عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

مروان ياسين الدليمي: اعترافات كلب

في إحدى ليالي الشتاء، بينما كانت الريح تضرب زجاج النافذة مثل متسول فقد صبره، جلست وحيدا في الغرفة التي صارت مع الوقت أصغر من أحلامي وأكبر من قدرتي على احتمالها. كانت الساعة تقترب من منتصف الليل. المصباح الأصفر المعلق في السقف ينشر ضوءا شاحبا يشبه ضوء المستشفيات القديمة. وعلى الطاولة الخشبية تراكمت أوراق ومخطوطات ودفاتر ملاحظات وأكواب قهوة فارغة، كأنها بقايا معركة طويلة لم يخرج منها أحد منتصرا. عندها فقط سمعت صوتا غريبا. كان الصوت آتيا من الزاوية المظلمة قرب المكتبة. التفت. رأيت كلبا هزيلا بلون التراب يجلس هناك. لم أفزع. في عمري هذا لم تعد الأشياء الغريبة تثير دهشتي كثيرا.

سألته:

ـ من أنت؟

رفع رأسه ونظر إلي بعينين حزينتين.

قال:

ـ أنا الحقيقة.

ضحكت.

قلت:

ـ الحقيقة؟

هز ذيله المتعب.

ـ نعم. ألم تتعرف إلي؟

اقتربت منه. كان جسده مليئا بالخدوش والجروح القديمة. أذنه اليمنى ممزقة. وذيله يكاد يخلو من الشعر.

قلت:

ـ ماذا حدث لك؟

تنهد الكلب.

ـ الناس.

ثم أضاف:

- كلهم يحبونني من بعيد. لكنهم يرمونني بالحجارة عندما أقترب.

في صباح اليوم التالي خرجت إلى الشارع. كان الكلب يسير إلى جواري. الناس لا يرونه. وحدي كنت أراه. عند المخبز وقف رجال يتحدثون عن النزاهة. كانوا يتحدثون بحماس شديد حتى خيل إلي أن الملائكة ستنزل بعد قليل لتسجل أسماءهم في دفاتر الصالحين. همس الكلب في أذني:

ـ انتظر قليلا.

وبعد دقائق رأيت أحدهم يخرج من الطابور مستندا إلى معرفة قديمة بصاحب المخبز. حصل على حصته أولا. ابتسم الكلب.

ـ هل رأيت؟

قلت:

ـ نعم.

قال:

ـ الجميع يحب العدالة ما دامت لا تعطل مصالحه.

كلما تقدمت بي السنوات كنت أشعر أن المسافة بين الكلمات والأفعال تكبر. في شبابي كنت أصدق ما يقال. أما الآن فأنا أصدق ما يحدث. الكلمات تشبه الملابس الرسمية. يمكن لأي شخص أن يرتديها. لكن الأفعال تشبه الجلد. لا يمكن تزويرها طويلا. وصلت إلى هذا الاكتشاف متأخرا، بعد أن عبرت نصف العمر أو أكثر. هناك لحظة خفية لا يلاحظها أحد. لحظة يستيقظ فيها الإنسان صباحا ويكتشف أن ما بقي من الطريق أقل مما قطعه. عندها تتغير أشياء كثيرة. يتعب من التمثيل. يتعب من المجاملات. يتعب من التصفيق لأمور لا يؤمن بها. ويبدأ في قول ما يفكر فيه. وهنا تبدأ مشكلته الحقيقية.

أتذكر اليوم الذي فقدت فيه عملي. كان ذلك في مطلع عام 2020. خرجت من المبنى حاملا حقيبة صغيرة. كانت السماء صافية بشكل مستفز. السيارات تمر. الناس يضحكون. الباعة ينادون على بضائعهم. كل شيء بدا طبيعيا إلى درجة القسوة. كأن العالم يقول لي: ما حدث لك لا يخصني. في الطريق إلى البيت شعرت أن المدينة كلها تنظر إلي من فوق. الأرصفة. الأشجار. إشارات المرور. حتى التماثيل التي كانت تملأ الساحات قبل أعوام طويلة بدت وكأنها تبتسم بسخرية. في تلك الليلة لم أنم. جلست في الظلام أراقب السقف. وكان الكلب يرقد قرب قدمي.

قال:

ـ الآن ستعرف أصدقاءك.

خلال الأسابيع التالية انهالت الاتصالات. الجميع كان متعاطفا. الجميع كان حزينا. الجميع كان مستعدا لفعل أي شيء من أجلي. على الأقل هذا ما قالوه. لكن الأيام مرت. ثم الأسابيع. ثم الشهور. وبدأت الكلمات تتساقط واحدة بعد أخرى مثل أوراق شجرة ميتة. بقيت الوعود وحدها معلقة في الهواء. وعود بلا أقدام. وعود لا تعرف الطريق إلى التنفيذ. في أحد المقاهي التقيت رجلا ظل سنوات طويلة يصفني بالأخ والصديق. ربت على كتفي. قال بصوت مفعم بالمشاعر:

ـ لو كان الأمر بيدي لفعلت المستحيل.

ثم نهض بعد دقائق وذهب.

لاحقا اكتشفت أن المستحيل الذي تحدث عنه كان أقل كلفة من فنجان القهوة الذي شربه أمامي. ضحك الكلب طويلا يومها. حتى دمعت عيناه.

