عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جودت هوشيار: غرفة زوشينكو

لم أكن أطيق السكن في البيت الطلابي المزدحم الخاضع للرقابة. كنت أحلم بغرفة صغيرة أستطيع أن أغلق بابها عليّ وأعيش فيها بهدوء، لكن العثور على غرفة للإيجار في موسكو لم يكن أمراً سهلاً. كانت أزمة السكن خانقة؛ فغالباً ما كانت عدة عائلات تتقاسم شقة واحدة، لكل عائلة غرفة، بينما يشتركون جميعاً في المطبخ والحمام. أما أن تنفرد عائلة بشقة كاملة، فذلك من ضروب الرفاهية النادرة.

كانت إعلانات التأجير قليلة، تضيع بين عشرات الإعلانات الخاصة بتبادل الشقق، المعلقة على الجدران وأعمدة الكهرباء واللوحات الزجاجية التي كانت تُعرض عليها صفحات جريدتي البرافدا» و«إزفيستيا» .»

وذات يوم، قرب محطة «ريجسكايا»، وقعت عيناي على إعلان صغير شدّ انتباهي:

«غرفة للإيجار لشخص واحد، ويفضل أن يكون طالباً أو طالبة.»

نزعت الورقة بسرعة ودسستها في جيبي كي لا يسبقني إليها أحد. فقد تهرأ حذائي من كثرة التجوال والبحث. وكم من مرة كنت أتفق مع أصحاب الشقق على استئجار غرفة، ثم ما إن يعلموا أنني أجنبي حتى يعتذروا بأدب قائلين إن القوانين لا تسمح لهم بإيواء الأجانب.

توجهت فوراً إلى العنوان المذكور. كانت الشقة تقع في الطابق الثالث من بناية حجرية قديمة ذات طراز روسي عتيق. صعدت الدرج الحجري، إذ لم يكن في البناية مصعد، ثم ضغطت على الجرس.

بعد لحظات سمعت وقع خطوات بطيئة. انفتح الباب قليلاً، وأطلت منه امرأة في أواخر العمر، دبّ الشيب إلى شعرها الكستنائي المشدود تحت منديل أزرق داكن.

تأملتني لحظة وقالت:

ـ لعلك جئت من أجل الغرفة؟

ـ نعم.

فتحت الباب على مصراعيه وقالت:

ـ تفضل يا بني.

قادتني إلى غرفة صغيرة تضم سريراً وطاولة ودولاباً متواضعاً ومصباحاً إلى جانب السرير.

قالت:

ـ الغرفة صغيرة، لكنها مريحة.

أجبت:

ـ تناسبني تماماً.

سألتها عن الأجرة، فهزت رأسها وقالت:

ـ الأجرة ليست أهم شيء. لدي شرطان فقط: لا سُكر ولا فتيات.

ابتسمت وقلت:

ـ أوافق.

ـ عشرون روبلاً في الشهر.

وافقت من فوري.

قالت:

ـ جيد. والآن تعال إلى غرفة المعيشة حتى أحضر الشاي.

جلست وحدي للحظات أفكر: هل أخبرها بأنني أجنبي؟ كنت أعلم أن الحقيقة قد تنهي الاتفاق كله. غير أن العيش متخفياً كان يثقل ضميري؛ ففي كل مرة أخفي فيها هويتي أشعر وكأنني أمارس نوعاً من الخداع.

عادت المرأة وهي تحمل صينية الشاي، وما إن وضعتها على الطاولة حتى قالت مبتسمة:

ـ في الحقيقة، كنت أشك منذ البداية أنك أجنبي. مظهرك مختلف عن شبابنا. لكنني سأغامر. لم يعد يهمني كثيراً ما قد يقوله رجال الأمن.

تنفست الصعداء وقلت:

ـ أنا من العراق.

ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:

ـ على أي حال، سأغامر وأؤجر لك الغرفة

عندئذ بدأت أتأمل الغرفة من حولي. كان الجدار المقابل للنافذة مغطى بالكتب من الأرض إلى السقف. لم أرَ من قبل هذا العدد الهائل من الكتب في شقة خاصة. أثارتني العناوين المتراصة على الرفوف، فبدا المكان أقرب إلى مكتبة منه إلى غرفة معيشة.

لاحظت اهتمامي فقالت:

ـ الكتب هي كل ما تبقى لي تقريباً.

ثم نهضت وأحضرت عدة مؤلفات من رف قريب. قرأت عناوينها: «شعرية كوبرين»، و«جماليات قصص كيريلينكو»، وكتاباً قديماً اصفرّت صفحاته بعنوان «لغة ميخائيل زوشينكو».

كان الاسم جديداً عليّ.

سألتها:

ـ من هو زوشينكو؟

حدقت بي بدهشة صادقة.

ـ كيف تدرس في موسكو ولا تعرف زوشينكو؟

قلت:

ـ لم أسمع باسمه في الجامعة، ولم أرَ كتاباً له في المكتبات.

تنهدت وقالت:

ـ لأن كتبه كانت محظورة سنوات طويلة. قبل فترة قصيرة فقط صدر مجلد صغير من مختاراته، واختفى من الأسواق فوراً.

ثم اتجهت إلى أحد الرفوف وعادت وهي تحمل مجموعة من الكتب.

ـ هذه مؤلفاته الكاملة. يمكنك أن تقرأها متى شئت.

تناولت أحد المجلدات. وعلى الصفحة الأولى إهداء بخط اليد:

«إلى أعز صديقة.»

فتحت كتاباً آخر:

«أنتِ ضوء حياتي الحزينة»

وفي ثالث:

«لولاكِ لما ظهر هذا الكتاب.»

رفعت رأسي نحوها وقلت:

ـ يبدو أنك كنت تعرفين زوشينكو معرفة وثيقة.

ساد الصمت.

اتجهت المرأة إلى النافذة وأخذت تنظر إلى أشجار البتولا التي اكتست بخضرة الربيع. وبعد لحظات قالت بصوت خافت:

ـ معرفة وثيقة؟ نعم... يمكن أن تقول ذلك.

ثم أشارت إلى الغرفة الصغيرة التي كنت سأقيم فيها.

ـ أما السرير الذي رأيته هناك... فكان ينام عليه عندما يأتي إلى موسكو.

التفتُ إليها مدهوشاً.

ـ زوشينكو نفسه؟

أومأت برأسها.

ورأيت الدموع تترقرق في عينيها.

سألتها برفق:

ـ وأين عائلتك الآن؟

أجابت بعد صمت قصير:

ـ زوجي لم يعد من المعتقل قط. وابنتي تزوجت وتعيش في حي آخر من المدينة.

ثم عادت بنظرها إلى الأشجار خلف الزجاج، كأنها ترى شيئاً لا أراه.

وعندما تكلمت مرة أخرى كان صوتها يرتجف:

ـ منذ رحيله لم تغب صورته عن مخيلتي يوماً واحداً. أحياناً أشعر أنه أقرب إليّ من جميع الأحياء الذين ألتقيهم. بل إنني أكاد أصدق أنه ما زال هنا، بين هذه الكتب، في هذه الغرف، في هذا الصمت...

ومسحت دمعة سالت على خدها وأضافت:

ـ لا أدري إن كانت ثمة حياة لي بعد ميشا.

***

قصة قصيرة - جودت هوشيار

................

* ميشا: اسم تدليل لميخائيل

في نصوص اليوم