على الوجوهِ
كما كانا يفعلان.
أبتسمُ للصغارِ،
وأُخفي انكساري،
وأقولُ لكلِّ شيءٍ:
سيكونُ بخير،
بينما الخرابُ
يجلسُ في داخلي
بصمتٍ ثقيل.
كبرتُ يا أمّي،
حتى صرتُ أبحثُ في صوتي
عن نبرةِ أبي،
وفي يدي
عن دفءِ يدِكِ،
لكنّني كلّما حاولتُ أن أكونَ قويًّا
تساقطَ قلبي
مثلَ ورقٍ يابس.
اليومَ
انقطعتْ مسبحتي.
تناثرتِ الحبّاتُ على الأرضِ،
كأنَّ أعوامي كلَّها
تبعثرتْ دفعةً واحدة.
جلستُ ألتقطُها
حبّةً حبّة،
وأعيدُ نظمَها
بأصابعَ أنهكَها العمرُ،
وأخافُ
أن يضيعَ ما تبقّى منّي
بينَ الشقوق.
كلُّ حبّةٍ
تُشبهُ ذكرى،
صوتًا،
ضحكةً،
وجهًا مرَّ من هنا
ثم اختفى.
لكنَّ حبّةً واحدةً
عاندتني.
تدحرجتْ بعيدًا،
كلّما اقتربتُ منها
ابتعدتْ أكثر،
كأنّها تعرفُ
أنَّ قلبي معلّقٌ بها وحدها.
ركضتُ خلفَها
كما يركضُ أبٌ
خلفَ ابنِه
حين يوشكُ أن يغيب.
لكنّها أفلتتْ من يدي،
واختبأتْ في زاويةٍ
لا يصلُ إليها الضوء.
حينها فقط
عرفتُ أنّكَ أنتَ
يا ولدي.
أنتَ الحبّةُ
التي سقطتْ من مسبحتي،
فاختلَّ بعدها
ذكرُ الروح.
منذُ رحيلكَ
وأنا أحاولُ
أن أُكملَ أيّامي،
لكنَّ شيئًا ناقصًا
يُصدرُ صوتَهُ في كلِّ لحظة.
كرسيُّكَ الفارغ،
ضحكتُكَ المعلّقةُ في الجدران،
خطواتُكَ التي انطفأتْ فجأة،
كلُّها تقولُ لي:
إنَّ البيتَ بعدكَ
ليسَ هو البيت.
يا صغيري،
كيف استطاعَ الغيابُ
أن يكونَ بهذا الثقل؟
وكيف لأبٍ
كان يحملُ الدنيا بيديه
أن تعجزَهُ
حبّةٌ صغيرةٌ
هربتْ من مسبحته؟
الآنَ،
كلّما أمسكتُ مسبحتي
أتوقّفُ عندَ الفراغ،
وأتحسّسُ الخيطَ المنقطع،
وأدركُ
أنَّ بعضَ الفقدِ
لا يُعادُ نظمُهُ أبدًا.
***
د.جاسم حسين الخالدي
٢٤ / ٥ / ٢٠٢٦م








