نصوص أدبية
جودت العاني: المسخ!!
سأل نفسه.. لماذا أنا اتحمل هذا العبأ؟ وكيف اتخلص منه.. إنه ثقيل جدا ككتلة من اللحم يسمونها الجسد، أجده لصيقا بي منذ الولادة.. فكيف أفصل (الأنا) بعيدا عن تلك الكتلة؟
الأنا تتحمل عبأ الجسد وبالتالي تتحمل مسؤولية وجوده، ولا مناص من إفتراض فصله حيث يعد الفصل مفارقة فلسفية تقوم على اساس الأنا والآخر.
سأنفصل عن هذا الجسد واحاول ان اضعه في دائرة المسؤولية، مسؤولية تحمل العبأ.. تركته الان مسترخيا امامي وربما خامدا لا يستطيع ان يراقب الاشياء التي تحيطه ولا ماورائيات الافكار والمفردات، وكذلك الحركة التي لا تكف عن الضجيج.. والتعبيرعن المعنى قد لا يكون له معنى وجودي، إنما قد تكون الحركة عبثية وسرعان ما تتبخر كفقاعة صابون.. تركته ساكنا في قلب تلك الحركة ووجدته اصبح جزءا منها حين انزويت بعيدا كما لو كنت معلقا في ركن الغرفة اراقب تلك الحركة الخامدة الا من التنفس الذي مصدره التكرار.
رأيته في الصباح يلتهم فطوره بشهية ويتحرك بشكل عشوائي رغم ان هذه العشوائية ذات معنى، إلا انها لا تعدو ان تكون قد دخلت حالة التكرار ايضا يسمونها (الحركة العبثية)، وهي حلقة مفرغة يتعذر تجاهلها.
راقبته يتفحص كتيب صغير انيق احمر الجلد كالدم وعليه رسم رأس دعسوقة تتصدرها مجسات سوداء وارجل امامية ذات شعيرات حادة كالدبابيس.. اضطجع يحاول ان يقرأء شيئا من مقدمة الكتيب، إلا انه شعر بالضجر فتوجه الى النافذة وأخذ يتطلع بشيء من عدم الامبالات.. ادركت انه يميل الى العزلة لأنه كان يرى الخارج فوضى عارمة، اكتفيت بالمراقبة من زاوية لا يراني فيها معلقا في الاعلى حتى كدت اتحسس نبضه يتصاعد، واكتشفت ان اظافره طويلة لم يهتم بها ويداه معروقتان وشرايينه زرقاء تتحرك احيانا كدود الارض، فيما كان شعره الكثيف الاشعث يبدو اشبه بكرة من الشعر الابيض تتقلب وتتحرك داخل الغرفة المعتمة إلا من ضوء النافذه التي يعتليها غبار الشارع المشبع بالفوضى.
سأل نفسه ثانية، الى متى تظل تابعا لهذا الجسد؟ لماذا يلتصق بك دائما على هذا النحو؟
حرك اصابعه ليمسك القلم وكتب شيئا على الورق، تسود الورقة ثم تليها اخرى ثم اراه يرتشف قليلا من الماء ويعاود الكتابة، وتسود الورقة كسابقاتها.. ماذا يكتب ؟ والاكثر إيلاما لا أحد يقرأ حتى صورة الفاتحة.. لماذا يكتب ولا أحد يريد أن يقرأ ؟.. فاجعة منْ إذن؟ الكتاب ام الكاتب أم القارئ؟ إنها معضلة فك الشفرة المستعصية، وهل هي مستعصية فعلا ؟ لا أحد يكترث، ربما يكون الجوف الخاوي هو الذي يدعو فقط الى الاكتراث ولا شيء آخر..
الرأس، لا شأن له غير انه يعتلي ذك الجسد المسجي، الذي اراه (أنا) من زاوية السقف، اترصده من كل ألاركان وهو لا يأبه، يأكل ويشرب ويتبول ويتغوط ويتناسل.. ثم تعود السقطة في سلسلة التكرار..!!
***
د. جودت صالح
11 / نيسان 2026
.......................
(*) فرانز كافكا حين تخيل نفسه قد تحول الى حشرة.. ففقد حريته..!!
(*) فرانز كافكا مفكر وفيلسوف تشيكي (1883-1924) يكتب بالألمانية يقول لحبيبته ( وأنت يا ميلينا لو احبك مليون فأنا منهم، وإذا احبك واحد فهذا أنا، وإذا لم يحبك أحد فأعلمي حينها إني مت )..!!







