شهادات ومذكرات

علي حسين: كيف تحارب الشمولية وأنت تشرب الشاي مع جورج أورويل؟

في ذكرى رحيله الـ " 76 "

آب 1948 وفي بيت يقع على جزيرة جورا قبالة الساحل الاسكتلندي، وفي صباح بارد وعاصف، جلس رجل في زاوية من المطبخ وأمامه صحن وضع فيه قطعة من كعك الزعفران، وفطيرة تفاح، ومربى الكوسا، ورغيف خبز، وفي طبق آخر أنواع لا تُحصى من البسكويت، وعلى المنضدة كانت آلته الكاتبة حيث يجاهد معها لاكمال رواية كان حريصا أن يجعل منها نبؤة لزمن قادم. كان المطبخ يُستخدم غرفة جلوس، وقد وضع في زاوية منه مكتبة خشبية ضمت عشرات الكتب التي اختارها لترافقه في سكنه الجديد. يتناول قطعة من البسكويت مع " كوب لطيف من الشاي دون سكر " كان اورويل عاشقاً للشاي " من المفترض للشاي أن يكون مر الطعم، لو أنك قمت بتحليته، فانت لم تعد تتذوق الشاي، انت تتذوق السكر فقط " – جورج اورويل كوب لطيف من الشاي ترجمة علي مدن -.

 ينظر الى الصفحات التي انجزها امس، الكتابة مجهدة، هذه الرواية اللعينة تمتص الحياة منه، لكنه مصم على انهائها. كان حريصاً ان لا تتحول صفحات روايته إلى منشور سياسي، انه يريدها ان تكون عملأ ساخراً ونبؤة وتحذير فهو يؤمن انه يعيش : " في عالم كل من فيه ليس حراً، وقلما يوجد فيه شخص آمن، ومن شبه المستحيل أن تكون صادقاً فيه وتظل حياً " – جورج أورويل الطريق الى رصيف ويغان ترجمة اسعد الحسين –.

كان لجورج أورويل، المتقشف والزاهد، والنحيل نوعاً ما، اهتمامٌ بالطعام.، ونجد شخصياته، مثله،غالباً ما تكون جائعة، وبسبب ايام التشرد والجوع، كان يتلذذ بوصف الوجبات المُقززة، بهدف احداث صدمة عند القراء واثارة إشمئزازهم، لم يكن أورويل خبيراً في مطابخ العالم، ولم يسافر إلى آسيا خلال إجازاته في بورما، ولم يزر إيطاليا أو اليونان قط، كره الأطباق الأجنبية، ورأى الدول الأوروبية في أسوأ أحوالها، في فرنسا عاش معدماً، وإسبانيا جنديا خلال الحرب الأهلية، وفي ألمانيا صحفياً وسط الفوضى والمجاعة بعد الحرب العالمية الثانية. كان يُشكك في المطاعم الفاخرة والباهظة.

كانت الرواية التي يعمل عليها تتقدم ببطأ كان قد كتب الى صديقه همفري سلاتر رئيس تحرير مجلة " بوليمك" :" لقد بدأت روايتي التي تحكي عن المستقبل اخيراً، لكنني كتبت نحو 50 صفحة فقط، ووحده الرب يعلم متى سأنتهي منها "، انه يريد أن يقدم للقراء شهادته عن عالم مرعب، كان قد وضع رواية جيميس جويس " يوليسيس " على المائدة الى جانب قطع البسكويت، كتب مرة في احدى رسائله ان جيميس جويس يلخص في يوليسيس :" اكثر من أي كتاب اعرفه، اليأس المرعب الذي يكاد يكون عادياً في أيامنا، وانك لتجد االتنوع ذاته من الاشياء في قصائد اليوت " - رسائل جورج اورويل ترجمة عماد العتيلي -

يتذكر اورويل انه استعار نسحة من رواية " يوليسيس " عندما كان يعيش متشردا في باريس عام 1928، وقد كتب عدد من الملاحظات عن الرواية مشيداً بطريفة جويس في تناول الحدث اليومي، حيث اعتبر يوليسيس تحاول أن تقدم الحياة كما هي معاشة :" ان جويس يحاول ان ينتقي ويقدم الأحداث والأفكار كما تحدث في الحياة لا كما تحدث في القصة - جورج اورويل سيرة حياة ترجمة ممدوح عدوان -.

