نصوص أدبية
نسرين إبراهيم: دُستورُ المَلِكَةِ الفُراتية
حين غاب صاحبُ الظلِّ الطويل وترك المَملكةَ لانتظار طويل، انبثقت البيضاء الفراتية من عُمق الصبر لتعتلي عرش الحكمة.
كان يليقُ بها تماماً أن تكون السلطانة الملكة بملامحها التي تأسرُ الروح، ووجهها المتلألئ الذي يُضيء كقمرٍ سومريٍّ فوق النهر وعينيها العسليتين اللتين تشبهان ذهب المعابد القديمة تلمعان بحدة الذكاء وهيبة السيادة ورفعة المقام .
تعيد صياغةَ الوجود بنهج أكاديمي رصين وتنسجُ من كلماتِها دروعاً لا تخترقها سهامُ العابرين.
كانت تفيض علينا بالحكمة وتقولُ بصوت يملؤه وَقارُ السنين:
السيادة في القدرةِ على توجيهِ مسارِ النهرِ دون أن تلمسَ الماء.
وفي ذروةِ تجليها رسمت لنا حدودَ الكيان الأنثوي:
الوردةُ حين تُقطع لا يُشمُّ عطرُها إلا مرةً واحدة هي قاعدة الوجودِ الأصيل القائمة على "وحدانيةِ الاستحقاق"..
المرأةُ في مذهبِ الفرات نصٌّ لا يُقرأُ مرتين والقلبُ حين يُوهبُ هو وهبٌ كُلّي، استحقاقٌ فريدٌ لا يقبلُ التجزئةَ أو التكرار لأنَّ العطرَ الأوحدَ لا يُباحُ إلا لمن استحقَّ قُدسيةَ الانتماء.
ثم خَتمت السلطانةُ وصيتها بالقول:
" الألواح السومرية نصٌّ أبدي، لا يقبل التكرار ولا يُباحُ مرتين، وهو التزام كفعل كرامة وجودي؛ أن تكونَ المرأة ذلك الرُّقيم المسماريَّ الذي لا يُمنح سرُّه إلا لمن يُعظّم حرمة الانتماء، فمَن أخطأ القراءةَ في المرة الأولى، فقدَ النصَّ للأبد؛ لأنَّ ماءَ الفراتِ الذي كُتبت به الأقدار لا يعودُ للخلف، وصبر السنين الذي صقل الأرواح لا يقبل أن يلوثَه دخيلٌ يجهلُ قيمةَ الحجرِ وعراقةَ العطر.
إنَّ تلك الألواحَ لا تُعرضُ بل تُحفظُ في مخدعِها الأول كأعظمِ اكتشافٍ للبشرية.
(كان ذلك هو الدستور الوجودي الذي أرادته البيضاء الفراتية:
أن تكون المرأةُ وطناً... وطناً له أسوارٌ من كبرياء، لا يُقرأ إلا بلغة الانتماء الصادق، ولا يُشمُّ عطرُه إلا في مرابعه الأصيلة).
***
د. نسرين ابراهيم الشمري






