شهادات ومذكرات
عبد الحسين شعبان: الفنان مكي حسين "الثوري النبيل"
بعد نشر مقالتي الموسومة "مكي حسين: حين يتعتّق الحزن بالجمال"، تواصل معي عدد من الأنصار الشيوعيين والأصدقاء برجاء إضاءة المزيد عن حياة وكفاح وفن الفنان المبدع الراحل مكي حسين، ونزولًا عند طلبهم أنشر هذه المادة بعد أن فُجع الوسط الثقافي والفني بالرحيل المفاجئ للنحّات الكبير والمثقّف الثوري والإنسان الرائع مكي حسين (أبو بسيم)، الذي توفاه الله في مدينة غوتنغن بألمانيا، حيث اكتشفت الشرطة جثته ملقاةً على الأرض بعد أن اضطّرت البلدية إلى فتح باب شقته عنوة بعد أربعة أيام على وفاته (يوم 19 كانون الأول / ديسمبر 2025)، حيث ستقام مراسم الدفن صباح يوم 6 كانون الثاني / يناير 2026 في مقبرة باركفريهوف يونكربيرغ.
في بغداد
كنت قد تعرّفت على مكّي حسين (أبو بسيم) في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي من خلال الصديق الفنان المعروف اتّحاد كريم، وكان حينها على ما أتذكّر في الصف المنتهي من معهد الفنون الجميلة، ويومها كان الإضراب الطلابي في ذروته (أواخر العام 1967 وأوائل العام 1968)، وقد التقينا خلال تلك الفترة أكثر من مرّة، أتذكّر منها مرّة في جمعية التشكيليين العراقيين، حيث أصبح لاحقًا عضوًا في هيئتها الإدارية (1971)، والثانية في جمعية الحقوقيين العراقيين.
شيئان لفتا انتباهي منذ اللقاء الأول مع مكي حسين، أولهما – هدوئه الواضح ونباهته الشديدة، بحيث لم يدع إشارة أو حركة أو نظرة تفلت منه، فقد كان يراقب بعينيْ صقر، وحتى وإن بدى مرتاحًا فهو متوثّب أيضًا؛ وثانيهما – تأنّيه وصبره، وربما اكتسب ذلك من مهنته في النحت، كما كان مستمعًا جيدًا يصغي لما يدور حوله ومعه من حوار ونقاش. لم يكن متسرّعًا في أي شيء، بل كان يدقّق كثيرًا ويقلّب الأمور قبل الإفصاح عن آرائه، والمسألة لا تتعلّق بالفن والنحت بشكل خاص، بل بآرائه السياسية، والأكثر من ذلك تقديراته لبعض الشخصيات وتقييماته الدقيقة لها، وهو ما تلمّسته على نحو أوضح بعد سنوات وخلال لقاءاتنا في كردستان.
وحين عدتُ من الدراسة، سألت اتّحاد كريم عنه، وكان متوقَعًا أن نلتقي في محترفه، لكن ذلك لم يحصل، خصوصًا بعد التحاقي بتأدية الخدمة العسكرية الإلزامية، ولكنني تابعت أخباره ومنجزه الفني، وهو ما عرفته لاحقًا من الصديقة الشاعرة والروائية مي مظفّر والصديق الفنان الكبير رافع الناصري، حيث جاءت مي على ذكره في كتابها عن رافع الناصري الموسوم "أنا ورافع الناصري: سيرة الماء والنار" (كانون الثاني / يناير 2021).
في كردستان (نوكان – ناوزنك)
في العام 1982 التقيت بمكي حسين في كردستان بعد غياب طويل، وكان قد التحق قبلي بتنظيمات الأنصار الشيوعية (من الداخل)، حيث ساهم في بناء القواعد الأولى مع صفاء العتابي (أبو الصوف) ورفيق اسم نصير استشهد في بهدِنان، وذلك بتأسيس فصيل بغداد. وحين تسلّمت مهمة إدارة تنظيمات الإعلام المركزي من الرفيق ماجد عبد الرضا، كان مكي حسين من تشكيلاتها، وحصل بعد أسابيع أن وصلتنا بعض الأخبار عن تقدّم القوّات الإيرانية نحو مواقعنا، بل أنها أخذت تقترب منّا، وهو الأمر الذي أصبح يهدّد وجودنا. وبالفعل سمعنا عن وصولها إلى قرية داوداوا التي لا تبعد سوى ساعتين عن مواقعنا مشيًا على الأقدام في تلك الجبال الوعرة.