كان اورويل يشارك جيميس جويس احتقاره للكتاب الذين يكتبون الروايات من خلال قراءتهم للروايات. ومثلت له يوليسيس نموذح للفن الروائي يكتب في احدى رسائله :" لعلي كنت اتمنى لو انني لم أقرأها. إنها تولد عندي مركب نقص. حين أقرا كتاباً من هذا النوع ثم اعود الى عملي، احس مثل خصي عمل دورة في تقليد الاصوات ".

أحب أورويل الكتب وجمعها، ولكن حذرنا من ان نطلب منه تكرار تجربة بيع الكتب :" السبب الحقيقي لنفوري من ان أكون في حرفة الكتب طوال الحياة هو أنني بينما كنت هناك فقدت عشقي للكتب. بائع الكتب عليه قول الاكاذيب حول الكتب، وهذا ما يدفعه للشعور بالجفاء تجاهها.. حالما بدأت العمل في متجر للكتب توقفت عن شراء الكتب عند رؤيتها مكومة. كانت الكتب مملة وحتى مثيرة للغثيان قليلاً، هذه الأيام اشتري كتاباً واحداً أريد قراءته فقط ولا استطيع استعارته، ولا اشتري ما لانفع له أبداً " – جورج أورويل لماذا اكتب ترجمة علي مدن -.

على مدى سنين حياته التي بلغت " 47 " عاماً مارس جورج اورويل هواية جمع الكتب منذ ان كان في التاسعة من عمره حين عثر على نسخة قديمة من رواية تشارلز ديكنز " ديفيد كوبر فيلد "، والتي سترافقه فيما بعد ليعيد قراءتها اكثر من مرة وليكتب مقالا عن ديكنز اكد فيه انه :" لا يوجد كاتب انكليزي كتب عن الطفولة أفضل من ديكنز، فليس هماك روائي أظهر نفس المقدرة على الدخول الى قلب وجهة نظر الطفل " – جورج اورويل الاعمال السياسية والادبية ترجمة أسعد الحسين -.

في جزيرة جورا وجد اورويل مكانا يستطيع فيه التركيز على العمل الكبير الذي يسيطر على مخيلته، وايضا على قراءة بعض الكتب التي حمبها معه. كان يشعر بالحاجة الى القراءة والكتابة، معتقدا ان اليوم الذي لا يكتب فيه ولا يقرأ بضع صفحات فيه هو يوم ضائع. كان مصرا على التفرغ لانجاز عمله الروائي، لكنه كان يكتب بين الحين والاخر بضع مقالات عن الزراعة والصيد، وملاحظات عن الحياة البرية، كان شبح الفقر قد ابتعد عنه بعد ان اعيد نشر روايته " مزرعة الحيوان " في اواخر آب عام 1946، وقد بلغت مبيعاتها نصف مليون نسخة.

يوصف أورويل بانه شخصية غريبة الاطوار، يرتدي ملابس غريبة، وجاء الى عالم الكتابة بطريقة غريبة ايضا، وبرغم ملامح البؤس التي تبدو على وجهه، فانه لم يكن منعزلاً. كان غارقا في الأدب الفرنسي والروسي. يعرف المزيد عن السياسة الأوروبية والاستعمارية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين أكثر من معظم معاصريه الادباء والسياسيين. كان لديه أشياء يقولها لا تزال ذات أهمية عالمية حتى اليوم، والحماس للكتابة لجمهور عريض، وليس لجمهور فكري بحت.

ولد جورج أورويل واسمه الحقيقي " اريك هيو بلير " في البنغال أيام كانت جزءاً من الهند التي تخضع للنفوذ البريطاني، يوم 23 من ايارعام 1903، وكان والده يعمل موظفاً في إدارة مكافحة المخدرات، وأمه ابنة تاجر خشب فرنسي، بعد عودة عائلته إلى انكلترا دخل مدرسة إعدادية خاصة، بعدها استطاع والده ان يدبر له دراسة بمنحة في كلية ايتون الخاصة بابناء الطبقة العليا، وكان الكاتب الشهير الدوس هكسلي أحد أساتذته، لكن الفتى رأى حقيقته في مكان آخر حيث يقرر فجأة أن يترك الدراسة ليرحل الى بورما للعمل في " الشرطة الملكية "، هناك يكتشف المعاناة التي يعانيها البورميون من جراء الحكم الانكليزي، فيكتب روايته " أيام بورمية "، بعدها يسافر الى فرنسا، ثم يعود إلى انكلترا حيث يعمل في مكتبة لبيع الكتب، وكان في السابعة والعشرين عندما نظف بيتاً في لندن مقابل ربع جنيه استرليني يومياً. أتعبه المرض، فكان يبدو أكبر من عمره واعتقد انه لا يروق للنساء، ويسجل هذه الفترة من حياته في كتابه " متشرد في باريس ولندن ".عندما تندلع الحرب الأهلية الاسبانية يذهب إلى برشلونة ومن هناك يكتب تحقيقات صحفية لمحطة البي بي سي، ونجده يلتحق بالحزب العمالي للاتحاد الماركسي الذي يتبع تروتسكي، ويشترك في القتال مع القوات الجمهورية، يصاب في منتصف عام 1937 بجروح، ليعود إلى انكلترا فيصدر عام 1938 كتابه " وفاء لكتلونيا " يروي فيه أسباب انفصاله عن حركة اليسار، عام 1943 ينضم الى هيئة تحرير صحيفة الأوبزرفر، يتولى كتابة تقارير سياسية وأدبية، سنة 1945 تنشر روايته " مزرعة الحيوان "، التي بيع منها ملايين النسخ وترجمت إلى معظم اللغات، وقد حققت له هذه الرواية الشهرة والثروة، ورغم أن مرض السل تفشى في جسده إلا أنه استطاع عام 1948 تكملة روايته الاخيرة " 1984"، ليرحل عن عالمنا بعد عامين من نشر الرواية عام 1950.

كان أول اسم مقترح لرواية جورج أورويل " 1984 " هو " الرجل الأخير في أوروبا ". يقدم لنا أورويل في روايته هذه عالماً يحكمه نظام شمولي، وتدور أحداث الرواية في لندن التي يسميها أورويل " دولة أوشانيا العظمى " حيث تدير شؤونها أربع وزارات، هي وزارة الصدق ومهمتها تزييف الحقائق، وإتلاف الوثائق التي تذكر الناس بالماضي، ووزارة السلام تتولى شؤون الحرب والإعداد لها، وزارة الرخاء ومهمتها تخفيض الحصص التموينية المخصصة للأفراد، ووزارة الحب التي تُعنى بحفظ النظام وتنفيذ القوانين. في الرواية ترافقنا صورة "الاخ الاكبر " في كل مكان، وهي صورة لوجه ضخم بشارب اسود كثيف، وكتب تحت الصورة " الاخ الأكبر يراقبك "، ووسيلة الدولة في مراقبة الناس تتلخص في استخدام شرطة الفكر دوريات بطائرات هيلوكوبتر تقترب من النوافذ وسطوح المنازل بهدف التجسس على كل السكان.

كان أورويل قد صاغ لأول مرة مفهوم الشمولية بعد عودته من إسبانيا التي ذهب اليها اواخر عام 1936، في هذه الفترة يوجه نقدا الى الجمهوريين، حيث عزا انتصار فرانكو الى سوء تصرف حكومة الجمهوريين وتفشي الخيانة. كان أورويل يؤمن بأن العوامل المشتركة كانت تظهر في الستالينية والنازية المعنية بالاحتفاظ بالسلطة وبسطها من قبل النخبة الداخلية للحزب. ومثل هذه الدولة ستسعى الى حشد المجتمع كله كما لو كان من أجل حرب دائمة وشاملة، وهو الامر الذي تلقفته الفيلسوفة الالمانيه حنه أرندت وهي تكتب عن اصول الشمولية، في كتاب صدر بعد عام من رحيل جورج اورويل.

