الشاب الذي أُغرم في صباه بكتابات العقاد وطه حسين، وجد نفسه وهو يدرس الفلسفة وجهاً لوجه أمام معلم من طراز خاص، اسمه زكي نجيب محمود، أستاذ فلسفة يعشق الشعر ويكتب في نقد الرواية ويناقش أصعب المسائل الفكرية، وكان إمام قد أُعجب بأسلوب زكي نجيب محمود في مناقشة معظم مفاهيم الأدب والفن والفلسفة والنقد، مناقشة جادة ومنطقية. في نهاية الخمسينيات، سيصدر زكي نجيب محمود كتابه "قشور ولباب في الأدب والنقد"، وسيكتب إمام عبد الفتاح إمام أولى مقالاته التي نُشرت في مجلة "المجلة"، وفيه يشيد بأستاذه زكي نجيب محمود الذي يناقش كل شيء، ولا يفوته شيء، ويغريه أن يعيد صياغة مفاهيم الأدب والفكر ويطالب بتجديدها، وستنشأ علاقة بين الأستاذ والتلميذ، وفي قاعة الدرس سيشرح الأستاذ معنى مفردة "الطاغية"، وسيشير الأستاذ إلى أن الفيلسوف الألماني هيجل أشار منذ عام 1840 إلى أن: "أهل الشرق لا يعرفون إن الإنسان حرٌ لمجرد كونه إنساناً عاقلاً، إنهم لا يعرفون إلا أن تكون الحرية لرجل واحد، ثم لا تكون حرية هذا الرجل الواحد إلا اندفاعه وراء نزواته".. يكتب إمام عبد الفتاح إمام في مقدمة كتابه "الطاغية": "الأصل في الاستبداد أن يكون بشرياً فيذوق إنسان بلسان وفم دنسين دماء أهله ويشرّدهم. وينتهي به الأمر إلى أن يصبح طاغية ويتحول إلى ذئب – على حد تعبير أفلاطون! لكن البشر هالهم أن يتحول واحد منهم إلى طاغية. فإذا كانت له هذه الطبيعة الغريبة فلابد أن يكون من سلالة أخرى تفوق سلالة البشر فأضفوا عليه طبيعة قدسية إلهية".
تتسم معظم أعمال إمام عبد الفتاح إمام بالنبرة التساؤلية القلقة جراء الأزمات التي تعاني منها مجتمعاتنا، حيث تأتي قيود الفكر في صدارة أوجاع عصرنا الراهن، ليس فقط لأنها تعكس حقيقة التخلّف الذي تعيش فيه هذه المجتمعات، بل لأنها شاهد على نمط القمع الذي تتعرض له الثقافة الحقيقية. وفي تصديه لمشكلات الفكر والحرية يحاول أن يصبح امتداداً لأستاذه زكي نجيب محمود الذي لم يكف يوماً منذ عودته من إنجلترا في الأربعينيات بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الفلسفة عن الدعوة إلى المنهج العلمي بكل ما يملك من حماسة وإيمان، وبكل ما يتاح له من وسائل النشر: كتب، صحف، مجلات، حوارات إذاعية، ولهذا سينصب جهد التلميذ إمام عبد الفتاح إمام على تتبع مفهوم "العقل" الذي حار في تفسيره الفلاسفة؛ العقل الجدلي كما أراد هيجل أن يكون، والعقل الذي يجب أن يرشدنا إلى حقيقة الوجود كما أراد له كيركجارد.
في الجامعة سيتعرف على هيجل وسيهيم بفلسفته، يتذكر أنه في أول شبابه قرأ هيجل لمدة عامين: "دون أن أفهم شيئاً"، كان أول كتاب قرأه لهيجل ظاهريات الروح، لكنه لم يتقدم خطوة واحدة، وسيعرف أن السبب ليس في كتب هيجل ولا في محاولة فهمها، بل لأنه كان يقرأ هيجل بعقلية أرسطو ومصطلحاته عن الفلسفة: "ولم أدرك وقتها أن هيجل – كأي فيلسوف عظيم – نحَت لنفسه مصطلحات جديدة من ناحية، وحوّر في معاني المصطلحات القديمة لتناسب أغراضه الفلسفية من ناحية أخرى".