وحين حشدت إيران قوات كبيرة في قرية دوله توو بهدف احتلال المنطقة، حيث كان متوقعًا أن تتحرّك باتّجاهنا خلال أسبوع واحد. فسارعنا إلى لملمة بعضنا وجمع المهم من أغراضنا والوثائق المهمة والكتب القليلة لننتقل على عجل من المباني والخيم التي نصبناها في منطقة نوكان (ناوزنك)، التي كان يجتمع فيها رفاق من إدارة الحزب وكوادره الرئيسية وبعض هيئاته المختصّة، متّجهين إلى بشتاشان على شكل قوافل (مفارز)، وقد فصّلتُ ذلك في كتابي "بشتاشان خلف الطواحين: وثمة ذاكرة – شهادة وليست رواية" (دار الرافدين، بغداد، 2024).
لقد تركنا الكثير من أغراضنا الشخصية على بساطتها، لكنها كانت مهمة جدًا لنا ولوجودنا الأنصاري بالقرب من الحدود العراقية - الإيرانية، وهي المنطقة التي تنازل فيها النظام العراقي السابق عن نحو ألف كيلومتر من الأراضي العراقية بموجب اتفاقية 6 آذار / مارس 1975 المعروفة باتفاقية الجزائر بين شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدّام حسين، إضافةً إلى نصف شطّ العرب وفقًا لخط الثالويك.
وكان الأهم بالنسبة لنا نقل الإذاعة التي كانت تبثّ باسم "صوت الشعب العراقي" وعدم الاحتكاك بالإيرانيين، ممّا يشكّل خطرًا على وجودنا وحياتنا، لذلك بادرنا وعلى عجالة إلى ترك أماكننا قبل وصولهم، وبالفعل فقد وصلوا إلى المنطقة التي كنّا نعيش فيها وسكنوا بذات المباني التي تركناها.
في بشتاشان
عدنا إلى الانتظام بعد وصولنا إلى بشتاشان عبر مسيرات متقطّعة، استغرق بعضها أربعة أيام، وهو ما حصل لمفرزتنا، حيث كنّا حين نصل إلى قاعدة من قواعدنا نقضي ليلة في ضيافتها، لنبدأ المسير في الصباح الباكر لعدّة ساعات حتى نصل إلى موقع آخر من مواقعنا نكون في ضيافته أيضًا.
بعد وصولنا إلى بشتاشان بدأنا العمل كخليّة نحل في البناء والتحطيب وتنظيف المنطقة والاستفادة من المباني الموجودة ووضع سقوف لها، وكانت قبل ذلك قد تمّ استخدامها كمدرسة حزبية كان يديرها كاظم حبيب، وهكذا بدأنا بتوزيع السكن والمهمّات والأدوار والاحتفاظ بالأرزاق والمؤونة القليلة المتبقية لدينا.
استقرّ مكّي حسين وعائلته مع عائلتين أخريين، وهما عائلة أبو جواد البصري وزوجته الفنانة منى، وعائلة الرفيق أبو شيلان الذي وصلنا مع زوجته وطفلين من السليمانية التي كان في عضوًا في لجنتها المحلية، وعمل مكّي حسين على تنظيم قواطع بين العوائل الثلاثة في القاعة (الغرفة الطينية الكبيرة) التي سكنوا فيها، ولعلّها كانت الغرفة الوحيدة المنظمة في فصيل الإعلام بفضل دقة وبراعة مكّي حسين. وكان ثمة غرفة أخرى صغيرة جدًا سكن فيها الرفيق باقر ابراهيم (أبو خولة، واختار أبو خليل اسمًا حركيًا له في الأنصار)، وزوجته المناضلة عزيزة نعّوم عباس (أم خولة)، وقد استخدم تلك الغرفة كمكتب له يلتقي فيه الرفاق.