إذا أخذنا المرء مصطلح "الكاتب السياسي" بمعناه الأوسع ليشمل الفلاسفة ورجال الدولة والادباء في الفكر الانكليزي، فإن ثلاثة أسماء تبدو بارزة بلا منازع : توماس هوبز، وجوناثان سويفت، و جورج أورويل.، كان هوبز فيلسوفا، منغمس في دراسة مفارقات الحكم تجعل من كتابه " اللفياثان " تحفة من روائع النثر.. وكان جوناثان سويفت ناشرا وكاتبًا ساخرا قادرًا على التهكم على الفلسفة، والدين وكذلك السياسة الحزبية.

لقد حاول أورويل ان يتتبع في رواياته دوافع السلوك البشري، وجد ان الحافز الاول لسلوك الانسان السوي هو اثبات وجوده، وفي سبيل هذا الغرض أقر أورويل بحق الفرد في تحطيم القوانين إذا كانت جائرة او ظالمة. كما اعترف بحق الجماعة في الثورة وتغيير النظم التي لا ترضاها، وقد استطاع ان يرسم لنا صورة لمصير الانسان في عصر تسيطر عليه الآلات سيطرة تامة، ويسيطر عليه الطغيان نتيجة لانقسام العالم الى معسكرات وتكتلات، ولوجود طبقة اجتماعية لا يرضيها إلا ممارسة السلطة واذلال الاخرين.

كان أورويل يؤمن باستحالة أن يتجنب الكاتب البحث في شؤون السياسة، وقد وجد ان الرواية هي افضل وسائل التعبير في الكتابة السياسية، ولكن الرواية لا تزدهر إلا اذا كان الكاتب حرا، والمهم ان يكون مفهوما، ولهذا اهتم أورويل بان يكتب باسلوب سلس لكنه جميل، وقد استطاع ان يجعل من الكتابة فنا متميزا، عندما قدم للقراء رائعته " مزرعة الحيوان ".

رفض العديد من النقاد روايته " 1948" واعتبروها بلا معنى، لكن الهدف كان عند اورويل هو الرغبة في كشف مساوئ الاشتراكيّين والسلطة المتسلطة. كان المجتمع الذي خلقه اورويل بديلا للمجتمع الانكليزي يتساوى فيه السكان بكونهم لا يساوون شيئاً، وتنبثق حقائق مجتمعهم من الإيديولوجيا، والإيديولوجيا من السلطة. حيث تلغى المشاعر التي بُنيت السلطة عليها سابقاً من حب الجار والعادات والوطن والتاريخ، و يختفي المنادون بها. كره اورويل الادعاء والتباهي، وخشي أن يبدو أسلوبه متكلفاً فبسّطه ليجعله اقرب الى لغة الانسان العادي الصادق الذي يفتح فمه ليقول ما يهمه دون ان يزوق الكلمات، كان يقرا كل يوم في كتب جوناثان سويفت و سومرست موم، كره الثروة والنجاح، وسعى الى حياة روحانية من دون ان يؤمن بالكنيسة. دفعه تقشفه الى العيش في جزيرة اسكوتلندية حيث حاول كسب قوته بالصيد والزراعة، كان مريضاً بالسل وعجل عيشه على الجزيرة في نهايته.

رواية "1984" جلبت له شهرة عالمية بعد رحيله وخلّدت عباراته "الأخ الأكبر" و"وزارة الحقيقة". توفي عن سبعة وأربعين عاماً ففاته الهجاء الذي كتبته عن صحيفة البرافدا السوفيتية وهي تصف روايته " 1984 " بـ. "كتاب قذر حقير".

***

علي حسين

في المثقف اليوم