نصوص أدبية
سعد غلام: الأرضُ التي لا تُسمّى
(الجرحُ هو الدليل
في حافّةِ الصمتِ الأخير)
1
مَنْ يَحْمِلُ النَّجْمَ
حينَ يَغيبُ الدَّليلُ
وتنطفئُ الجهاتُ كلُّها؟
*
مَنْ يُوقِظُ الأرضَ
إذا نامَ المسيلُ في عروقها
وصارَ النهرُ ذكرى؟
*
من زمنٍ بعيدٍ
لم يُكتَب اسمُه بعدُ
قالت الشجرةُ
لا
لن أُعطي ثمرتي
لجائعٍ لا يعرفُ الجذرَ
ولا ينحني ليسمعَ
نبضَ ما تحته
*
لن أمدَّ ساقي
نحو سحابةٍ
وجهُها قمرٌ مستعار
وجوفُها بلا مطر
2
مَنْ يزرعُ الوردَ
في أرضٍ
لم يعلَق بها المطر؟
*
مَنْ يسمعُ الصمتَ
حين يصيرُ نشيدَ حربٍ
ويرتفعُ فوق البيوت؟
*
من زمنٍ
ذابَ كالدخان
قالت الرمالُ
لا
لن أحفظَ خطوَ مسافرٍ
يمشي ولا ينظرُ للنجوم
كأنَّ السماءَ
ليست جهةً.
*
لن أُخبّئ الماء
في كفٍّ لا ترتجفُ
حين يعطشُ الغيم
*
أمشي في داخلي
وصوتي يسبقني
*
ليلُ الأسئلةِ
أثقلُ من صدري،
والفجرُ
ما زال يتعلّم الطريق
*
كيف نخرجُ
من كونٍ
ضاق حتى على أنفاسه؟
3
أدورُ
في متاهةِ الأيام
*
وظلّي يتقدّمني
كأنّه يعرفُ الطريقَ أكثرَ مني
*
ثلجُ السنينِ
ما زال على القلب،
لم يذبْ،
ولم يشتعل
*
والشمسُ
التي أقولُ إنها ستجيء
ما زلتُ أجهلُ
من أيِّ جهةٍ تولد
*
أمن الشرق
حيث يبدأ الضوء
رفيفًا كاعتراف؟
*
أم من الغرب
حيث يتعلّم الرملُ
فنَّ المحو؟
*
أم من الداخل
حيث لا أُجرؤُ
على النظر في المرآة؟
4
لي في كلِّ فجرٍ
حزنٌ
لم أجد له اسمًا
*
وفي كلِّ شمسٍ تتأخرُ
لمعةٌ
تأتي خجِلًا
*
ذكرياتي
إشاراتُ ضوءٍ
تلوّحُ في هواءٍ لا يثبت
*
أعودُ
كأنني لم أغادر
*
أضعُ قدمي
على أوّلِ الطريق،
وأرى على الأفق
وهمَ ابتسامةٍ
يختبرُ شفتيّ اليابستين
*
أسألها
هل تعيدينني إلى برٍّ
كنتُ أظنه ثابتًا؟
*
أم تمضين بي
إلى ما لا نهاية
صامتةً؟
5
لي في كلِّ خسارةٍ
كتابٌ مغلق
*
وفي كلِّ وداعٍ
حبرٌ
لم يجفّ
*
جراحي
ليست على الجلد،
بل في النبض،
في همسةِ الليل
قبل أن تُقال،
في عينِ أمٍّ
ترى ابنها
يمضي
ولا يلتفت
*
أنا في كلِّ هذا،
وخارجُ كلِّ هذا
6
من يعيدُ الطائرَ
إلى العشِّ
بعد أن اختارَ الصياح؟
*
من يرجعُ الماءَ
إلى النبع
بعد أن تعلّم الجريان؟
*
من زمنٍ
لم يولد بعد
قالت الريح :
لا
لن أحملَ البشارةَ
إلى قلبٍ
أغلق نوافذه
في وجه المطر.
*
لن أرسلَ الرسالةَ
إلى حجرٍ
لا يسمعُ النداء
ولا ينتظرُ المعجزة.
7
لكن
في عينيكِ
شيءٌ
كالنجمةِ في ليلةٍ بلا قمر،
كالنسغِ
في شجرةٍ
ظنَّها العابرون يبابًا
*
ككلمةِ حبٍّ
ضاعت
في ضجيج الحرب
ولم تفقد معناها
*
فأقولُ لكِ
وأنا أعرفُ
أن الكلام
لا يعيدُ ما مضى
*
ربما
في البحرِ
مرفأٌ
لم نره
*
وربما
في الدمعِ
بصيرةٌ
تتعلم أن ترى
*
وربما
في القلبِ
بقيةُ نورٍ
نسينا اسمه
8
ناديتُ نفسي
في الممرِّ الطويل
فعاد الصدى
غريبًا
*
قال:
لستَ وحيدًا،
لكن صوتكَ
ليس أنت
*
متى صرتَ
هذا الغريب
الذي تسكنه؟
9
أنظرُ إلى وجهي
في زجاجٍ
لا يعكسني تمامًا
*
رجلٌ
يحملُ مفتاحًا
ولا يتذكّر
أيَّ بابٍ يقصده
*
رجلٌ
يبحثُ عن اسمه
في جيوبه،
كأنّ البيت
احترق
قبل أن يعود
10
أسألكِ
*
أهذا الجرحُ
يتنكّرُ في زيِّ شفاء؟
*
أهذا السؤالُ
يخشى ظلَّه؟
*
أنتِ في داخلي
وأنا فيكِ
*
نبحثُ عن عذرٍ
للمسافة
11
قلتِ:
الحبُّ
ليس طريقًا مستقيمًا
*
هو متاهة
ندخلها
فتسقطُ أسماؤنا
*
نضيعُ
فنرى
12
فصرتُ أسمعكِ
في همسةِ الريح،
في الصمتِ
قبل أن يتحرّك الماء،
في المسافةِ
بين نبضتين
*
هناك
يتحوّل كلُّ شيء
*
قلتُ:
إذا ضِعنا معًا،
عدنا
13
ما اسمُ هذه الأرض
التي نمشي عليها
ولا تسجّلها الخرائط؟
*
أرضٌ
لا حدودَ لها،
ولا شمسَ
تعرفُ متى تغيب
14
سألتُ الطريقَ:
إلى أين؟
*
فصمتَ طويلًا،
ثم قال:
لا تسألني عن الوجهة
*
أنا
لستُ طريقًا،
أنا
جرحٌ
في جسدِ الزمن
15
النهرُ هنا
لا يجري،
يتساقطُ
كدمعٍ بارد
*
يحملُ ورقةً
عليها اسمٌ
لم يُنادَ به منذ سنين
*
هل كان اسمي؟
أم اسمكِ؟
أم حلمٌ
تأخّر في الرحيل؟
16
رأيتُ شجرةً
على تلٍّ بعيد
*
لا ماءَ.
لا عصفورَ
*
ومع ذلك
تزهر
17
قلتُ لها:
كيف تزهرين؟
*
هزّت الأغصان
وسكتت
*
لم تنتظر
أحدًا
*
أزهرت
18
وقفتُ طويلًا
أصغي
إلى الأرض
التي لا تُسمّى
*
الأشياء
بلا أسماء
ومع ذلك
تقول:
*
أنا هنا
أنا موجود
رغم كلِّ شيء
أنا هنا
*
كودا
(نشيد الحضور)
أمشي
في قلبي
مفتاحٌ
لأبوابٍ
نسيتُها
*
أكتبُ على التراب:
سأبقى
*
ما دام في اللفظِ
نَفَس
*
ما دام في الصمت
باب
*
أقولُ للأرض
التي لا تُسمّى:
*
لستِ خاتمة
أنتِ
البداية
***
د. سعد محمد مهدي غلام