ملاحظات وآراء
كان مكّي من أوائل الرفاق الذين استمعتُ إلى ملاحظاتهم بشأن خطأ اختيار موقع بشتاشان استراتيجيًا وعسكريًا، وكنتُ قد سمعتُ عن ذلك حتى قبل مسيرتنا العتيدة من الرفيق صارم، وهو المسؤول العسكري لفصيل الإعلام ومن أشجع الرفاق الأنصار الذين عرفتهم، وقد جئت على ذكره في أكثر من مناسبة، كما سمعت من آخرين ملاحظات أشد قسوةً، كنت أصغي إليها باهتمام حتى قبل مغادرتنا نوكان (ناوزنك).
وحين وصل عامر عبد الله لحضور اجتماع اللجنة المركزية (أيلول / سبتمبر 1982) سألني عن الموقع الجديد الذي سننتقل إليه، فأخبرته عمّا سمعته عنه، ويبدو أنه كان قد سمع تحفّظات أشد، ولذلك ظلّ طيلة أيام بقائه يردّد نكتة أصبحت لازمة لنا، ولاسيّما حين عرف أن جبل قنديل هو خط انسحابنا الوحيد، "... وقيل قنديلان" وكان كلّما أعاد عليّ هذه النكتة يضحك لدرجة أن تدمع عينيه.
وبعد انتقالنا إلى بشتاشان واطلاعي الميداني على حقيقة أن خط الانسحاب الوحيد هو جبل قنديل صُدمت بالفعل، على الرغم من عدم معرفتي بالعلوم العسكرية، لكن الرفيق صارم هو من شرح لي خطورة هذا الموقع الذي انتقلنا إليه، إذْ أنه كما قال ساقط عسكريًا، وكنت قد كتبت إلى عامر عبد الله رسالة وهو في دمشق أشير عليه ألّا ينسى "... قنديل وقيل قنديلان"، لأننا أصبحنا نعيش على سفح جبل قنديل.
ولم نكن نعرف أن القدر كان قد خبّأ لنا مفاجأةً من العيار الثقيل، حيث كانت تنتظرنا مجزرةً حقيقيةً بكلّ معنى الكلمة. كان خط انسحابنا الوحيد يوم مهاجمتنا هو جبل قنديل، وصادف أن ضربتنا يومها عاصفةً هوجاء اختلطت فيها حبّات الثلج والمطر مع دمائنا.
حينها أدرك الجميع أن الكارثة وقعت بالفعل، وليت ساعة مندم كما يُقال، خصوصًا وأن البعض أغلق آذانه ولم يرغب أن يسمع أي نقدٍ بشأن خطأ اختيار موقع بشتاشان وتجميع مئات الرفاق فيه، وأتذكّر يومها تعليق مكّي حسين بقوله "يا لهم من عباقرة" ويقصد الذين اتّخذوا القرار.
أخطاء وبطولات
وكان من نتائج تلك الأخطاء القاتلة على الصعيد العسكري استشهاد أكثر من 70 رفيقةً ورفيق، وأسر العشرات من الرفاق إثر الهجوم الغادر الذي شنّته علينا قوات الاتحاد الوطني الكردستاني (أوك / يكتي) بقيادة ناوشيروان مصطفى، الذي حاورته في السليمانية بعد نحو ربع قرن من وقوع المجزرة، فأصرّ على مواقفه مبررًا ما حصل، ملقيًا بجزء من المسؤولية على عاتق الضحايا، وهو ما تناولته بفصل خاص في كتابي المذكور "بشتاشان وثمة ذاكرة"، علمًا بأنه تجمعني وإياه صداقة من أيام الدراسة في جامعة بغداد. وكنت قد توقفت عند الآثار السياسية للمجزرة المدوية، والتي تركت تأثيرات سلبية على مجمل عملنا.
