عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

قصي عسكر: المرآة لا تحبّ الغرباء

هل أصدّق نفسي؟

قد أكون بالغت كثيرا في شروطي مع صانع المرايا. هذا يثبت كوني بعيدا عن الفضول، ولا أرغب في أن أعرف عن نفسي من الآخرين. مسألة الإطار تهمني، والزخارف التي تحيطه لا أعيرها اهتماما. ورود.. شجر.. ورق.. امرأة عارية، فقط أحب أن يكون الإطار بلون ذهبي دائريّ الشكل. بتصوّري أنّ المرآة يعنيها وجهي أولا وأخيرا، ولا أناقض نفسي حين يكون وجهي طوليا والمرآة مدوّرة. الدائرة أكمل ىالأشياء تحافظ على ما تحيط به، ولا تفرّط فيه ويمكنها أن تقرأ وجهي الطولي بنفس الدقّة التي تظهر فيها بقيّة الوجوه.

  بلا شك ليس خطأ صانع المرايا. 

فأنا كتبت اقتراحي حين دخلت المحل.

فإذا ما عدت إلى زمن أبعد أي قبل يوم.  ذلك الصباح وقفت أمام المرآة حلقت ذقني وأنا أصفر وأدندن مع نفسي. كنت في غاية المرح.. ثم. غادرت المنزل.. وجدت في الطريق صديقا لا أعرفه يكذب.. تطلّع في وجهي وبادر :هل أنت متعب أرى وجهك ذا صفرة...

قلت والهاجس يزيدني حيرة:

لعلني سهرت الليلة الماضية، ثمّ سألت آخر:هل ترى شحوبا يلوح على وجهي، فأجاب بابتسامة عريضة:

أبدا أنت في غاية النشاط.

عندئذ عدت إلى البيت وأنا في شك.. هناك من يراني متعبا شاحب الوجه في الوقت نفسه كثيرون يجدونني أنبض  بالحياة، لو كان عندي مرآة راقية لاستغنيت عن كل الآراء. رميت مرآتي القديمة في الأزبال، وحين دخلت المعرض كانت المرايا تحيطني من جميع الأركان

راحت صورتي تتشظى الى عشرات الوجوه.

تنقسم

وتصطدم ببعضها. أصبجت أكثر من واحد. كل وجه من وجوهي الكثيرة يختلف مع تيار الضوء العابر إليه. اقتنعت أن أية منهن لاتمنحي وجهي الذي أريده.

أو وجهي الذي يرافقني.

قلت لصانع المرايا:

لا أريد مرآة تتدرب على وجهي كلّ يوم مثل التي كانت عندي من قبل.

فأجاب وهو يتابع الشروط التي دونتها أمامه:

لا تقلق أنت تريد مرآة غير عادية نحن الآن في عصر المعجزات.

وقد وفى الرجل بوعده

كانت مرآة لا تتدرب على وجهي إذ أراه شاحبا ويراه الآخرون ينبض بالحياة، بدت صافية لايعكرها الضباب ولا اختلاف النور، كل شئ ممكن، نحن في عصر يمكن أن نتحسس فيه مشاعر الأشياء الجامدة وشعورها الخفي نحونا.

 لم أعد  أقلق، أقف أمامها كلّ صباح وأثق بها، أخاطب الشخص الآخر الذي أراه: أجدك اليوم ياسيدي أنيقا، لا تشعر بالقلق، نمت البارحة نوما عميقا، وسوف تشرب قهوتك وتفطر بالزبدة والمربى، تمشي مسافة تروض رجليك، وتواصل عملك.

إنها لا تكذب علي

أصبحت صديقتي.

تخبرني عن نفسي وما يجب أن أؤوديه كل يوم.

لا أحد يخالفها منذ رأيت صورتي فيها.. تعكس صورتي كما أرغبها وترغب فلا يختلف فيّ أحد، وعلى الرغم من أنني أحب العزلة إلا أن هناك مناسبات تدفعنا إلى أن نزور الآخرين وندعوهم لزيارتنا. كانت مناسبة عيد ميلادي، أحضرت كل شئ، وقد حضر إلى منزلي بعض الأصدقاء والصديقات الذين لا ألتقيهم إلا في المناسبات، وفيهم من قرأ وجهي ذات يوم.

وقد فوجئت أنّهم ليلة حضروا لم يروا أيّ شئ. كانوا يظنونها لوحة فضية مدورة خالصة البياض تحيطها أوراق ذهبية خالصة البريق.

إنها لوحة جميلة توحي بالنقاء المتمثّل باللون الأبيض.

لم لا تكون الفراغ نفسه؟

قالت إحدى المدعوات، فعقب أحدهم

أو الكون البارد.

لا أحد منهم يقدر أن يرى صورته فيها. كانت فقط تختص بوجهي، وترفض الوجوه الأخرى، أهناك خلل، أم أنّها لا تريد أن تخونني مثلما تتعلق المرايا الأخرى بوجوه الآخرين غير أصحابها.

لكنني

أقسم أني أرى فيها وجهي. في غاية الحيوية والأناقة. غمزتها بعيني، فابتسمت لابتسامتي. تأكدت الآن أنها لن تحب الغرباء، وتحس بي وحدي.

وحدي أنا

تركت ضيوفي يتحدثون عن اللوحة والنقاء والبياض أو الكون، والدائرة المغلقة، وبين حين وآخر أتطلع فيها فأبعث لها ابتسامة أو قبلة، ولا وجهاً غير وجهي ينطبع على بياضها اللامتناهي.

***

د. قصي الشيخ عسكر