نصوص أدبية
جودت العاني: السيل الأخضر..!!
أوقف سيارته الفخمة غالية الثمن عند الركن المقابل للعمارة التي يسكن في طابقها الأرضي، وهي من خمسة طوابق..
أخذ ينظر إلى الماء الراكد الاصفر الذي يميل الى الإخضرار ورائحته النتنه تبعث على التقيؤ. جلب بضع طابوقات من جاره الذي يرمم سياجه الخارجي، لكي يعبر الى باب داره بسبب (منهولة) البناية على الرصيف تنز ماءا اخضر اللون يميل الى الإصفرار.. عبر الى باب منزله وكادت قدمه أن تنزلق فتماسك في أخر لحظة ودخل الدار ذا الباب الأنيقة الامعه.. وعند خروجه في اليوم التالي عصفت بوجهه رائحة مقززه مبعثها ذلك السيل ألأخضر، وهنا، وجد نفسه يقف أمام حالة، تسمى إقتحام الواقع المأزوم..
من أين جاء الماء الأخضر الذي يسيح من تحت (منهولة) المجرى الأمامي للبناية ؟!
سأل أحد الذين يسكنون البناية الفخمة.. وكان جوابه " ان صمبور المياه لدينا معطل ".
فيما اجاب آخر.. " نحن لا نستخدم المياه إلا قليلا وذلك بسبب طبيعة عملنا ".
انتظر حتى اكمل إستفساراته من ساكني البناية وهم أربع عائلات تؤكد عدم استخدامهم للمياه إلا قليلا، وعليه فهم ليسوا مسؤولين عن هذا النضح الذي يتسرب.. وحين سألهم، " هل تشمون هذه الروائح الكريهة ؟ " قالوا.."إنها لا تعنيهم". !!
منهولة البناية التي تسكنونها تسيح منها المياه الثقيلة المقرفة التي ملئت الرصيف بالماء الأخضر، ألا تشمون رائحتها التي تنفر منها الحيوانات؟
قالوا " إن المنهولة ليست ملك أحد"..!!
وهذا يعني أن الذي يعنيهم هو الداخل الذي يسمى (الأنا) وكل الذي يقع في خارج النافذه المطلة على (الخارج) المأزوم بالقيح لا يعنيهم أمره..!!
انشطر العالم أكثر من نصف..
نصف يرى المياه الخضراء النتنة تسيح في الشوارع ويسرعون بإغلاق النوافذ والأبواب وهم يضعون الكمامات على أنوفهم وأفواههم ويحترسون.
ونصف يشمونها ولا يكترثون لها وربما يرونها عادية طالما يسبح العالم في هذا القيح.
والنصف الآخر يشمونها ولا يطيقونها ولكنهم غير قادرين على أغلاق كل الفتحات التي يسيح منها القيح حتى غرقت الأرصفة والشوارع والمتاجر والمعابر وباتت تطفح باللون الأخضر.
سأل نفسه، إذا كان الجميع لا يستخدم المياه، فمن أين يأتي هذا القيح الذي يسيح في الخارج؟
وقف مذهولا وهو يحدق في الشوارع والأرصفة التي تملؤها المياه الملوثة تحت الأضواء الخافتة والناعسة التي تشع إنبهارا مفجعا.. حيث المياه تسيح من تحت الأبواب الفخمة والبنايات الرائعة وتتسرب لتملأ الشوارع والمزارع وربما المخادع باللون الأخضر..!!
سأل نفسه مرة أخرى بشيء من الذهول والتقزز، وماذا بعد؟
هل الجميع فقد حاسة الشم التي خلقها الله بقدر؟ ما الذي يحصل.. البعض، فقدوا انوفهم والبعض الاخر، فقدوا عيونهم والأخرون اجسادا بدون رؤوس يجلسون ويسيرون بلا رؤوس وظلالهم تحت الشمس أطول من قاماتهم ويتناسلون بدون أعضاء، هلاميون في عالم دبق يسيطر عليه غبار الخارج.!!
أطرق رأسه إلى الارض وتمتم مأخوذا بفضاعة هذا الواقع.. ثم اخذ يراجع الماضي، كيف كانت النقاوة حين كان يطارد العصافير التي تعج في سدرة جارهم المطلة على السطح وكلما رأى (هرا) يمشي على حائط السطح يتربص بهذه العصافير الجميلة يطرده دفاعا عنها. وتذكر صيد السمك في النهر وكيف كان يوقد النار عند الظهيرة من اجل الشواء وكيف كان يخفي الفواكه في سلة مغلفة بإحكام تحت رمال الشاطئ لتحتفظ ببرودتها، ثم السباحة الى الضفة الاخرى من النهر حيث الصخرة الكبيرة التي تتطلع من بعيد وكيف تتجمع النوارس فوق رأسه حين يقطع لها الخبز وهي جائعة تصرخ.. وتعبر الذاكرة الى حيث الأزقة الضيقة التي تعج بالمارين في الصباح وعند المساء وألأولاد يلعبون مع البنات ألعابا مدهشة يقدرها ولا يعوفها جيل، وطقوس المحرمات والمقدسات يحكمها ميزان الواقع العريق بالقوة والشهامة التي تستند الى الحكمة..
استفاق من مسلسل عمق التاريخ الذي بات يتغير لونه كألوان مياه الشوارع والأرصفة التي ما عادت ترزح تحت مياه المطر النازلة من السماء بل من التي تسيح..!!
***
د. جودت صالح
اسطنبول - 14/1/2026