لا بدّ من الإشارة هنا إلى أن الهزيمة كانت سياسية قبل أن تكون عسكرية، لكن ذلك يقتضي في الوقت نفسه الإشادة بالمواقف البطولية والشجاعة ورباطة الجأش التي تمتّع بها الرفاق الأنصار، ومنهم مكّي حسين، الذي لم يألو جهدًا عن تحمل مسؤولياته بكل ثقة دون نسيان مواقف الضعف والتخاذل، التي اتّسم بها البعض، علمًا بأن الهجوم كان مباغتًا، فضلًا عن عدم التكافؤ في توازن القوى العسكري.
كان مكّي حسين من الشخصيات الإيجابية المتميّزة، التي تمتلك خلقًا رفيعًا وتسهم في خلق أجواء مفعمة بالثقة والتفاؤل والجدية، وفي الوقت نفسه لا يتردّد من نقد المظاهر السلبية وتشخيص الأخطاء والنواقص، سواء في المجال السياسي أو إزاء تصرّفات بعض الرفاق. وقد كان صريحًا ومستقيمًا في نقده، سواء في الاجتماعات الحزبية أو في اللقاءات العامة، وكذلك في لقاءاتي الشخصية معه كمشرف على التنظيم. دون أن أنسى ظرافته وخفّة دمه وتعليقاته الساخرة، حتى وإن كانت ملامحه لا تعبّر عن ذلك، بل تعطي انطباعًا شديدًا بالجديّة والحزن.
طباخ ماهر
حين كانت تحلّ خفارة مكّي حسين كل أسبوعين أو أكثر في المطبخ كنّا نستبشر خيرًا، ولا أدري كيف كان بإمكانه أن يصنع لنا وجبة كباب شهيّة برأس بصل واحدة ودون أي أثر للحم، الذي لم يكن يزورنا أكثر من مرّة واحدة كلّ شهرين أو ثلاثة أشهر، إلّا أن مكّي كان يوهمنا بوجوده باستبداله بالخضراوات والبطاطا التي يقلّيها بالدهن بحيث يوحي لنا أن ما يصنعه هو أقرب إلى كباب البيت. وكنت أجهل كذلك من أين كان يأتي بالبصل؟ فهو ثروة نادرة في المواقع النائية التي كنا نعيش فيها، وكنت أراقبه أحيانًا فيقوم بخلط الطحين والخضراوات التي يقطفها ويغسلها بماء الروبار (النبع القريب منا) ويعقّمها ويقطّعها ويخلطها مع شيء من البطاط ومعجون الطماطة. هكذا كنا نتذوّق الطبخة التي يعدّها مكّي بشهيّة لا حدود لها وكأنها قادمة لتوّها من مطعم مكسيم الباريسي.
لا أدري كيف استذكرت ليلة عيد الميلاد (1982) الرفيق صباح محمود شكري، الذي كان حين يعدّ لنا السلطة في براغ فإنك تستطيع قياس حجم كل قطعة فيها من الخيار أو الطماطة أو البصل بالمسطرة، فقد كان يهندسها بالفعل، وهو ما تعلّمه من مهنته كمهندس ومن خفارته في سجن نقرة السلمان التي قضى فيها ثلاث سنوات.
ليلة رأس السنة
في ليلة عيد الميلاد جمعنا النقود القليلة لنشتري "البزن" (وهي كلمة كردية تعني الماعز الجبلي) لنأكل اللحم الذي افتقدنا إليه لشهور في تلك السنة الشديدة القسوة، وتولى مكي حسين إدارة كل شيء من الأكل إلى الاحتفالية بالتعاون مع صفاء العتابي (أبو الصوف) وصارم (ارحيّم سوّيد) وأبو محمد الفلاحي وأراس وعباس، وهو ما بقي بذاكرتي، وكانت ليلة ليلاء بطلها (أبو الصوف)، الذي أتحفنا بالنكات والأغاني والقفشات، وقد تناولت ذلك بالتفصيل في كتابي المشار إليه في أعلاه.
