عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أوركسترا

عدنان حسين: «ندم».. قمع الهوية الجندرية وانتصار الحلم السينمائي

يتجاوز الفيلم الروائي الطويل «ندم» للمخرج ريگا البرزنجي حدود الدراما العائلية التقليدية، ليمتزج بعناصر المغامرة والإثارة والتشويق، محافظًا على إيقاعه الدرامي رغم امتداد زمنه إلى ساعتين وإحدى عشرة دقيقة. وقد نجح المخرج في سحب المتلقي إلى النهاية المنتظرة التي لا تنتصر فيها الشخصية الرئيسة وحدها، بل تنتصر فيها قوة الحلم على القيود الاجتماعية التي وقفت في طريقه لمدة طويلة من الزمن.

يقدم «ندم» حكاية إنسانية تتجاوز حدود الفرد لتلامس قضايا اجتماعية حساسة، في مقدمتها التميّيز بين الذكور والإناث في المجتمع العراقي، ونظرته إلى دور المرأة، والكيفية التي تُفرض بها بعض القيم والأعراف على خيارات الإنسان وحريته. ومن هنا يتحول الفيلم إلى صرخة ضد التهميش والإقصاء، وإلى محاولة لإعادة بناء الوعي بالهوية والذات، وهو عمق فكري يُحسب لكاتب السيناريو ومخرج الفيلم.3081 nadam

يقوم البناء الدرامي للفيلم على ثيمة رئيسة تتفرع عنها مجموعة من الثيمات المرتبطة بالموهبة، والشغف السينمائي، والرغبة في تحقيق الذات بعيدًا عن هيمنة الأسرة وسلطة العادات والتقاليد الاجتماعية التي لم تعد قادرة على استيعاب تطلعات الأجيال الجديدة. فالحلم في «ندم» لا يمثل مجرد رغبة شخصية، بل يصبح وسيلة لمقاومة القوالب الجاهزة واستعادة الحق في اختيار الطريق الخاص.

يتناول الفيلم قصة نور، الذي ينتمي إلى عائلة تعمل في مجال الخياطة، لكنه لا يجد نفسه في هذه المهنة، إذ يتطلع إلى أن يصبح مخرجًا سينمائيًا. ومن خلال إنتاجه فيلمًا قصيرًا، يخوض رحلة شاقة تنتهي بتحقيق حلمه عبر المشاركة في مهرجان روانگا السينمائي. وتدور أحداث الفيلم ضمن ثلاث حقب زمنية تمثل ثلاثة أجيال مختلفة في رؤيتها للعالم، حيث يصطدم الجيل الجديد بمنظومة قيم موروثة تحاول فرض تصوراتها عليه.

وعلى الرغم من حضور الجيلين السابقين وتأثيرهما في تشكيل وعي الشخصيات، فإن جيل الأحفاد هو الذي يحقق الانتصار النهائي، إذ ينجح في تصحيح جانب من منظومة اجتماعية قائمة على التوجس من التنوع والاختلاف. ويبرز هذا الصراع بصورة خاصة في شخصيتي نزار (بكر خالد) وفكرت (ليث حيدر)، في مقابل شخصيات أكثر انفتاحًا مثل مهند (مهند ستار) التي تنسجم مع متغيرات العصر وتؤمن بأهمية دعم الأحلام.3078 nadam

صراع الهوية في مواجهة الموروث الاجتماعي

يعالج الفيلم قضية اجتماعية شديدة الحساسية تتمثل في ارتباط قيمة الرجل، وفق بعض التصورات التقليدية، بإنجاب الذكور. ولذلك يلجأ نزار إلى إخفاء حقيقة ابنته نور، ويقدمها للمجتمع بوصفها ولدًا خوفًا من وصمة العجز الاجتماعي التي تلاحق من لا ينجب الذكور. ومنذ تلك اللحظة تُفرض على نور هوية اجتماعية لا تنتمي إليها؛ فتُعامل كصبي في مظهرها وسلوكها وطريقة تعاطي الآخرين معها.

غير أن هذا التحول القسري يخلق صراعًا داخليًا عميقًا لدى نور، فهي تعيش بين ذاتها الحقيقية والدور الاجتماعي المفروض عليها. وتكشف بعض التفاصيل الصغيرة، مثل اهتمامها بإضفاء ملامح أنثوية على لعبتها، عن حضور هويتها الحقيقية رغم محاولات طمسها. وهنا ينجح الفيلم في تصوير أثر السلطة الأسرية والاجتماعية في تشكيل حياة الفرد وإخفاء هويته الحقيقية.

وعلى الرغم من أهمية الثيمات الرئيسة والفرعية، فإن الشخصيات تبقى المحرك الأساسي للأحداث الدرامية. وتأتي في مقدمتها شخصيات الجدة منى (إنعام الربيعي)، ونزار (بكر خالد)، ونور (سارة آوس)، إلى جانب الأم ندى (براء الزبيدي) وابنتها فرح (آڤرين محمد). كما تحضر عائلة مهند بوصفها نموذجًا أكثر انفتاحًا، بينما يمثل (فكرت) الشخصية المضادة التي تكشف عن استمرار حضور العقلية المتمسكة بالعادات القديمة. أما شخصية الدكتور جبار جودي فتؤدي وظيفة مهمة عبر تقنية «الفيلم داخل الفيلم»، إذ تصبح مصدر إلهام لنور وتفتح أمامه طريق الحلم السينمائي.

