شهادات ومذكرات
علي حسين: عندما وقعت في غرام توماس مان
قبل ايام استوقفتني عبارة آن بوقل التي تقول فيها: " لم أكن لأصبح الشخص الذي أنا عليه لولا القراءة " – الأفضل ان تقرأ كتاباً " ترجمة عبد الله الأسمري - "، مثلت القراءة إحدى أجمل ذكرياتي في الصغر، وكل شيء بدأ عندي اشبه برحلة، ذات يوم وانا أبن العاشرة من عمري وفي احدى مناطق بغداد، اخذتني قدماي الى مكتبة يملكها أحد أقاربي يبيع فيها الكتب والمجلات والصحف، في ذلك النهار وأنا أتجول بين العناوين وصور الأغلفة الملونة، اكتشفت إن هذا المكان يمكن أن يصبح كل عالمي، حيث اندلعت شرارة علاقتي الغرامية مع الكتب، هناك عقدت صداقات مع توفيق الحكيم وتولستوي وتشارلز ديكنز وكافكا ونجيب محفوظ ونيتشه وفرجينيا وولف وجين اوستن وتوماس مان، كنت اختار الكتب بناءً على نصيحة صاحب المكتبة أو بعض الزبائن، لم اكن اضع خططاً لما ساقرأه، تشدني احيانا العناوين، ولهذا اجدني نفسي احيانا اقرأ كتب غير متجانسة، في يوم من الأيام وقع نظري على رواية توماس مان " الموت في البندقية "، كان الكتاب بحجم كف اليد وبصفحات لا تتجاوز المئة وعشرون صفحة، لم يسبق لي أن قرأت أياً من اعمال توماس مان، إلا أن أسمه لم يكن غريباً بالنسبة لي، كنت آنذاك احتفظ بنسخة من كتاب جورج لوكاش عن توماس مان الذي ترجمه الى العربية كميل قيصر داغر، وفيه يصف مان بأنه " آخر ممثل عظيم للواقعية النقدية "، في ذلك كنت اسمع همسا بين الزبائن وصاحب المكتبة كلما بادر أحدهم لشراء نسخة من الرواية، مما اثار فضولي فقررت أن اخطف نسخة منها وبدأت أعد خطة لقراءتها بالسر، واجهت صعوبة في بداية الأمر، فهذه رواية غريبة لم اقرأ واحدة مثلها من قبل، تركتها جانباً وذهبت باتجاه كتاب جورج لوكاش اطلب العون منه . يشير لوكاش الى ان توماس مان في روايته القصيرة " الموت في البندقية " كان ناقداً للمجتمع، يرى ان الفاشية التي انتشرت في صفوف المجتمع الالماني لم تكن صدفة، ولهذا نجده يتشبث بنموذج غوته، فاستحضار مثل هذا النموذج وسط " البؤس الالماني، كان هو الرد الطبيعي على الاذلال الروحي والاخلاقي لالمانيا، ولهذا يرى لوكاش ان " الموت في البندقية " كانت محاولة لفضح خطر قوى الظلام والبربرية داخل الحضارة الامانية الحديثة . اقتربت من اعادة قراءة " الموت في البندقية " من هذا المفهوم الجديد الذي اشار اليه لوكاش . لا اتذكر أين قرأت ذات يوم ان احد اهم الاشياء في الرواية لأي شخص حاول قراءتها وافترض انه فشل في ذلك، هو فهم ان قراءة هذه الرواية ليست مهمة لمرة واحدة، وأن قراءتها هو عمل لمدى العمر، لا يوجد شيء كالفشل في قراءة كتاب، فانت لم تتمرن بما يكفي لفهمه، يكتب تنطوان كومبانيون في كتابه الممتع " لم يُصلح الادب " ان: " القراءة هي اختبار للممكنات " . بعد القراءة الثانية لرواية " الموت في البندقية " تغيرت وجهة نظري، فالرواية العظيمة تٌغير وجهات نظرنا في الحياة، وقد علمتني القراءة أن كل رواية عظيمة تحمل سراً هاصا بها وبكاتبها .
لن احاول ان اسرد حكاية " الموت في البندقية "، الرواية قصيرة واحداثها تدور في فترة زمنية معينة، ورغم انني اتمنى منك وانت تقرأ هذه الصفحات ان تعود الى الرواية وتقرأها، يمكن ان الخص الرواية بالقول انها تتناول لحظة في حياة كاتب وفنان كهل يدعى " غوستاف آشنباخ "، يقضي عطلة في البندقية ويقع في غرام فتى يبلغ من العمر أربعة عشر عاماً، انه الانبهار المميت الذي يمكن ان يمارسه الجمال: " الجمال هو الطريق التي تقود الإنسان الحساس إلى الروح " – الموت في البندقية ترجمة كيل داغر – لا اريد ان احرق التفاصيل، لكن الرواية تنتهي بالموت، حيث يريد توماس مان أن ينعي عصراً كاملاً موشكا على الغروب، فـ" آشنباخ " الذي يعاني من عقم إبداعي شل قدرته على التأليف، يبدو اختياره للعيش في مدينة البندقية التي ضربها الطاعون، تجسيدا حيا لطبقة اوروبية كاملة متهاوية كانت تعتبر الجمال قيمة مقدسة لا يمكن المساومة عليها، وسط عالم يتداعى بأفكاره ومفاهيمه، وعندئذ يتحول الموت إلى حل وحيد . انها ظلال شوبنهاور ونيتشة التي ظلت ترافق توماس مان وهو يرى العالم من حوله يسير نحو الانحدار، لم يكن غريبا ان يكون توماس مان قد تاثر بفلسفة شوبنهاور وخصوصا بكتابه " العالم إرادة وتمثلاً "، ان نزعة شوبنهاور الإنسانية التشاؤمية بحسب توماس مان تتسم بنظرة مستقبلية. فحساسية شوبنهاور الروحية، ومذهبه، وحياته، وفلسفته، من وجهة نظر مان، لم تكن مجرد نتيجة للمنطق، بل كانت، عملاً يجسد القلب والعقل والروح والجسد، ويمكن أن يساهم في إعادة بناء الإنسانية.
