عندما كنتُ صغيرة
كنتُ أعتقد أن الله يتركُ بعضَ مهامه للأطفال.
أجلسُ بالساعات أمام قرى النمل،
أسرقُ من مطبخ أمي حفنةَ قمحٍ
أو شيئًا من فتات الدقيق،
وأوزّعه أمام تلك الممالك الصغيرة
بكل سخاء طفولتي
كنتُ أرى النملةَ تحملُ حبتها
كما يحملُ الفلاحُ مواسمه،
فتتعثرُ أحيانًا،
وتنهضُ أحيانًا،
وتختفي داخل شقٍ ضيق
كنتُ أتخيله مدينةً كاملة.
وأحيانًا،
كان قلبي يستعجلُ الزمن
والمسافة
فأمدُّ أصابعي المرتبكة،
ألتقطُ النملةَ وحملَها معًا،
وأضعهما قرب الباب.
كانت تدورُ حول نفسها
مذعورةً من معجزةٍ لا تفهمها،
وأظلُّ أحدقُ فيها طويلًا
وأشعرُ أنني أصلحتُ شيئًا
في نظام الكون.
عندما كنتُ صغيرة
أحببتُ القطط أيضًا.
كنتُ أجمعُها من الشوارع
كما تجمعُ الأمهاتُ أبناءها من البرد.
أبني لها بيوتًا من الكرتون،
وأمنحها أسماءً
وأقتسمُ معها الحليب
والخبز
وأحيانًا الوسادة.
كنتُ أظنُّ أن القلبَ بيتٌ كبير
يتسعُ للجميع.
لكن أبي
كان يرى في القطط
ما لا أراه.
وكانت المعاركُ الصغيرةُ تنشبُ بيننا
كلما عثر على ضيفٍ جديد
أخفيه في البيت.
كم بكيتُ يومها،
وكم عوقبتُ من أجل قطةٍ جائعة،
لكنني لم أتعلم يومًا
كيف أخونُ ما أحب.
الآن،
بعد كل هذه السنوات،
أفكرُ في تلك الطفلة
التي كانت تمنحُ النملَ قمحًا
والقططَ مأوى
دون أن تسألَ العالم
إن كان يستحق.
وأدركُ أنها
كانت تتعلمُ سرًا قديمًا:
أن الرحمةَ
ليست فضيلةً نكتسبها،
بل كائنٌ صغير
يولدُ معنا،
ثم يقضي العمرَ كله
محاولًا ألا يموت.
***
وفاء كريم الفرشيشي








