شهادات ومذكرات
علي حسين: في ذكرى ميلاد أينشتاين.. هل جربت يوماً قراءة كتاب النسبية؟

في المختبر العلمي التابع لجامعة بريستون الاميركية يوجد في أحد الرفوف وعاء زجاجي قديم مملوء بسائل أشبه بعصير التفاح تعوم فيه قطعة مأخوذه من جسم إنسان، انها جزء من مخ إنسان أدهش البشرية، فقد كان الدكتور توماس هارفي، وهو اخصائي بالامراض المتعلقة باسباب الموت، لديه طريقه حالمة لفهم مسألة الحياة والموت، ولهذا قرر صبيحة يوم الثامن عشر من نيسان عام 1955، تقطيع دماغ رجل عجوز ليتمكن من تحليله واكتشاف الفروقات بينه وبين أدمغة البشر العاديين، وقد واصل الدكتور هارفي على مدى ثلاثة وأربعين عاماً يفحص في هذا المخ وعمل حارساً له، ينتقل به من مكان إلى آخر هرباً من فضول وسائل الإعلام، لكن بعد كل هذه السنوات لم يعثر على شيء غريب. كانت قطعة المخ التي احتفظ بها واشبعها دراسة وتحليلاً، هي مخ لرجل كان يسخر من الذين ينشغلون بتفسير قدراته العبقرية العجيبة، ويقول للجميع:" ليست لدي قدرات خارقة أبداً، إن كل مافي الأمر هو إني أكثر من الآخرين ميلاً الى الريبة والتشكيك وحب الاستطلاع ". كان صاحب المخ المسروق هو إلبرت أينشتاين الذي لو كان حياً لسخر من محاولة توماس هارفي الذي ظل يصر على أن ينسب إليه عبقرية غير عادية. ولد أينشتاين في الرابع عشر من آذار عام 1879 لأب يعمل مهندساً كهربائياً، كان يعيش حالة القلق الدائم لأن ابنه البالغ من العمر تسع سنوات بطيء الفهم، لغته لاتزال قريبة من لغة الاطفال الرضع.. وذات يوم يسأل الأب معلم ابنه عن المهنة التي يصلح لها إلبرت، فكان جواب المعلم صادما:" لن ينجح في أية مهنة ".. وتفاقمت حالته في المرحلة الثانوية التي دخلها فقد اكتشف الأساتذة إن مشكلته كانت " ذاكرته الضعيفة ولاسيما بالنسبة للكلمات والنصوص " - ميشيو كاكو.. كون أينشتاين ترجمة شهاب ياسين -، وقد أخبره مدرس اللغة إن اداءه السيئ لن يجعله يصل إلى شيء، وكان مدرسون آخرون يعتقدون أن وجوده في المدرسة لن يضيف له شيئا بسبب اختلال قدراته العقلية.
جاء أول حافز حقيقي في حياته من طالب اعتاد تناول الطعام مع أينشتاين، فقد أحضر له هذا الطالب ذات يوم سلسلة كتب علمية مصورة، يقول أينشتاين:" قرأت تلك السلسلة باهتمام بالغ ". وقد ساعد هذا الطالب أينشتاين على اكتشاف عجائب الرياضيات، وفي ذلك الوقت اكتشف الفلسفة وهوفي عمر الرابعة عشرة حين أهداه عمه كتاب إيمانويل كانط الشهير " نقد العقل المحض "، ويكتب عمه فيما بعد:" يبدو أن أعمال كانط التي لايفهمها البشر العاديون، كانت واضحة بالنسبة اليه " - أينشتاين حياته وعالمه والتر إيزاكسون ترجمة هاشم احمد محمد -. بعد سنوات نجد أينشتاين الشاب يتفرغ لدراسة أعمال كانط الفلسفية، وظل حتى وفاته يرى أن كانط الفيلسوف الوحيد القادر على التحدث الى علماء الطبيعة بشيء ذي فائدة.
في الخامسة عشرة من عمره يرسل لخاله مقالاً عن تأثير الفلسفة على العلوم، وكانت هذه أول مقالة يكتبها، وكتب على غلاف المظروف عبارة لكي يقرأها خاله:" لن انزعج إذا لم تقرأ المادة مطلقاً. "
في مذكراته التي بعنوان " قصة حياتي " يكتب شارلي شابلن عن اللقاء الاول الذي جمع بينه وبين أينشتاين: التقيت أينشتاين للمرة الاولى عام 1926، حين ذهبت الى كاليفورنيا لالقاء محاضرات. خابرني صديق ان البروفيسور أينشتاين يود التعرف أليّ " ويمضي شابلن في رواية اللقاء الاول الذي تم في استديوهات الأونيفرسال – قصة حياتي ترجمة كميل داغر -.
