نصوص أدبية

بكر السباتين: عين أم فؤاد

قصتان قصيرتان

1- عين أم فؤاد تبلى بالعمى

وقفت الواعظة، أم العروسة ندى تبحث عن كبرى بناتها باهتمام، وهي سيدة تختلط في قلبها مشاعر التقوى والارتياب بالآخرين، إذ يعشش في رأسها شيطان الحسد وتعامل الناس على قاعدة أن صاحب الحاجة حاسد، حتى في مواعظها أثناء المناسبات الحزينة، كانت تحث على قراءة المعوذات وكأن العين مفتاح كل العُقَدِ والحلول.

وفي عرس ابنتها كان موضوع الحسد هو شغلها الشاغل الذي ملأ رأسها بالخوف والأوهام، كانت مراكبها تجذف في المرافئ التي تغوص بالناس، متسللة من بينهم علّها تظفر بخلوة تنآى بها عن العيون المتربصة، فبدت وكأنها ستتعرض لسطو من قبلها، فيستحوذ القلق على رأسها المخطوف إلى حكايات الحاسدين وأثرهم السحري على العباد، تهمس في أعماقها، ماطة فمها توجساً، بعد أن شاهدت ابنة عمّها نعيمة (أم فؤاد) تتصرف كأنها أم العروسة، فتحيطها بعينين تفجرت فيهما الأسئلة الاستنكارية:

"الله يستر من هذه الليلة!

ليتها اعتذرت عن حضور الحفلة!

ها هي تجلس هناك مثل الغراب، ونعيبُها ينفّرُ الطيورَ في رأسي من الغناء..

تباً لها من حيزبون!

ترى ما سبب مجيئها هل ذلك فقط لأنها ابنة عمي وقد دفعها الواجب لمشاركتنا الفرحة!

"قل أعوذ برب الفلق"..

أم جاءت بعين حاسدة لتضرب بها ابنتي التي رفضت ابنها فؤاد، ذلك الأرعن المغرور الذي اشترى المظاهر الخادعة على حساب نصائحي، بينما هو دائم الانتقاد لي ويتهمني بأنني لا أفعل ما أقول وكأن اللعين يتهمني بالنفاق!!

فعلاً هي قلة تربية! وبحمد الله فقد جاء نصيب ابنتي ندى الذي تستحقه، ما شاء الله عليه، ذلك الشاب الذي دق باب قلبها أثناء دراستهما في الجامعة خارج البلاد!!"

وفجأة أكلت الحيرةُ رأسَ أم العروسة، فتسارعت دقاتُ قلبِها، وارتعدت فرائصُها من شدة الهلعِ حتى انتفخت أوداجُها وتقلبت عيناها في جفنين كأنهما مبخرتان تصاعدت منهما أدخنةُ الريبة، وقد امتقع وجهُها خوفاً من الحسد إذ باغتها.. وكانت قد أورثته لأولادها.. بحثت عن ابنتها الكبرى في زحام المدعوين وقلبها يلهج بالدعاء:

"يا رب سترك".

فيما أخذ قلبها الواجف يدق بشدة بينما عقلها المضطرب يهلوس كمن فقدت وحيدها، تهمس في أعماقها:

"عين الحسود تبلى بالعمى".

ثم تكمل مفزوعة:

" استغفر الله العظيم؛ لكن أم فؤاد تكون ابنة عمي أيضا!! فلا أتمنى لعينيها سوى أن تنحجبا عن ابنتي".

اشتعلت الصالة بالزغاريد فقد دخل الخيّال على فرس الأحلام إلى الصالة، ووقفت ندى تستقبل عريسها، وما أن جلس حتى اشتد الرقص وتمايلت الرؤوس طرباً إلا أم العروسة التي نادت على ابنتها الكبرى بحذر، وهمست في أذنها:

"راقبي أم فؤاد جيداً، فلا تدعيها تشاهد العروس وهي مصمودة في صدر القاعة.. وإذا اقتربت لمصافحتها؛ تذرعي بأنك تريدين تقديمها لصديقة لك في آخر القاعة، أحجبي أنظارها عن ندى".