في تلك السنوات كنت أستعيد صورة جدتي. كانت تسكن بيتا صغيرا تفوح منه رائحة الخبز والحطب. امرأة لا تعرف الخطب الرنانة. ولا تتحدث عن الفضائل كثيرا. كانت تمارسها فقط. أتذكر مرة عدت إليها طفلا بعد شجار مع أولاد الحي. جلست أبكي. لم تسأل من المخطئ. لم تلق محاضرة عن الأخلاق. وضعت أمامي قطعة خبز ساخنة. وقالت:

ـ كل ما ينكسر يمكن إصلاحه إلا القلب إذا اعتاد الخيبة.

كبرت وأنا أتذكر تلك الجملة. واليوم أفهمها أكثر من أي وقت مضى. بعد رحيلها بدا العالم أقل دفئا. وأصبح العطاء المجاني نادرا مثل المطر في الصحراء.

عندما ضاقت السبل لم أبحث عن مسؤول نافذ. ولا عن وسيط. ولا عن باب خلفي. جلست أمام الورقة. قلت لنفسي: هذه هي مهنتك الوحيدة. فإما أن تنقذك أو تغرق معها.

وهكذا بدأت الكتابة تتحول من شغف إلى وسيلة نجاة. أستيقظ باكرا. أجلس إلى الطاولة. أكتب. ثم أمزق. ثم أكتب من جديد. أحيانا أشعر أن الكلمات حجارة أجرها خلفي. وأحيانا أشعر أنها أجنحة صغيرة تمنعني من السقوط. وكان الكلب يجلس قرب المكتب يراقبني. كلما كتبت جملة صادقة هز ذيله. وكلما حاولت تجميل الواقع أو تزويره زمجر باستياء. رأيت أشياء كثيرة. رأيت أشخاصا كانوا يقفون خارج الأبواب سنوات طويلة. ثم فجأة فُتحت لهم جميع الأبواب. لم يكن السبب أنهم أصبحوا أكثر موهبة. بل لأنهم تعلموا النغمة الصحيحة. تعلموا متى يصفقون. ومتى يبتسمون. ومتى يصمتون. ومتى يبيعون آراءهم.

في إحدى الأمسيات حضرت حفلا ثقافيا. كان شاعر متواضع الموهبة يتلقى التكريم تلو التكريم. التصفيق لا يتوقف. الكاميرات تسجل . الخطب تتوالى. سألت رجلا يجلس بجانبي:

ـ ما سر هذا النجاح؟

ابتسم.

وقال:

ـ إنه يعرف الأشخاص المناسبين.

لم يقل إنه يكتب القصائد المناسبة. بل الأشخاص المناسبين.

وهنا فهمت كل شيء. شيئا فشيئا اكتشفت أن الصراحة ليست فضيلة اجتماعية كما يقال. إنها مخاطرة. الصريح يشبه شخصا يدخل حفلة تنكرية مرتديا وجهه الحقيقي. الجميع ينظر إليه باستغراب. الجميع يشعر بالانزعاج. لأنه يذكرهم بالأقنعة التي يرتدونها. لهذا يصبح الصريح متهما دائما. يقال إنه حاد الطباع. أو متشائم. أو غير دبلوماسي. أما الكاذب المهذب فيحظى غالبا بمحبة واسعة. لأنه يساعد الآخرين على الاستمرار في أوهامهم.

ذات ليلة رأيت الكلب جالسا على سطح المنزل. كان القمر بدرا. والمدينة غارقة في الظلام. جلست بجانبه. قلت:

ـ لماذا يهرب الناس منك؟

أجاب بعد صمت طويل:

ـ لأنني مكلف.

قلت:

ـ كيف؟

قال:

ـ إذا اعترف الإنسان بالحقيقة سيضطر إلى تغيير شيء في حياته. والبشر يفضلون الألم المألوف على التغيير المجهول.

بقيت أفكر في كلامه حتى الفجر.

اليوم، بعد كل تلك السنوات، لا أملك ثروة. ولا منصبا. ولا نفوذا. لكنني أملك شيئا آخر. أستطيع أن أنظر إلى المرآة دون أن أخفض عيني. أستطيع أن أتذكر أياما كثيرة من حياتي دون أن أشعر بالخجل. وربما يبدو هذا أمرا بسيطا في زمننا. لكنه ليس كذلك.

لقد أصبح الاحتفاظ بالكرامة عملا شاقا. والحفاظ على النزاهة نوعا من المقاومة اليومية.

أما الحقيقة، ذلك الكلب العجوز الذي يسكن غرفتي، فما زالت جروحه تزداد. وما زال الناس يطاردونه بالحجارة كلما ظهر في الشوارع. لكنني تعلمت شيئا مهما من صحبته الطويلة. تعلمت أن الخسارة الحقيقية ليست أن يخسرك الآخرون. بل أن تخسر نفسك. وأن أفقر الناس ليس من يملك مالا قليلا. بل من يبيع قناعاته بثمن يعرف في أعماقه أنه أقل من قيمتها. لهذا، كلما سألني أحد عن سبب تمسكي بالصراحة رغم ما تجره من متاعب، أتذكر ذلك الكلب الجالس في زاوية الغرفة. أنظر إلى جراحه. وأقول:

لأنني لا أريد أن أكون واحدا ممن رموه بالحجارة.

***

مروان ياسين الدليمي

في نصوص اليوم