يقرر أن تكون رسالته للدكتوراه عن "المنهج الجدلي عند هيجل"، وسيهدي رسالته إلى أستاذه زكي نجيب محمود: "الفيلسوف.. والمعلّم.. والإنسان.. وصاحب الروح الحرّة"، وسيتعلم من هيجل مثلما تعلّم من زكي نجيب محمود، أن الفلسفة إذا أُريد لها أن تكون معرفة منظمة فينبغي عليها ألا تستعير منهجاً من علم آخر، بل لا بد أن ينبع من صميم موضوعها ذاته، حيث نجد إمام عبد الفتاح يؤكد فيما بعد في معظم مؤلفاته واختياراته المترجمة، أن الفلسفة ليست مجرد تجميع لآراء، أو رواية لأفكار معزولة، وسيؤمن مثل هيجل أن الفلسفة: "تصبح رواية عاطلة أو بحثاً متحذلقاً" حيث يعتبرها البعض مجرد حصر لآراء مختلفة، وإنما باعتبارها مساهمة جادة وفاعلة في تغيير المجتمع.. وإن الفلسفة يجب أن تكون علماً وليست سراباً خادعاً. وسيتعلم من هيجل أيضاً مثلما تعلّم من كيركجارد وماركس وأفلاطون، أن كل مذهب من مذاهب الفلسفة يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة: "إذا قرأت الماركسية اقتنعت بها، وأصبح الاقتصاد هو الذي يقوم. عندما أقرأ الوجودية التي هي صرخة لإنقاذ الفرد أشعر أنها على حق في كل ما قالته.. – في حين إنني لا أرتاب في صحة البرجماتية التي تحيل الأفكار إلى عمل نافع وسلوك مفيد." يجعله الهيام بهيجل أن يتفرغ لترجمة أعماله الكاملة، وإصدار أكثر من مؤلف عنه باللغة العربية، كما سيتناول بالدراسة عدو هيجل الأول الفيلسوف الدنماركي كيركجارد، فيصدر عنه أوسع دراسة باللغة العربية بمجلدين يهديها إلى أستاذه فؤاد زكريا الذي كان بينه وبين فيلسوف الوجودية خلاف وتناقض في الأفكار، وسيعترف إمام عبد الفتاح إمام في دراسته عن كيركجارد بأنه لا يقاس بذرة من هيجل، وقد لا يكون عظيماً مثل كانط، أو فيلسوفاً شامخاً مثل أفلاطون وأرسطو، ولكن ذلك لا يمنع من أن يكون كيركجارد فيلسوفاً من طراز نيتشه مزج فلسفته بإيمانه أو بـ "دمه كما أراد هو" ... ويعترف إمام عبد الفتاح إمام أن فلسفة كيركجارد لم تكن إلا ثورة على الفلسفة الهيجلية التي ألقت ضوءاً جديداً على النزعة العقلية، وجعلتها تستغرق جميع الموضوعات، فكيركجارد يجعل شعاره: "ابتعدوا عن المذهب، ابتعدوا عن الفكر النظري، ابتعدوا قبل كل شيء عن هيجل".
من بين الموضوعات التي شغلت إمام عبد الفتاح إمام مسألة ذكورية الفلسفة، وهل إن المرأة لم تكن تعرف الفلسفة في عصور اليونان والرومان، وسينشر أكثر من بحث وكتاب عن هذا الموضوع يناقش به النظرة الدونيّة إلى المرأة التي كرّسها الكثير من الفلاسفة، ولاسيما فلاسفة اليونان، من أمثال أفلاطون وأرسطو، بل وبعض الفلاسفة المحدثين، مثل جون لوك وروسو وكانط وغيرهم، وهي النظرة التي تقول بعجز المرأة ونقص في قدراتها العقلية، وأنّ العاطفة تحكمها أكثر من العقل، فلا تقوى بذلك على ممارسة الفكر النظري التجريدي المنوط بالرجال لتعلقها الشديد بالحسيّات، وغير ذلك من الآراء والمواقف التي يحاول إمام عبد الفتاح إمام أن يدحضها بالموقف العلمي ويفنّدها، فيصدر موسوعته الشهيرة "المرأة في الفلسفة" بأجزائها العشرة وفيها يسلط الضوء على آراء أفلاطون وأرسطو وكانط وهيجل وجون لوك وروسو وجون ستيوارت ميل الذي سيترجم كتابه الشهير "استعباد النساء" وسيخصص أحد الأجزاء إلى "النساء الفيلسوفات"، فالمرأة في الفلسفة كما يفهمها إمام عبد الفتاح إمام هي في حد ذاتها نص فلسفي منفتح على القراءة والتأويل فهي: "حاضرة في تاريخ الفلسفة، وإن جاز لنا أن نقول إن المرأة هي الفلسفة عينها. إذن فليس تاريخ الفلسفة إلا تاريخاً للمرأة، ومن هذه المقاربات الفهميّة، نجد أن صعوبة تعريف الفلسفة هي نفسها صعوبة تعريف المرأة وفهمها، فكلاهما متقلبتان، مراوغتان. كثيراً ما تدفعان العقل الذكوري في لحظة من لحظات يأسه، للابتعاد عنهما، ونسيانهما للأبد، إلا إنه لا يستطيع، فيهمّ بالعودة إليهما".
لقد كان الدكتور إمام عبد الفتاح إمام مفكراً تصدى لمشكلة الاستبداد والتخلّف والديمقراطية، مثلما تصدى لمشكلات الفلسفة بجميع جوانبها بوعي فلسفي وفكري منظم ويقظ، وكان عمله أشبه بالطبيب الذي أجرى الفحص وقام بالتحاليل واستقصى الأعراض، فعزل الداء وسمّى نوع المرض، وأوصى بنوع العلاج الذي هو الديمقراطية مهما كانت النتائج التي ستؤول إليها، لأنها في النهاية طريق ويجب أن نسلكه.. وكان في كل كتبه ومقالاته وعمله الأكاديمي أنموذجاً للمثقف الملتزم بقضية الإنسان والوطن، وللكاتب المخلص في العمل بلا مجاملات أو خداع للحقيقة.
تتسم أعمال إمام عبد الفتاح إمام - الذي رحل عن عالمنا يوم الثامن عشر من حزيران عام 2019 - في مجال التأليف والترجمة والتي تجاوزت الـ "مئة كتاب" بأنها تُعلي من شأن العقل، وفي جميع هذه الكتب كان الراحل يسعى لأن تكون الفلسفة في متناول الجميع، لأنها وحدها التي تحرّض على "إعمال العقل"، ولأن الفلسفة تبحث في نشاط العقل كما يتجلى ذلك في تاريخ الفكر، إذن "فالمنهج الفلسفي هو منهج عقلي، أو هو المنهج الذي يعبّر عن نسيج العقل نفسه.
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية







