عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

جيلالي عمراني: إلى الجحيم

عدتُ مساءً إلى مدينة(ب) بعد غياب طويل، بحثا عن الطمأنينة والتّطهّر من تلك الدّماء العالقة بجسدي، في الطّريق الممتدة على بعد مئة ميل، لا بديل عن مواساة روحي المسحوقة، فمثلا، تمنيتُ لو تفقد سيارتي توازنها فتنقلب في إحدى المنعرجات، أو لو أصاب بالزهايمر، ليس هذا فقط، رحتُ أرسمُ الكثير من المخارج لمعضلتي، أعرف أنها مستحيلة، إذن فلا شيء غير الغناء والبكاء في آن.

استفقتُ من غيبوبتي على واقع سوداويّ وأنا أركن السّيارة قبالة ساحة الأُسود. بدتْ مدينتي شرسة، باردة، فوضوية بعماراتها الشّاهقة، لم يبق من بريقها الأول سوى هيمنة الضّوضاء وضجيج الباعة. ترجلتُ خطوات قليلة بلباسي التنكريّ، لم يلتفتْ إليّ أحد المارّة، هذا مشجع جدا، غدوت مهرجا بقبعتي الزرقاء وشواربي الاصطناعية. في النهاية (الزّيني) مجرد رقم مجهول في الزّحام، مع أني أحمل بطاقة مهنية ومسدسا وتاريخا طويلا من المجد، تؤلمني هذه النّهاية. لم تكن لي بدائل حقيقية بخصوص المبيت، لا أريد إحراج الأصدقاء أو ما تبقى من أفراد عائلتي في (ب). لم يبق لي سوى خيار فندق(النّجمة) حصرا، الواقع في شارع الاستقلال، طالما ارتبطت بدايتي المهنية به في سنوات الجمر، تقدمت نحو موظف الاستقبال، سألته عن وجود غرفة لشخص واحد، ردّ بتكشيرة:

-"موجودة يا سيدي"

منحته هوية مزوّرة، في الواقع لا أستعمل اسمي الحقيقي حتى في البيت لا أحد منهم يناديني باسمي.

دلفت إلى الغرفة(11)، كانت عادية، تضمّ سريرا خشبيّا وخزانة ومكتبا صغيرا، مطلّة على الشارع، وضعت أغراضي القليلة في الدولاب، سحبت رزمة أوراق بيضاء ومجموعة أقلام، لوازم أخرى تتعلق بالتّنكر.

بدأت تعاستي بمجرد سقوطي على السرير، شعرُتُ بثقل في يديّ وتخشبهما، رحت أستجلب الإغفاءة بأي شكل، أعرف أني سأعيش سلسلة من الكوابيس المتصلة، من الشّنق والتّقطيع والسّحل كما يحدث لي عادة بعد كلّ عملية قذرة، هذه ليست قذرة يا زينو، هي بشعة صحيح، لكنها ضرورية، أجل، أكثر من ضرورية.. نمتُ نوما متقطعا، كلما استيقظت أجد نفسي مرعوبا، أتمزّق من الداخل والخارج.

(2)

خرجت من الفندق صباحا، غمرتني فرحة قصيرة، مبهمة، كأن القضيّة قُيّدتْ ضد مجهول، ابتسمتُ في وجهي العابس الذي قابلني من واجهة زجاجية، بادلني الابتسامة. واصلتُ طريقي بدءا من ساحة الثّورة صعودا إلى الشّارع الخلفيّ المزدحم بصغار التّجار والعمال، أكشاك صغيرة، وبنايات كبيرة، في الجهة المقابلة مقهى(الرفقة)العريق، بينما قلبي انقبض بشدّة، أحسستُ أن أحدا يلاحقني، أينما وليتُ وجهي أرى طيفا ملفوفا بملاءة بيضاء بين المارة، يتعقب خطواتي بإصرار، اندفعتُ نحو المقهى غير مبال بالطّيف.

استطلعت المكان بالكامل قبل ولوجي تحسبا لأي طارئ، معارفي مثلا، وأنا في غنى عن لقائهم في هذا التوقيت غير الملائم للمشاحنات أو المجاملات أو التأنيب، لا أتحمّل كلماتهم السّمجة والثقيلة، وبإمكاني قولها للتو نيابة عنهم: أين أنت؟ لم تتكبر؟ لماذا اختفيت؟ بالتأكيد أغلبهم يتقولون عني أشياء فضيعة، لا علينا.

تغيّر مقهى (الرفقة) كثيرا، مرآة كبيرة معلقة على الجدار، لوحات فنية، أطباق الحلوى موضوعة فوق الكنتوار، كراسي خشبية، في الواقع كنا نريد هذا التحوّل التّدريجي نحو الانفتاح الجميل، من مجرد ركام إسمنتي إلى زاوية فن عجيبة، ملتقى يومي لفنانين فاشلين بضحالة أفكارهم، غاصّ بالزبائن، بعضهم منا والبعض الآخر محسوب على المعارضة، تستطع القول أنّه نوع من التّجمهر غير المصرّح به. في الغالب هذه الأماكن المغلقة نعتبرها بؤرا لإثارة القلاقل، سأفكر في الوضع لا محالة، وأعيد ترتيب أوراق الدّائرة، علمتني الحياة أن لا أثق في تقارير غير دقيقة وغير موضوعية.

جلست في الزّاوية القصّية، وحيدا، منسيا، ومخصيّا بالخوف، حتى النّادل الوضيع تجاهل دخولي. يستمع إلى ما يردّده لاعبو الورق. فتحتُ الجرائد بقلق، واحدة تلو أخرى، لا جديد يذكر، الزبائن يثرثرون، يتبادلون الشتائم بلغتهم الرّامزة، المشفّرة، الحادّة، الملتبسة، فجأة، رأيتُ الطّيف يتسلّل من النّافذة، توقفتُ عن القراءة، أخذتْ شكلا جديدا من التّمويه، أحدّق في وجه أنثوي قمحيّ، مغرٍ، تقتربْ، هي، لونجة...مستحيل؟ أعرف أنها مجرد تخيلات فضيعة، مع ذلك كنتُ مرعوبا، لا أعرف إن رآها الزبائن مثلما رأيتها؟

صرختُ في وجه النادل:

-"شاي..شاي...يا أنت"

في الواقع كنتُ أستغيث بالنّادل، في وقت كان فيه الطّيف قبالتي...هي لونجة.. غير معقول! تستفزني بحركات منسجمة، راقصة، لساني المتخشب يقول: كم هي رشيقة! قبل يومين فقط كانت لا شيء، تشبه برميلا، تتبعثر حينما أريد، وتنكمش حول نفسها حينما أريد. أخذتْ وقتها لتنفيذ خطّتها، وأنا بطلها الذّليل، القاتل، ثم تنهال علي السّيوف والخناجر، حتى الرّعاع يعرفون كيف يثأرون من جلاديهم، بالتأكيد فكّرتْ في السيناريو المثالي، حيث تعطي المساحة الكافية للجماهير من أجل الفرجة والتشفي في ديكتاتور غير عادل، لم يكن ذلك صحيحا، أنا مجرد ضابط صغير ينفّذ الأوامر، كنت عادلا وصارما، ووطنيا حتى النّخاع، إن شئتم سأنشر كل الوثائق التي تؤكد نزاهتي.. تبا لكم جميعا.. ماذا تفعلُ هنا وأنا خارج للتو احتفاءً بنهايتها؟

أعطت لي ظهرها الضّارب في السّمرة. كانت ترسم في الهواء، ترسم أنفي الطويل وجحوظ عيني في لحظاتها الأخيرة.. لعلّها ترسمني ميتا مسجى، غولا يلتهم نفسه في آخر المطاف، بخطوط كاريكاتورية، تأكدي أني سأفعلها ثانية. عدّلت من وضعيتها، ترمقني بابتسامة خلابة، كأنها تعطيني الانطباع بأنها متسامحة أو تناست الحدث برمته.. طلبت الشاي للمرة الثانية. تأخر النّادل، أو تعمّد من أجل إذلالي. أراقب الوضع بحياد، ورائي لاشيء يا أنت، سأعلمك لاحقا كيف تحترم الزبائن المهمين، تخيلوا معي لو يعرف هؤلاء أني(الزّيني)، سيتغير كلّ شيء في لمح البصر، تراهم يجيؤون، مثنى مثنى، هذا يكتب لي في قصاصة يطلب مساعدة ما، وذاك يطلب مني تدخلا من أجل أحد أفراد عائلته مرميا في السّجن، الشاعر ذاك نفسه الذي يقرأ قصائد أحمد مطر لن يتردد في كتابة قصيدة عصماء يتبجح ببطولاتي وأعمالي الجليلة، لكني سألتزم الصمت إلى حين.

يصل النادل أخيرا، يحدّق في قسمات وجهي. ثمّ يضع كاس شاي أمامي بتكاسل، وأنا أراقبها، ماذا يحدث؟ ماذا تريد مني؟ ألمْ تقتلها قبل يومين يا الزيني؟ نعم فعلتها ببرودة دم داخل شقتها، بالأحرى شقتي كوني أنا من كان يدفع أقساط التأجير نظير خدماتها كوْن لونجة بالرغم من أخطائها، فهي خدومة، هي ذراعي الأيمن، زرعتها في الجامعة المركزية منذ سنوات، لم تجرؤ يوما على مخالفة الأوامر، في نهاية كلّ أسبوع تكرمني بعطاياها اللّذيذة، أحيانا يتعكّر مزاجي بسبب شمّي لرائحة خيانة ما ملتصقة بجسدها، كنتُ أغفر لها تلك الزلات، لأني أيضا أخونها وأخون زوجتي وأخون نفسي كلما وجدت السبيل إلى ذلك.

تلك الليلة تسللتُ إلى شّقتها قبل مجيئها بقليل، تمددتُ على الكنبة، منحتني الظلمة فسحة لاستعادة شريط حياتي المعقّد، بلقائنا الأول في أزقة مدينتي، يومها لم تنجح في امتحان انتقاء أعوان الشرطة، خرجتْ من المركز غاضبة، كنت بالمرصاد، أحبُ هذا النّوع من المحطمّين نفسيا، لم تكن جميلة، ولا أنا، لم أكن من ذاك النّوع المرغوب فيه، قررتُ أن تكون لونجة لي، رفضتني مرارا، أغويتها وحاصرتها، لاحقتها كثيرا، قلت لها بصدق لستُ قادرا على مساعدتك لتظفري بمنصب عمل في سلك الشرطة، هذا حقيقي، كنت عونا بسيطا في الدائرة قبل أن أجد من يسندني في صعودي الصعب نحو القمة، صديقتي لم تعرف كم تعبت في مشواري لأصل إلى ما أنا فيه. لم تعرف كم ليلة بقيت فيها ساهرا أخطط للوصول إلى القمة. لم تكن تحبني، فقط كانت تساير جنوني، هوسي بجسدها المغزليّ، تستمع لهذياني شبه اليومي، في النهاية ليس لها سوى السير معي في طريق شبه مسدودة، إلى أن تمكنتُ من توظيفها كعميل، لا، لا، أحبذ هذا الوصف، ليست عميلة، هي موظفة أمن، بالإضافة إلى انتسابها إلى عمال الجامعة المركزية.

كانت تلك الليلة عسيرة، أتعرق كثيرا، أتقلب على الكنبة، ثمّ باغتتني وجوه قادتي الذين سأقابلهم في القريب العاجل، قد تتحوّل التّقارير المتراكمة فوق مكاتبهم إلى محاكمة تاريخية. أعرف كنت النقطة الأضعف في تلك المتاهة، من السهل التضحية بي، بدوري سأضحي بالأقرب إلي.. أخيرا وصلتْ، لم تتفاجأ بوجودي في الصّالة، كانت على استعداد للمضي قدما نحو حتفنا، كأنها تنتظر سفرنا نحو الجحيم، احتضنتني بقوة، قالت بهمس لذيذ:

-" أحبك"

أشكّ في قولها طبعا، هي فقط ضعيفة ومسالمة أمام جبروتي، قلت بحزن شديد:

-" أنا أيضا أحبك"

أضفتُ بيأس:

-"ثمة تغيير يدمّر حياتي يا عزيزتي، سيعصف بي قريبا"

قالت:

-"أعرف، حياتك على كفّ عفريت، أقدّر وضعك المزري"

-" يجب أن أضع حدا لهذه المهزلة، أشمّ رائحة خيانة كبيرة هزتني هزا، أشكّ في الجميع، أنت الأقرب إلى دائرة شكوكي"

