نصوص أدبية
ماهر عبد المحسن: مائدة لا تجئ
في شارعٍ يشبه الضباب
خرجتُ وحيدًا في اليوم الأوّل من رمضان
صائمًا، لا عن الطعام فقط،
بل عن ضجيج العالم أيضًا
كان الليل قد انكمش في زواياه الأخيرة،
والمدينة تستلقي على جنبها ككائنٍ مُنهَك،
تترك خلفها صمتًا ثقيلاً
يملأ الحواري والأركان
كأنه مادةٌ غير مرئية
تسدُّ مسامَّ الهواء
أبوابُ الدكاكين مغلقةٌ على حياةٍ
كانت تدبُّ في الليل،
وحجارةُ الطريق
تقف صامدةً كشواهد قبور
لا تذكر أسماء أصحابها
الشارعُ الرئيسيُّ خالٍ من المارّة،
والسياراتُ قليلةٌ
كأنها أفكارٌ مترددةٌ في رأسِ المدينة
ركبتُ ميكرو باصًا يلفّه شيءٌ من الغموض،
ومعه قلّةٌ من الركّاب
كنتُ أرقبُ ملامحَ السائقِ المحايدة
من خلال المرآة،
وأتأمّل وجوهًا
لا تقول شيئًا،
ولا تخفي شيئًا
في محطة المنيب
كان المترو خاليًا
كأفلام محمد خان
حيثُ المدينةُ بطلٌ صامت،
والفراغُ شخصيةٌ أساسية.
لكن في محطات الجيزة، والعتبة، والعباسية
تبدّل المشهد
كان هناك قدرٌ من الزحام،
كما في كلّ يوم،
غير أن شيئًا ما
ينزلق بين الأكتاف
ولا يُرى
كان الناس يتحرّكون،
لكن ببطءٍ غامض،
كأنهم خرجوا من ذواتهم
وتركوها خلفهم على الوسائد
أجسادٌ تسير
كأنها لا تعرف إلى أين،
أعينٌ مفتوحة
على عالمٍ لا يُسأل عن معناه
لكني مضيتُ
وفي داخلي سؤالٌ
يتقدّم على خُطاي:
هل نصومُ
لنقترب من معنى الحياة،
أم لأننا أدركنا
أن الحياة نفسها
مجرّد انتظارٍ طويل
لمائدةٍ لا تجيء؟
***
د. ماهر عبد المحسن