كان مكّي يستخدم براعته النحتية وذوقه الفني وعدالته واستقامته والمواد البسيطة التي في عهدته لإطعام ما يزيد عن 60 رفيقًا، وحين يطبخ الرز والمرق، وهما مادتان أساسيتان ويوميتان (بالفاصولياء أو الحمص)، حتى وإن كانا من أردئ الأنواع، حيث كان الرفاق يتندّرون بأن لدينا اليوم "مرقة حصو"، إلّا عند خفارة مكّي التي كنا ننتظرها بفارغ الصبر، فقد كان يتفنن في طبخها ويحتفظ بسرّ مكوّناتها.
في ظلّ ذلك القحط الذي كنّا نعاني منه والشح الذي نعيشه والجوع الذي نتحمّله، وكتعويض عن الفداحة، كان بعضنا يكتب أسماء المأكولات التي يشتهيها، وكلّ يوم يعاود قراءتها ويضيف عليها أصنافًا أخرى، قال إنه سيلتهمها الواحدة بعد الأخرى عند أول فرصة سانحة بعد خروجنا من مأزقنا.
خلف الطواحين
أعود إلى بشتاشان ومعناها بالعربية (خلف الطواحين)، حيث كنا نعيش في عزلة شديدة وفي بيئة وعرة، إذْ كان الوصول إليها عسيرًا، فالسيارات لا تصلها أبدًا، كما تتدنّى درجات الحرارة إلى ما دون 20 تحت الصفر في فصل الشتاء، وكان المناخ قاسيًا، الأمر الذي يتطلب خزن المواد الغذائية لأكثر من ثلاثة أشهر، لاسيّما أشهر كانون الأول (ديسمبر) وكانون الثاني (يناير) وشباط (فبراير)، وتستمر الثلوج بالهطول على نحو كثيف خلال شهر آذار (مارس)، كما يزداد سقوط المطر طيلة فصل الربيع الذي يمتاز بالبرودة الشديدة.
وتتّصل بشتاشان في نهايات الربيع بقرى قريبة مثل أشقولكا وليوْجه وقرناقاو ورزكة وكاسكان وسط سلسلة عالية من الجبال ذات الدروب والمسالك المتعرجة والانحدارات الحادة، وكنتُ قد تعرّفتُ على هذه القرى لوجود مقرات لنا، وبعضها للحزب الاشتراكي الكردستاني، حيث كنت ألقي محاضرات مستمرة على مواقعنا، وفي لقاءات مع أعلام جود كنا مكلفين بها عبد الرزاق الصافي وكاتب السطور.
لبضعة شهور كنا نقف كل يوم بخشوع أمام جبل قنديل الشاهق، ولم نفكر في أية لحظة بعبوره، حيث يبلغ ارتفاعه أكثر من 7800 قدمًا، وتكسوه الثلوج طيلة أيام السنة، ولكننا اضطررنا إلى ذلك منكسرين ومهزومين، لكن قوّة الإرادة وحدها هي التي مكّنتنا من تحمّل كل تلك المشقّات.
أتذكّر مشهد ألسنة النيران المشتعلة التي التهمت الإذاعة بقرار من إدارة الحزب بنسفها كي لا تقع بيد المهاجمين، ونوبة البكاء الحادة التي اجتاحت عدد من الرفاق بينهم مكّي حسين، حيث كان رأيهم إخفاء الأجهزة في إحدى الشكوفتات (وهي كلمة كردية تعني المغارات)، الجدير بالذكر أن حزب العمال الكردستاني (PKK) عاش في بشتاشان من بعدنا واستخدم بعض المباني التي سبق لنا وأن هجرناها.