ثم عادت إلى حيث صمدت ابنتها وعيناها تراقبان أم فؤاد وقلبها يحيط العروسين بالمعوذات.

أما ابنتها فقد نفذت المطلوب، وأحاطت أم فؤاد بعنايتها، ولسان حالها يقول:

"تلك النفاثة بالعقد"..

يتلعثم لسانها الملذوع بقراءة المعوذات درءاً لعيني أم فؤاد السوداوين والمتقادحتين شرراً، مسترسلة في الدعاء:

"قل أعوذ برب الفلق، من شر ما حسد"..

حتى وهي تودعها عند مدخل الصالة، تنفست الصعداء، وعادت إلى حيث كانت تجلس أم فؤاد لتستجلي أخبارها وتنظف أثر سمومها.

تُرى هل قالت شيئاً بحق العروسين!

فأصيبت بالدهشة، فقد أخبرتها كنة أم فؤاد المتمردة قائلة (وبالمناسبة هي مقربة من أم العروسة، وتناكف عمتها في المجالس الخلفية):

- احمدي الله أن خطبة فؤاد على شقيقتك ندى لم تتم.

- طبعاً شقيقتي هي التي رفضته مع أنه لا يعاب، فقد كانت تحب زميلها في الجامعة.

- غريب، في حدود علمي أن عمتي في الأصل لم تطلب يد ندى مباشرة، بل كانت تجس النبض فقط من خلال إخبار جدتك الحاجة زكية برغبتها في طلب يد ندى، وكان ذلك خلافاً لرغبة فؤاد الذي كان بدوره متيماً بالسكرتيرة التي تعمل في مكتبه، لكنه تماشى مع رغبة والدته فقط إرضاءً لها.

وكان فؤاد وهو شاب متحرر، أنيق عصري في الشكل والجوهر، يدرك بأن أم ندى لن تقبل به عريساً لابنتها، فثمة اختلاف بين شخصيته الواضحة، وشخصية أم ندى التي يرى بأنها لا تراعي حقاً في الناس ويستهجن كيف يحبها الأخرون.

ثم أكملت كنة أم فؤاد الحديث:

- الأسبوع القادم سيكون موعد خطبة فؤاد على سكرتيرته.. فتاة جميلة! ما شاء الله.. بيني وبينك، وهذا سر بيننا، لقد خرجت أم فؤاد من الصالة حتى لا يُفشى سرُ ابنِها فَيُطْرَقُ موعدُ الخطبة بعيون الحاسدين.

- ومن تراه يفكر بابنها حتى يحدث ما يضره!

- بالطبع كل من يتهم الناس بالحسد من باب الوعظ!!

- لا! وكأنك تقصدين والدتي.

- أعوذ بالله لم أقصد أحداً بعينه، فدعينا الآن من سيرة الناس... ثم علقت مبدية اعجابها:

صحيح.. كم هو رائع عرس ندى وبهيج!! والعريس!! يا لله ما أوسمه! هناكم الله..

- دقي على الخشب... قولي ما شاء الله! استر يا مولى العباد! "قل أعوذ برب الفلق".

وراحت تدق على الطاولة فتصدر الأساور في يدها رنيناً جلب انتباه العيون المحيطة بالطاولة فأجفل قلبها ذلك.

***

(2) كلاب الحي السمان

أخرجت ضرعها الذابل من فم الرضيع الذي قتله الجوع.. الذباب كان يغطي شفتيه المتراخيتين، ولسانه الذي شققه الظمأ وأسنانه اللبنية، وحلمة ذلك الثدي المتهدل الذابل التي أحيطت بدائرة داكنة غطتها حبيبات منفرة كأنه الجرب.. الحمّى تُحَوِّلُ جسديهما المغسولين بالعرق إلى مرجل.