بعدها سيقيم شابلن وليمة عشاء في بيته اقتصرت على زوجته وأينشتاين وزوجته ليتمكنوا " من الثرثرة بهدوء "، وهلى العشاء ستروي زوجة اينشتاين كيف امضلاى زوجها الوقا في اكتشاف النظرية التسبية:"
في ذلك اليوم تحديداً وبينما كان يجلس بصحبة السيدة آينشتاين روت له كيف مضى الصباح الذي تصوَر فيه اينشتاين نظرية النسبية حيث قالت: كان البروفيسور قد نزل كتاهتدة برداء المنزل لتناول الفطور، لكنه لم يأكل عمليا أي شيء.. إعتقدت الزوجة جينها حينها أن ثمة أمراً يشغله. فسألته عن حاله:" فقال لي: عزيزتي، لدي فكرة رائعة. وبعد أن فرغ من شرب قهوته، توجه الى البيانو وراح يعزف. وكان يتوقف بين الحين والآخر، فيخربش بعض الملاحظات. ثم يردد: لدي فكرة رائعة. فقلت له:" إذت بحق السماء قل لي ما هي، لا تتركني معلقة في الفضاء. اجابني: هذا صعب، يجب أن اركزها اولاً.
يقول شارلي شابلن ان زوجة اينشتاين قالت:" ظل يعزف على البيانو ويكتب ملاحظات يعزف الألحان ويسجل الملاحظات لمدة لاتقل عن نصف ساعة". ثم صعد الى مكتبه بعد أن قال لها إنخ لا يريد أن يزعجه أحد، بقي في غرفته لمدة أسبوعين كاملين.:" كل يوم كنت احمل اليه طعامه، وفي المساء كان يخرج للسير قليلا من أجل تمرين جسمه ثم يستأنف العمل "
أخيرا خرج من مكتبه:" وقد على وجهه بعض الشحوب وبضجر وضع أمامي على الطاولة ورقتين وقال: هذه هي، وكانت تلك نظرية النسبيه الخاصة به – قصة حياتي شارلي شابلن ترجمل كميل داغر -
يكتب أينشتاين في دفتر يومياته:" عندما لايكون لدي مشكلة خاصة أشغل بها عقلي، أحب أن أقرأ الروايات التي تصوغ براهين حياتية، وهذا لايهدف الى شيء، بل هو فرصة فقط للاستغراق في التفكير الممتع، ومعرفة أسرار النفس البشرية ". في مقالة نشرتها الروائية والمترجمة لطفية الدليمي استعرضت فيها كتاب " آينشتاين للقرن الحادي والعشرين: ميراث آينشتاين في العلم والفن والثقافة الحديثة" وهو كتاب لم يترجم للعربية، يكتب محررو الكتاب بيتر غاليسون وجيرالد هولتون وسيلفان شويبر أن مكتبة آينشتاين ضمت الكثير من الكتب التي تعد كتباً من كلاسيكيات العلم والثقافة والفلسفة، وسنكتشف ان هناك عدد من الكتب مفضلة لدى اينشتاين ابرزها:"
1- تحليل الأحاسيس" لإرنست ماخ
أقرّ أينشتاين بأنّ تطويره لنظرية النسبية كان متأثرًا بأعمال إرنست ماخ، الفيلسوف والفيزيائي النمساوي الذي عاش في القرن التاسع عشر. وقد تضمّن عمل ماخ نقدًا لنظريات نيوتن في الزمان والمكان، وكان مصدر إلهام آخر لأفكار أينشتاين.
2- دون كيخوته " لميغيل دي سرفانتس. كتب احد معاونيه عن مدى حب أينشتاين لحكاية ثيربانتس الكلاسيكية عن الفارس دون كيخوته، إنه الكتاب الذي يستمتع به أكثر من غيره، ويحب قراءته للاسترخاء.
3- الأخلاق" لباروخ سبينوزا
كان باروخ سبينوزا قد مهد في كتاباته لعصر التنوير وقد كان اينشتاين يردد:" "أنا أؤمن بإله سبينوزا، الذي يكشف عن نفسه في انسجام ".
4- رسالة في الطبيعة البشرية" لديفيد هيوم، باعتراف اينشتاين، كان لهذا الكتاب، الذي ألفه فيلسوف انكليزي من القرن الثامن عشر، والذي سعى لفهم العلاقة بين العلم والطبيعة البشرية، تأثير كبير على افكار أينشتاين. وقد جذب إنجاز هيوم في صياغة فلسفة علمية أخلاقية انتباه اينشتاين، كما جذبت دعوة الكتاب للانتقال من التكهنات الميتافيزيقية إلى الحقائق التي يمكن ملاحظتها.
5- أعمال غوته
في مكتبة اينشتاين قسم خاص باعمال غوته الكاملة التي في طبعة من 50 مجلدا،، كما احتفظ أينشتاين بتمثال نصفي لغوته، وفي رسالة عام ١٩٣٢ الى احد الاصدقاء وصف أينشتاين غوته بأنه "شاعرٌ لا يُضاهى، وواحدٌ من أذكى وأحكم الرجال على مر العصور".
6- الاخوة كارامازوف لدستويفسكي، في احدى رسائله يكتب أينشتاين:" "لقد تميّز العباقرة على مرّ العصور بهذا النوع من الشعور الديني، الذي لا يعرف أي عقيدة ولا إلها مُصوّرا على صورة الإنسان... وأنا أيضا ملحدٌ متدينٌ بعمق، وهذا نوعٌ جديد نوعا ما من الدين".
عندما قررت أن اخوض تجربة قراءة كتاب النسبية بالبرت اينشتاين كنت آنذاك في العشرين من عمري، وقد فشلت التجربة فعثرت بالمصادفة على كتاب بعنوان " اينشتاين والنسبية " للكاتب المصري مصطفى محمود وهو كتاب بسيط وممتع، يَعرف كاتبه كيف يجذب القارئ. بعد سنوات قرأت كتب كثيرة عن أينشتاين والنظرية النسبية، لعل اشهرها كتاب برتراند رسل الف باء النسبية وكتاب أينشتاين كما عرفت لجون بروكمان، وأينشتاين والنظرية النسبية لمحمد عبد الرحمن مرحبا، والسيرة الممتعة التي كتبها والتر إيزاكسون لصاحب النظرية النسبية، وكتاب ميشيو كاكو " كون اينشتاين " وكتب اخرى كثيرة، واعدت قراءة كتاب مصطفى محمود ثانية فاكتشفت انه حاول ان يمزج افكار أينشتاين ببعض الشطحات المثالية والغيبية ، ووجدت انه يشكك في النظرية النسبية حيث يؤكد ان النظرية نفسها نسبية. إلا ان الموضوع الذي اثار اهتمامي حتى هذه اللحظة هو موضوعة الزمان التي تعد اليوم من اكبر الموضوعات التي تقلق الروائيين والشعراء، وكنت اقرأ في كتاب " النسبية وطبيعة الزمكان " لفيسيلين بتكوف فاثارت اهتمامي عبارة كتبها أينشتاين يقول فيها:" ان صعوبات الحاضر في علومه تجبر الفيزيائي على معالجة موضوعات فلسفية اكبر درجة عما كان الوضع عليه مع الاجيال الاسبق من ذلك ". ولهذا نجد أينشتاين يؤكد على ان الفلسفة تحولت إلى علماً منهجياً يمكن ان نبحث به معظم المشكلات.. ومن مراجعتنا لحياة اينشتاين نكتشف اهتمامه بمختلف فلاسفة القرن التاسع عشر، وكان للفيلسوف الانكليزي الشهير " ف.ب.برادلي " التاثير الكبير عليه، وخصوصا كتابه الشهير " المظهر والواقع "، وهو الكتاب نفسه الذي شغف به الشاعر الانكليزي " ت.س.اليوت " فقرر ان يدرس فلسفة برادلي ويقدم رسالة الدكتوراه عن هذا الفيلسوف ونظريته عن الزمن، وهي النظرية التي انعكست فيما بعد على قصيدته الشهيرة " الارض الخراب، في هذه القصيدة نجد انشغال اليوت بموضوع نسبية الزمن والمكان والشخصيات التي نجدها في حالة تغير دائم.الماضي يتغلغل في الحاضر، والاشخاص في الوقت نفسه يراوحون بين الماضي البعيد والحاضر والمستقبل، والموتى يولدون من جديد،..وقصيدة " الارض الخراب " تربط صورة الحياة في اوربا في العشرينيات من القرن الماضي بالعصور الوسطى. ورغم ان معظم النقاد يؤكدون تاثير الفلسفة المثالية على اليوت، إلا ان الشاعر نفسه يعترف بتاثير نظرية أينشتاين عليه، ويتذكر كيف انه حضر ذات يوم محاضرة لصاحب النظرية النسبية وتحاور معه حول الطبيعة النسبية للزمن والتبدلات التي تحدث في المكان وعلى الناس، وهو الأمر الذي اكد عليه اليوت في " الارض الخراب " حيث نجد انفسنا امام اناس متعددون في ازمنة مختلفة واماكن مختلفة.. في نفس الوقت يستخدم اليوت نسبية الزمن كاساس يوضح من خلاله المصير المشترك للناس الذين يعيشون مختلف الحقب، ويتواجدون في مختلف البلدان، ويمحو عن قصد الحدود بين الأمس واليوم، واليوم والغد.
والآن وانا اختتم هذا الموضوع دعني اطرح سؤال: هل جربت يوماً قراءة كتاب النسبية لإينشتاين؟
***
علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية