شهادات ومذكرات

طه جزّاع: الفلسفة لا تُعصم القلب

في عشرينيات القرن الماضي، كانت جامعة ماربورغ الألمانية فضاءً نابضاً بالأسئلة الفلسفية الكبرى، وهناك التقت حنة أرندت، الطالبة الشابة المتوقدة الذكاء، بأستاذها مارتن هايدغر، الفيلسوف الصاعد الذي كان يفتن طلبته بعمق أفكاره وغموض لغته. وما بدأ إعجاباً فكرياً خالصاً، سرعان ما انزلق إلى علاقة عاطفية سرية، ظلت طيّ الكتمان، لكنها تركت أثراً عميقاً في حياة الاثنين.

كانت العلاقة، منذ بدايتها، غير متكافئة، أرندت في مطلع شبابها، تبحث عن المعنى واليقين، وهايدغر رجل ناضج، متزوج، يحتل موقع السلطة الأكاديمية والفكرية. ومع ذلك، لم تكن العلاقة مجرد استغلال عاطفي أو نزوة عابرة، فقد رأت أرندت في هايدغر عقلاً فلسفياً استثنائياً، فيما وجد هو فيها ذكاءً نادراً وروحاً قادرة على ملامسة أسئلته الوجودية الأعمق. لكن التاريخ لا يرحم العلاقات الهشة. مع صعود النازية، اتخذ هايدغر موقفاً سياسياً صادماً بدعمه للنظام النازي، بينما اضطرت أرندت، اليهودية، إلى الهجرة هرباً من الاضطهاد. هنا انكسر الخيط الرفيع الذي كان يجمع بين الحب والفكر، وتحوّل الإعجاب إلى خيبة، والذكرى إلى جرح مفتوح. وبعد الحرب العالمية الثانية، جمعهما لقاء متأخر. لم يكن لقاء عاشقين يستعيدان الماضي، بل مواجهة فكرية صامتة بين شخصين حمّلهما التاريخ أثقاله. لم تغفر أرندت لهايدغر خياراته السياسية، لكنها رفضت أيضاً اختزال فكره الفلسفي في موقفه الأخلاقي، متمسكة بفصلٍ صعب بين الفكر وصاحبه. وهكذا بقيت علاقة هايدغر وأرندت رمزاً معقداً لقصة حب لم تكتمل، وخيبة لم تُمحَ، وفكرٍ ظل حياً، يتجاوز أصحابه، ويقاوم السقوط في محكمة التاريخ .

في النهاية، يظل مارتن هايدغر وحنة أرندت شاهدين على مأزق الإنسان حين يتقاطع الحب مع الفكر، فقد أحبت أرندت الفيلسوف، لا مواقفه، وفكّر هايدغر عميقاً، لكنه تعثّر أخلاقياً، فالفلسفة لا تعصم القلب، كما أن الحب لا يمنح الفكر براءةً أبدية، لأنه تجربة وجودية لا تُقاس بالنجاح أو الفشل، بل بعمق الأثر.

وقد يضل القلب، وقد يخطئ الفكر، لكن الإنسان يظل أقوى من سقطاته .

***

د.  طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

في المثقف اليوم