نصوص أدبية
ياسين غالب: كاتدرائيَّةٌ تَعترِضُ طَريقي
في تلك الليلة، وأنا أجتاز الكاتدرائية الكبرى في ساحة سيناتوري في مركز هلسنكي، قلعة تكسر مشهد عتمة نفس والليل ببياضها حيث تمثل لي جسدها الرابض على علوّ كطائر رخٍّ خرافي يضم جناحيه وينام.
في تلك الساعة، وأنا عائد إلى المنزل، وقد لعق المطر الخفيف ما ظهر من وجهي وكفَّيّ، بينما بقيّة جسدي محشورة في ملابس شبه شتوية.
كنت أعود من سهرة قصيرة.
هناك، في شارعٍ على مقربة من هذا المشهد، كنت أحاور ثلاثة أشخاص في غرفة تدخين مخصصة في حانة، ودخان سجائرنا يهيم كبعوضٍ تائه. أحدهم من هامينلينا؛ يأتي إلى هلسنكي لساعات، ثم يغادر بقطار الليل. تجذبه هلسنكي بمتعها الجسدية وفرص لقاء أناس مختلفين، بينما تظل هامينلينا موطن رأسه: عائلته، وسكنه منخفض الأجرة، ومسافة ساعة ونصف بالسيارة لا تعني له الكثير. آخر، من ضمن شباب الجلسة، قادم من هافانا ليعلّم فتيات وشباب فنلندا رقص السالسا. أسميته خوسيه، لأن اسمه الأصلي كان عصيًّا عليّ. وثالثهم قادم من سينايوكي، يشكو ألم ظهره، إذ يعمل في قطع الأشجار حين تضيق به السبل. انتهت الجلسة كما بدأت: بلا أسماء، ولا أرقام، ولا وعدٍ بالتواصل. انفضضتُ عنهم، أو ربما انفضضتُ عن نفسي، وهربت من بين دخان حديثٍ ساخن عن الطقس، وساونا الحطب، وغلاء الأسعار، وكراهيةٍ تنمو في المدن المكتظة بمهاجرين صاروا واقعًا لا يُؤجَّل.
أحاول أن أجد النصف الممتلئ من العالم، وألا أغرق فيه.
كانت الجلسة خالية من أي كحول تلك الليلة؛ اقتصر الأمر على الصحو بدل السكر، لأسبابٍ مالية
وحين وصلتُ إلى باب المنزل، تحسستُ جيبي لأخرج المفتاح. فلم أجده.
وقفتُ طويلًا تحت المطر، أحدّق في الباب المغلق، وأفكّر، للمرة الأولى تلك الليلة، أنني رغم كل ذلك الحديث عن الغربة لم يكن لديّ مكانٌ أدخله أصلًا.
***
ياسين غالب