كتب توماس مان دراسة عن "شوبنهاور" استجابةً لاقتراح من جمعية شوبنهاور الأمريكية عام ١٩٣٨، وفيها يرى فلسفة شوبنهاور كفلسفة الفن بامتياز، ويستشهد بالفنانين والمفكرين البارزين في هذا المجال. ويذكر أن تولستوي وصفه بأنه "أعظم عبقري بين البشر"، وأن ريتشارد فاغنر اعتبر مذهب شوبنهاور "هبة سماوية حقيقية"، وأن نيتشه رآه مرشدًا عظيماً. في الجزء الأخير من المقال، يُفصّل توماس مان موقفه من العلاقة بين التشاؤم والإنسانية. ويجادل بأن الإنسانية كانت تمر بأزمة حادة في عصره، وأن تشاؤم شوبنهاور، من وجهة نظره، يحمل في طياته جوهر هذه الإنسانية، وفي الدراسة يعترف توماس مان بتأثير شوبنهاور عليه في شبابه. وقد تجلّت رؤى شوبنهاور بشكل خاص في رواية " آل بودنبروك" حيث نقرأ في الفصل العاشر: " على المقعد الصغير الهزاز المصنوع من الخوص الأصفر، كان أن أمضى ذات يوم أربع ساعات كاملة يقرأ متأثراً في كتاب وقع في يده فبعد أن تناول الإفطار، وجده في ركن غائر من خزانة الكتب متوارياً خلف مجلدات أنيقة، وتذكر أنه اشتراه مرة من سنين وأيام من الكتبي بثمن زهيد، سفر ضخم مطبوع طبعاً رديئاً، يمثل الجزء الثاني فقط من مذهب ميتافيزيقي شهير، وقد حمله الى الحديقة وجعل وهو شارد الذهن يقلبه ورقة ورقة .
لقد غمره رضى عظيم، لا عهد له به وشكر الله عليه، وشعر بارتياح لا مثيل له من انه رأى كيف ان عقلاً متفوقا بدرجة هائلة تعلب على الحياة، هذه الحياة القوية القاسية الساخرة الى الحد ليخضعها ويصدر عليها حكمه.. ارتياح المتألم الذي يبقي المه على الدوام طي خجله، فاذا هو يتلقى فجاة من يد عظيم، حكيم، حقه المبدئي الرسمي في أن يعاني في هذا العالم، خير العوالم التي يمكن ان تخطر بالبال جميعا، بعد ان اثبت في سخرية وتورية أنه شر العوالم التي يمكن ان تخطر بالبال جميعا " - آل بودنبروك ترجمة محمد ابراهيم الدسوقي
يتساءل توماس بودنبروك في الرواية عن معنى النهاية والفناء؟ كيف ينظر الإنسان إلى هذه المفاهيم العبثية على أنها أهوال! ما الذي سينتهي وما الذي سيتلاشى؟ جسده هذا. شخصيته وفرديته هذه، هذا العائق الثقيل، العنيد، المعيب، والبغيض أمام أن يكون شيئاً مختلفا وأفضل! ألم يكن لكل إنسان خطأً وزلة؟ ألم يسقط الإنسان في سجنٍ مؤلمٍ منذ ولادته ؟ اننا نعيش وسط حواجز وقيود في كل مكان! لم يتبق للانسان إلا ان يحدق من خلال نوافذ فرديته المُغلقة، بيأسٍ في جدران الظروف الخارجية، حتى يأتي الموت ويناديه إلى بيته وإلى الحرية .
في عبارات مهمة من روايته " الموت في البندقية " يلخص لنا توماس مان وظيفة الرواية: " لكي يستطيع عمل روحي وفكري ويؤثر بشكل عميق في الجمهور، يجب أن تكون ثمة علاقة عميقة أو بالأحرى لحمة متجانسة بين إبداع الكاتب والناس الذين يعيشون حواليه بمختلف اتجاهاتهم " .
عندما كنت منغمساً في عالم توماس مان، كنت مستغرقا للغاية لادرك جيدً كيف ان " القراءة تجعل الإنسان كاملا " مثلما قال ذات يوم الفيلسوف الانكليزي فرنسيس بيكون، وان قدرة الادب تكمن اولا واخيراً في معرفة العالم والآخر، ومعرفة المرء لذاته على نحو خاص.
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية







