نصوص أدبية
مصطفى علي: الظلامُ الأبَديّ
ETERNAL DARKNESS
(إلى قلبِ بيروتِ النازف)
***
بيروتُ قلبي نازفٌ وَحُشاشتي
وَشَوتْهُما نارُ اللقيطةِ شَيّا.
*
يختالُ قاتلُنا الزنيمُ ضراوةً
ويصولُ وحشاً ضارياً هَمَجيّا
*
هيهاتَ يسمو مرّةً أو يرتقي
لِيصيرَ في دنيا الأنامِ سَويّا
*
متلبّساً طَبْعَ الضباعِ وهكذا
فَهِمَ التناخَ وربّها الدمويّا
*
عنوانُها يوحي بشرِّ طِباعِهِمْ
وَلَقد بدى للعالمينَ جَليّا
*
هوَ لم يكنْ إلا ظلاماً دامساً
يغشى المنازلَ والحِمى أبديّا
*
أوما إلى الشُذّاذِ بينَ حضارةٍ
ألقتْ علينا داءَها الأزليَّا
*
حاروا بمسألةِ العصورِ وَحَلِّها
فإذا اهْتدْوا كانَ الجوابُ فَريّا
*
أوحى لهم حاخامُهمْ أن يغْرِسوا
بِديارِنا شيطانَهُ العَدَميّا
*
نَسِيَ الرجيمُ خطيئةَ الملأِ الأُلى
غَدَروا به حينَ الشتاتِ مَليّا
*
طَفَحَ المذلّةَ علقماً بديارِهم
فَمَزاجُ رومُ الأمْسِ كانَ غَويّا
*
وضميرُ ذاكَ العصرِ شاخَ مُثقّباً
لم يعتقدْ بِسِواهُ حُرّاً آدَميّا
*
حَسبوهُ من نصبَ الصليبَ لربّهم
لمّا عَصى وَكْرَ الكهانةِ حَيّا
*
وَلَكمْ عَصى مَلَكوتَهم لمّا طَغوْا
وَلِربّهِ حاشا يَكونُ عَصيّا
*
فَكَبيرُهمْ نَهِمٌ يحوكُ دسائساً
مهما تقادمَ في الحياةِ عِتيّا
*
فَمُرابياً، صرخوا، هوىً وجِبِلّةً
وَيَلوكُ في لحْمِ المَدينِ ثَريّا
*
حَبَسوهُ أطرافَ المدائنِ ذُلّةً
لِيُقيمَ منبوذاً هُناكَ قَصِيّا
*
جاروا عليهم! رُبَّما بل أمعنوا
إذ أودعوهم في الشتاتِ جِثيّا
*
إن تسألوني عن ظُلامةِ قومهم
قلتُ إسألوا تحتَ الرُكامِ صَبيّا
*
قد سامَهُ الغربُ الشقاءَ ولم يكن
في شرقِنا الادنى الوسيعِ شقّيا
*
فَأتى لِيطلُبَ ثأرَهُ من نَسْلِ مَنْ
سكبوا لهُ كَرَمَ الرُعاةِ نَديّا
*
هُوَ مَنْ يجازي المحسنين بِشرّهِ
ويظلُّ عن حُسْنى الجزاءِ نَسِيّا
*
لَبِثوا دهوراً في عواصمِنا وقد
شَهِدوا جِواراً مُؤنِساً وحَفيّا
*
لم يعْرفوا (الگيتو) هُنا بديارِنا
أو يعْهَدوا خُلُقاً بنا وَحْشيّا
*
مَكَثوا دهوراً بيننا لكنّهم
لم يُنجِبوا إلا القليلَ وفيّا
*
حيثُ المخالفُ والمسالمُ مِثْلُنا
تلكَ الحقيقةُ كم تُغيظُ دَعيّا
*
فَرْضٌ بذمّتنا وعُهْدةِ ديننا
يبقى المُعاهدُ آمِناً مَحْميّا
*
أمّا الغُلاةُ فأنتَ تدري أنهم
حَملوا تعاليمَ الغزاةِ طَويّا
*
قد أشْعَلَ (الفرْهودَ) عودُ ثِقابِهم
فَتّشْ وَكنْ بالخافياتِ حَريّا
*
إِذْ هَلَّ وعداً زائفاً ومشوّهاً
في ليل أحلامِ الغزاةِ فَتيّا
*
مُذْ قاءَ (بلفورُ ) اللعينُ سُمومَهُ
طَبَقاً لأطماعِ الوحوش شَهيّا
*
ما كانَ إلا مخلباً أو مُدْيةً
للقادمين من الضبابِ عَشِيّا
*
يا شارباً زيفَ الحداثةِ عازفاً
أنغامَ رهطِ العابرينَ نَجيّا
*
حتى غدوتَ رفيقَهم ودليلَهم
ثمّ اصطفوكَ مع الذين… نَبيّا
*
فَوَصمْتَ بالارهابِ كلَّ مُقاومٍ
مهما تعفّفَ واسْتقامَ تقيّا
*
متجاهلا مَنْ خوَّضوا بدمائنا
فَبَدوْتَ للباغي الأثيمِ سَمِيّا
*
عُدْ بي إلى سِرِّ الأوابِدِ علّني
ألقى بهذا التيهِ لُغْزاً سومَريّا
*
مُذْ حلّ ما بينَ الفراتِ ودَجْلتي
وانزاحَ في وادي الكُماةِ سَبيّا
*
مُتوعِّداً أسوارَ بابلَ بالردى
مُستنْكِراً جِذْراً لَهُ أَكَديّا
*
فَتَفجّرتْ أحلامهُ الحبلى دَماً
وَمضى يمهّدُ للدماءِ سَرِيّا
***
د. مصطفى علي