وقبل أن تموت كانت قد ألقمت ضرعها للخيبة التي ارتشفت ما في جسدها المتهالك من حياة، وحولتها إلى قمع سيجارة هرسته أقدام المشاة وسط الزحام.. حتى مال رأسُها جانباً، ورويداً رويداً تراخى جسدها، وجحظت عيناها كأنها أضحية العيد بعد ذبحها.. وانفرجت قبضة يدها.. تحولت إلى جيفة أسجيت في يباب القهر المحاط بزحام مدينة لا تسأل عن المشردين.

وها هما يتحزمان بالكفن دون أن يجدا من يدلق على جثتيهما إبريق ماء أو حتى يصلي عليهما أحد من العابرين كالسكارى.. ولا حتى إمام المسجد المجاور فعل ذلك، الذي يئم في الناس خمس مرات في اليوم.. يصلون وراءه في قاعة الصلاة التي غطت جدرانها الزخارف الأنيقة، فيطلق العنان لصوته الجميل الذي كان يلهم المتسولة ويعزز فيها الصبر والثقة بفرج الله.. فتنتظره لتخشع وترتاح إليه وقلبها يلهج بالدعاء.

ظلت المتسولة مهملة حتى استباحتها قطط المواخير والشوارع التي تحولت إلى ضواري في لحظات وهي تنهش كرامتها وتقدد جسدها المسلوب.

ذات يوم كانت هذه القطط تنافسها على بقايا الطعام المترف والمدلوق في الحاويات المركونة في الأزقة خلف المطاعم أو على جوانب الطرق في الأحياء الراقية.. وقبل أيام تحرش بها أحد السكارى ففقأت عينه.. وقبلها بأسبوع طردها حارس العمارة من محيط العمارة لقذارتها وحرمها من الطعام المدلوق في الحاوية المجاورة.. وقبل شهر ألقي القبض عليها وزجت بالسجن الذي تمنت ألّا تخرج منه، بتهمة التسول.. واليوم تدفن ورضيعها وحيدين في حفرة مهملة دون أن يوجه رأسها نحو القبلة، فقط وجدها أحد المارة منتفخة مهملة كأنها بقايا طعام للدود، سحبها، كوم الجثة عند جرف الحفرة، تخيلها من بقايا وليمة أجهز عليها اللئام، ثم ألقاها في قاع الحفرة التي كانت معدة منذ عام لغرس عمود الهاتف.. لكنها مع ذلك تحولت إلى مادة دسمة أخذ يتشدق بحكايتها أحد المرشحين للمجلس النيابي من المتسلقين وهو يتهم الحكومة بالتقصير بحق المهمشين بدلالة ما جرى لهذه المتسولة.. وكان أحد السحيجة يخفي سراً وهو يهتف للمرشح المبجل فيردد في أعماقه:

" لكنك طردتها من الحي الذي تقطنه خشية أن تجلب الأمراض للناس.. أيها الخبيث، بينما كان السبب الحقيقي يكمن في أنك كنت تتشاءم من رؤيتها مدعياً في ذات الوقت بأنها تجلب لك النحس!"

هذه حكاية الضرع الذابل الذي نجا من أفواه السكارى المترنحين في مواخير الدعارة أو المضروبين على رؤوسهم من ثقل الهموم ممن تميد بهم الأرض؛ لتلقمه صاحبته للخيبة حتى لا تنهشها كلاب الحي أو القطط السمان.

أوه!! تذكرت.. فقد سمعها أحد العابرين تدعو الله متضرعة:

"الله ينتقم من ...!

ثم يأكل الخوف لسانها:

"! لكنها تكمل صارخة وهي تعض على لسانها بنواجذها وفي عينيها يتوقد الانتقام:

"اللهم اهلك الظالمين"!

***

بقلم: بكر السباتين

 

في نصوص اليوم