نصوص أدبية
سعد غلام: خَطَوَاتٌ فِي وَهْدِ الفَرَاغ
[مِسْبَكُ وَهْجٍ]
مَشَيْتُ، لَكِنَّ الفَرَاغَ يُطِيلُ أَوْهَامي،
وَالطَّرِيقُ يَمُدُّ ظِلًّا فَوْقَ أَسْمَائي،
تَسْقُطُ خُطَايَ كَالْكَلِمَاتِ مُنْفَلِتَةً،
تَصِيحُ فِي عَدَمٍ مُطْبِقٍ: هَلْ مِنْ مُجِيبٍ؟
لَوْ عُدْتُ، هَلْ يَبْقَى لِآثَاري عَلَى الرَّمْلِ؟
أَمْ أَنَّ رَمْلَ الْوَقْتِ مَحَا صَوْتي وَأَضْوَائي؟
أَمْشي، وَيُمْسِكُني في الصَّدْرِ كَأْسُ هَوًى،
يَسْكُبُ في دَمي الْأَبْعَادَ، أَعْمَاقَ المَجَرَّاتِ.
أُصَغِّي، فَيَرْتَلُ فِي العَدَمِ صَوْتٌ غَرِيبٌ:
ابْدَأْ مِنَ اللَّاشَيْءِ، مِنْ صَمْتٍ، وَمِنْ لَا نَبْضٍ،
فَأَمُدُّ جَيْبي، فِيهِ حَجَرٌ يَحْمِلُ اسْمًا،
كَأَنَّهُ النَّبْضُ الْأَخِيرُ لِمَنْ يُنَادِيني.
**
[رِسَالَةٌ بِلَا عُنْوَانٍ]
أَكْتُبُ – وَالدَّرْبُ لَا يَبْلُغُ قُطْرَ الْمَوْتَى –
أُخْبِرُكَ: الشَّجَرَةُ الْيَوْمَ انْطَفَأَتْ أَغْصَانًا،
وَالنَّهْرُ صَارَ تُرَابًا يَحْتَفِظُ بِالْمَاءِ،
أَمَّا صَدَاكَ، فَمَا زَالَ يُدَقُّ فِي اللَّيْلِ،
كَأَنَّكَ لَمْ تَمْضِ… بَلْ صِرْتَ صَمْتًا في صَمْتي.
كُلُّ شَيْءٍ هُنَا – وَاللَّيْلُ – رِسَالَةٌ عَذْرَاءُ،
أَطْوِي وَرَقِي، أَرْمِيهِ فِي البِئْرِ الفَاغِرَةِ،
فَيَسْقُطُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيَّ بِقَصِيدَتِهِ.
أَكْتُبُ: إِلَى مَنْ لَا يَقْرَأُ هَذَا الَّذِي يَجْرِي،
وَأُلَصِّقُ صَمْتًا فَوْقَ الظُّرُوفِ، وَأُلقِيهَا،
فَتَخْرُجُ الْوَرَقَةُ البَيْضَاءُ كَأَنَّهَا لَمْ تُكْتَبْ.
**
[صَمْتُ الْوَرَقِ]
يَهْبِطُ الْوَرَقُ مِنِّي، كَأَنَّهُ وَلَدُ الصَّمْتِ،
يَرْسُمُ طُرُقًا فِي الأَرْضِ، لَا أَسْمَاءَ تَعْرِفُهَا.
أَمْشِي فَوْقَ الحَرْفِ، فَيَتَكَسَّرُ صَوْتًا،
وَكُلَّمَا دَاسَتْ قَدَمِي نَبْرَةً انْطَفَأَتْ،
فَأُدْرِكُ أَنِّي لَا أَمْشِي، بَلْ أَتَهَاوَى،
فِي بِئْرِ وَرَقٍ لَا قَاعَ لَهُ… وَلَا عُنْوَانَ.
**
[نَبْضُ الْعَدَمِ]
أَسْمَعُ نَبْضَ الْعَدَمِ الرَّاحِلَ في عِرْقي،
يَهْتِفُ: سَأَحْمِلُكَ إِلَى عَالَمٍ لَا حَدَّ لَهُ.
فَأَسْتَسْلِمُ، كَوَرَقٍ يَحْتَرِقُ في صَمْتٍ،
وَأَرَى اسْمَكَ يَطْلُعُ في الرَّمَادِ نَجْمًا.
أُمُدُّ يَدِي… فَتَنَامُ فِي خَوْفٍ، ثُمَّ تَسْقُطُ،
فَأَعْلَمُ أَنِّي بَلَغْتُ الصَّمْتَ الَّذي لَا يَنْتَهِي.
**
[العَوْدَةُ إِلَى اللَّاشَيْءِ]
أَعُودُ إِلَى اللَّاشَيْءِ، وَالوَقْتُ يَجْلِسُ فِي صَدْرِي،
وَأَضَعُ خُطَايَ عَلَى أَثَرِي القَدِيمِ فَأَعْرِفُنِي.
أُنَادِي: أَنَا هُنَا – فَيَرْتَدُّ صَدَايَ: هُنَا أَنْتَ،
فَأَعْلَمُ أَنَّ الفَرَاغَ لَيْسَ عَدَمًا، بَلْ مِرْآةً
تَعْكِسُنِي إِلَيَّ… حَتَّى أَصِيرَ اسْمًا يَنْطِقُ اسْمِي
دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ… دُونَ أَحَدٍ…
**
كُودَا
[نُقْطَةُ الضَّوْءِ الأَخِيرَةِ]
هُنَاكَ – فِي وَهْدِ الفَرَاغِ –
يَرْسُمُنِي الصَّمْتُ خَطًّا مِنْ ضَوْءٍ،
وَيَرْفَعُنِي لِمَا بَيْنَ الحَرْفِ وَالرَّمَادِ.
كُلَّمَا سَقَطْتُ، تَرْفَعُنِي الكَلِمَةُ كَنَجْمٍ يَتَجَدَّدُ،
وَكُلَّمَا عُدْتُ، أَجِدُنِي أَبْدَأُ مِنْ جَدِيدٍ…
كَمَنْ يَكْتُبُ اسْمَهُ دَاخِلَ نُقْطَةِ ضَوْءٍ، ثُمَّ يَمْضِي.
هُنَاكَ – فِي وَجْدِ الفَرَاغِ –
يَهْجُرُنِي الصَّبْرُ خَصًّا مِنْ نَوْءٍ،
وَيَهْدِرُنِي لِمَا بَيْنَ الحَتْفِ وَالزَّمَانِ.
***
د. سعد غلام
......................
حاشية
القصيدة منظومة على تفعيلة "متفاعلن" من بحر الكامل، مع انزياحات إيقاعية مقصودة تُجسِّد التعثّر والانفصال.
لا يُعدّ الخلل الظاهر في بعض التباعدات خروجًا عن النظام، بل أداءً شعريًا يُوحِّد الصوت والمعنى؛
فالكلمة التي: تسقط،
والنبض الذي: يتوقّف،
والصمت الذي: يكتب،
تُترجَم إيقاعيًا: بالحذف أو الزيادة.
تُقترح قراءة القصيدة بصوتٍ مرتفع لإحسان سماع تحوّل الإيقاع من الثبات، إلى السقوط، ثم إلى استنهاضٍ جديد.