بانوراما سياسية
اتفقت مع المكتب الأيديولوجي الذي كان يديره الرفيق كريم أحمد (أبو سليم)، وكنت عضوًا فيه، على تنظيم برنامج سياسي حر تحت عنوان "بانوراما سياسية"، نطرح فيه قضايا فكرية وسياسية لرفع درجة وعي الرفاق، ولإجراء حوارات مفتوحة مع عدد من الكوادر خارج دوائر الانضباط الحزبي المعروفة، ابتدأنا باستضافة عمر علي الشيخ (أبو فاروق) عضو المكتب السياسي بخصوص (وثبة كانون 1948) وكان النقاش حول دور الأنصار ومهماتهم والقضايا الجديدة التي تواجه الحركة الشيوعية والموقف من الحرب العراقية – الإيرانية ومن المشروع الحربي والسياسي الإيراني، وكان البرنامج الذي استضفنا في أحد حلقاته مكّي حسين، والذي أنجزنا منه سبع حلقات، مساحة للنقاش وإبداء الرأي في ظل حراك فكري وسياسي واعتراضات وملاحظات حول السياسة العامة والتنظيمية.
وقد أثار هذا البرنامج الذي كنّا قد أعددنا منه 30 حلقة نقاش ردود فعل مختلفة، بعضها كان سلبيًا واعتُبر برنامجًا ليبراليًا يشجّع على النقد، ويقلّل من احترام الإدارات والمواقع العليا، في حين كان عدد من الكوادر الوسطية يتسابقون لحضوره، وكان المكان المخصص يكتظّ بالرفاق الذين تشجعوا على المناقشة، وكان بعضهم يأتي من المكتب العسكري (معم) والمكتب السياسي (م. س) وإدارات أخرى.
وكنتُ بعد كل مناقشة استمع إلى آراء اللجنة القيادية في الإعلام وإلى عموم رفاق منظمة الإعلام، بما فيه بعض الرفاق الجدد الذين التحقوا بنا مثل سليم الحكيم (أبو نرجس) الذي تناولت قصته بالتفصيل في كتابي عن بشتاشان، وهو صديق قديم من الكاظمية أوكلتْ له مهمات صعبة أنجزها بشجاعة، لكنه شعر بعدم الجدوى جرّاء تصرفات لم يكن يرتضيها.
في الشام
حين غادر مكّي حسين كردستان بعد مجزرة بشتاشان، استقرّ في الشام مثل الغالبية الساحقة من الرفاق، حيث كانت الشام وجهتهم الأولى ومحطتهم المحببة بعد حياة الجبل القاسية، وهناك تعاونا في العديد من المجالات، وخصوصًا في إطار رابطة الكتّاب والصحفيين والفنانين الديمقراطيين العراقيين، التي كان يرأسها الشاعر الكبير سعدي يوسف الذي استقال حينها احتجاجًا على محاولات الهيمنة عليها، وتوجيهها وجهةً ضيقةً، وهذا كان رأينا أيضًا، وقد وقع حينها 75 مثقفًا على مذكرة احتجاجية بهذا الخصوص، نشرناها حينها في صحيفة المنبر، التي كان لي شرف رئاسة تحريرها، وحضر العديد من الاجتماعات معنا في إطار الرابطة، ولاسيّما قبيل انعقاد مؤتمرها في الشام العام 1986، والمشاكل التي رافقته.
وقد بنى مكّي خلال وجوده في الشام علاقات متميزة مع العديد من المنظمات الفلسطينية، وأشرف على أقسام فنية في مجالاتها، مثلما احتفظ بعلاقاته الرفاقية مع العديد من الرفاق، على الرغم من ملاحظاته حول السياسة العامة، ولاسيّما الموقف من الحرب العراقية – الإيرانية، ومن مخاطر المشروع السياسي الإيراني.
لم يكن مكّي حسين حزبيًا مسلكيًا، بل كان صاحب رؤية وموقف، وأتذكر إنني يوم استلمت مذكرة ترحيله، كانت إحدى الإشارات السلبية المدونة فيها، هو نقده اللّاموضوعي للسياسة العامة ولمواقف إدارة الحزب، لكنني بالعكس اعتبرته صاحب رأي، وهو أفضل من الكثيرين الذين ظلوا يعبّرون عن طاعتهم وخضوعهم، لكنهم تواروا أو أخفقوا لحظة تقديم الامتحان.
مع الجواهري
حين أعددتُ كتابي "الجواهري في العيون من أشعاره"، دار طلاس، دمشق، 1986، دعوت مكّي حسين لتصميم غلاف الكتاب، واصطحبته معي إلى منزل الجواهري أكثر من مرّة، والتقط له العديد من الصور، وقد اختار إحداها لتكون غلاف لذلك العمل الموسوعي، وظل الجواهري دائمًا ما يشيد بإبداعه وخلقه، ويسألني عن صديقي الفنان.
وحين نويتُ إعداد موسوعة جديدة بعنوان "جواهر الجواهري"، دار سعاد الصباح، الكويت، 2024، اتصلت بمكّي حسين في ألمانيا أطلب منه إعداد غلاف الكتاب تقديرًا واعتزازًا بجهده واعترافًا بالجميل له، وقام بإعداد لوحة الغلاف وأرسلها لي، ولكنها تأخرت في البريد لأكثر من 50 يومًا، فاضطر لإعداد نسخة ثانية من المسودات التي لديه، وقد أرسلها لي، ومن المفارقة أن النسخة الأولى وصلتني أيضًا بعد مرور حوالي 20 يومًا عن وصول النسخة الثانية، وبعد صدور الكتاب اتصلت به مهنئًا، وكنّا قد اتفقنا على إقامة معرض له في بيروت في العام 2025، لكن أوضاع لبنان وحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزّة بعد عملية طوفان الأقصى، حالت دون ذلك، وكان قد أرسل لي مجموعة من صور لوحاته ومنحوتاته.
بالصميم
للأسف لم تتح الفرصة الكافية لمكّي حسين لإظهار إبداعه، فقد تميّز بحياء جم ولم يسوّق نفسه أو لم يسوقه أحد بسبب مواقفه السياسية ونقده واحتجاجه، وقد نال إعجاب أساتذته الكبار، وكانت آخر أعماله النحتية تمثال "صرخة بشتاشان من أعماق الجبال"، وكان يُفترض أن يكون غلافًا لكتابي عن بشتاشان، لكن الناشر فضّل صورتي بالزي الكردي، أي بيشمركة بكامل القيافة الأنصارية.
لعلّ رحيل مكي حسين يضعنا كأصدقاء له وكمثقفين أمام مسؤولية جديدة، وهي كيفية جمع تراثه الفني، لأنه يمثّل ثروة عراقية، وكان على وزارة الثقافة أن تعتني بمثل هذه القامات الكبيرة، كما أن على الأحزاب والحزبويين أن يتساموا على الاختلافات والاجتهادات ووجهات النظر، ويسعوا خارج دوائر الصراع الفكري إلى احترام ثقافة المثقف ووظيفته النقدية، التي لن يكون مثقفًا حقيقيًا دونها. وحسب فولتير البشر خطاؤون، وعلينا أن نأخذ بعضنا البعض بالتسامح، وسبحان من لا يخطئ، والاعتذار عن الخطأ يبقى إحدى فضائل النفوس الراقية والشجاعة.
***
ظلّ مكّي حسين مهجوسًا بالعراق وبنبالة ثوريّ حرّ عاش عزلته المجيدة. لم يتنازل أو يضعف أو يساوم، بل كان يدير ظهره للصفقات والمناصب والإغراءات. لم تمنعه معارضته للديكتاتورية من تنديده بالحصار الدولي الجائر والاحتلال والطائفية البغيضة، وكانت بشتاشان صرخته التي لا يريدها أن تُنسى، بل هي صرخة آتية من تلك الجبال التي خلّفنا فيها ذكرياتنا وأحلامنا والعديد من أصدقائنا وخيباتنا.
***
د. عبد الحسين شعبان