قالت مندهشة:

-"أنا؟"

-" نعم، أنت، أنا من صنعك وانتشلك من القاع، أتذكرين مشوارك الوسخ ونذالتك؟"

لم تقلق أبدا، تتحرك في أرجاء الشقة بهدوء مريب، غير عابئة بكلماتي العارية، شغلتْ المسجلة العتيقة، موسيقى كلاسيكية تنبعث من الزاوية، أدارت وجهها صوبي، مبتسمة، قالت بخبث:

-"مع ذلك أحبك ولا أحبك يا زينو"

كلما رأيتها تذكرتُ أخطائي، ضحاياي. أخشى من عينيها السوداوين، مسألة التخلّص منها كان ضروريا ومنطقيا لكلينا. خلعت بلوزتها الوردية بمهل، كأنها تدعوني لتوغل في غاباتها المترامية الأطراف، عندما تريدك ستجعلك تنسى همومك، كانت تبتسم وتتغنج، اقتربت منها، كنتُ واثقا أنها الليلة الأخيرة، أريدها سخية بالماء والدّماء، وضعت يدي حول رقبتها، مداعبا ومغنيا لها مواويلي القديمة الممزوجة بالثرثرة والهذيان، قلت لها:

- " سأرسلك إلى الجحيم يا عزيزتي، أنت شريكتي المذنبة والعبء الثّقيل"

بدأت أضغط حول رقبتها الرقيقة، انتفضت صارخة:

-" أنت أيضا ستلحقني بعد لحظات، أريد أن نسافر معا بطريقة مبتكرة، أعرف أن لك طرقا مبدعة"

-"سأفعل بالتأكيد، أنت تستحقين ذلك"

-"اهدأ الآن أرجوك أنت تؤذيني بيديك، في النهاية لن تقدر على قتلي، لأنك جبان، ربما تفعلها لاحقا بمساعدة زبانتيك"

استمرت في استفزازي باصطناع ابتسامة صفراء:

-"أينما ذهبتَ ستجدني أمامك، خلفك.. تأكد من هذا"

بينما يداي تضغطان على رقبتها بلا رحمة.. تتأوّه، تحاول التّخلص من قبضتي، دون جدوى من محاولتها اليائسة.

نمت جنبها للحظات، كانت سعيدة في رقدتها، رغم الدمعة المنسابة في آخر لحظة. مرتاحا من كل مشاغلي ومشاكلي العاطفية والدسائس التي يمررها خصومي، ربما حلمت ليلا، قرأت قصتي مثلا منشورة في جريدة ما. غادرت الشقة بهدوء، لم ألتفت حيث تمددت، بلا ندم أو حسرة على ضياعي.

(3)

عدت إلى الفندق مسرعا، صعدت إلى غرفتي، تخلصت من ثيابي التنكرية، فجأة، رأيتها متكورة تحت الأغطية...تتثاءب. حاولتُ التراجع إلى الخلف، أخرجت مسدسي وأنا أصرخ في وجهها:

-"سأقتلك ثانية يا عاهرة"

أطلقت قهقهة طويلة، مزعجة، صوتها وصل إلى الشّارع، أسمعها تغني في الرواق، في الصالون، في السماء، أسمعها بوضوح تقول بضحكة متدفقة:

-"ألم اقل لك؟"

أصرخ، لا أحد سمعني، خرجت إلى رواق الفندق أجري وأصرخ:

-" من سمح لهذه العاهرة باقتحام غرفتي؟ ستدفعون الثمن يا كلاب"

حينها وصل عامل التنظيف، مندهشا من هلعي، من صراخي:

-"كيف سمحتم لتلك العاهرة الدخول إلى غرفتي؟"

اندهش من تصرفاتي، أطلّ برأسه نحو الداخل، عاد قائلا:

-"لا أحد يا سيدي.."

رافقني إلى الغرفة، ركبتاي ثقيلتان، بينما.. رنّ الهاتف الدّاخلي، حملتُ السماعة ببطء، بخوف سمعت صوت موظف الاستقبال:

-"ألو سيدي، امرأة في انتظارك هنا في قاعة الاستقبال"

-"امرأة؟"

-" أجل سيدي، تدعى لونجة، هي في انتظارك"

***

قصة قصيرة

جيلالي عمراني