يبدأ الفيلم بولادة نور بوصفها أنثى، لكنها تتحول بفعل خوف الأب من أحكام المجتمع إلى ولد في نظر الآخرين. وتنتهي الرحلة بحصولها على جائزة أفضل مخرجة، حيث يدرك الأب خطأه، ويصل إلى لحظة الاعتراف والاعتذار قبل فوات الأوان. وهكذا يتحول الندم من مجرد شعور بالألم إلى لحظة وعي واستعادة للعلاقة الإنسانية بين الأب وابنته.3077 nadam

نور.. هوية مفروضة وحلم لا يُقهر

ينتمي نزار إلى الطبقة العاملة؛ فهو خياط ماهر يمتلك حسًا فنيًا واضحًا، لكن شخصيته تكشف أيضًا عن تناقض عميق بين موهبته الخاصة وخضوعه للمعايير الاجتماعية التي تحدد له شكل الحياة المقبول. وعلى الرغم من أن الفيلم لا يتوسع كثيرًا في خلفيته الشخصية، فإنه يلمح إلى انتقاله من سلطة الأوامر العسكرية إلى سلطة الأسرة والمجتمع، ليصبح بدوره أسيرًا لتصورات موروثة.

وتظل (نور) الشخصية الأكثر إشكالية في الفيلم، لأنها تعيش صراعًا بين حقيقتها والدور الذي فُرض عليها. أما الجدة منى، التي تمثل الجيل الأول، فقد شاركت في البداية في تكريس هذا الواقع حين تعاملت معها كولد، لكنها سرعان ما تنحاز إلى حفيدتها عندما تدرك حجم الظلم الذي تعرضت له. وكذلك تقف الأم ندى إلى جانب ابنتها في محاولة لاستعادة حقها في أن تعيش على وفق هويتها الحقيقية.3080 nadam

الأب والابنة.. من القمع إلى الاعتراف

يشكّل الصراع بين نور ووالده نزار العمود الفقري للبناء الدرامي في فيلم «ندم»، إذ تتفرع منه معظم الأحداث والمواقف والرؤى الإنسانية التي تمتد آثارها إلى بقية الشخصيات. فبعد محاولات عديدة لدفع نور نحو مهنة الخياطة، يحسم اختياره بعد لقائه بالمخرج سامر البرزنجي الذي كان يصوّر فيلمًا وثائقيًا في سوق المدينة. يفتح هذا اللقاء أمامه عالم السينما بما يحمله من أدوات وتقنيات ومهن، فيكتشف الطريق الذي ينسجم مع شغفه الحقيقي.

ينقل نور تجربته إلى صديقه فارس، الذي يصبح شريكًا له في مشروعه السينمائي ومساعدًا له في تحقيق حلمه. غير أن هذا الحلم يصطدم برفض الأب نزار الذي يرى في الفن خروجًا عن المألوف وإحراجًا اجتماعيًا له ولعائلته، إذ يفضّل أن يسير ابنه في طريق الخياطة التي ورثها عنه. وهنا يكشف الفيلم عن التناقض بين جيل يتمسك بصورة تقليدية للحياة، وجيل جديد يرى في الفن وسيلة للتعبير عن الذات وتحقيق الوجود.

يتصاعد الصراع عندما يصف الأب حلم ابنه بالطفولي، رغم إصرار نور على أنه اختار طريقه بعد دراسة وجهد ومعرفة ذاتية. ومع ذلك لا يتراجع عن حلمه، فيتعاون مع فارس لتوفير مستلزمات التصوير، ويخوضان مغامرة السفر إلى بغداد من أجل إنجاز فيلمهما. وتتحول هذه الرحلة إلى اختبار حقيقي لقدرة الحلم على مقاومة العقبات، لتنتهي بإنتاج فيلم «الأم» بمساعدة عدد من الشخصيات التي تؤمن بموهبتهما.

تبلغ الأزمة ذروتها عندما ينكشف السر الذي أخفاه نزار سبعة عشر عامًا. ففي لحظة انفعال أمام الناس، يعترف بأن نور ابنته وليست ابنه، مُعلنًا نهاية القناع الاجتماعي الذي فُرض عليها منذ ولادتها. ومن هذه اللحظة الدرامية الفاصلة تتحرر شخصية نور من الانقسام بين الهوية الحقيقية والدور المفروض، فتستعيد حقها في أن تُرى كما هي.

وكان هذا الكشف صادمًا بصورة خاصة لفارس، صديق طفولتها ورفيق حلمها السينمائي، لأنه أدرك أن العلاقة التي قامت على الصداقة والثقة قد بُنيت طويلًا على حقيقة مخفية. وهنا يضيف الفيلم بعدًا آخر إلى قضية الهوية، يتمثل في أثر الإخفاء والكتمان ليس على الفرد وحده، بل على المحيطين به أيضًا.

ولا تعاني نور وحدها من هذا الصراع؛ فالأب نزار يعيش بدوره حالة انقسام بين حبِّه العميق لابنته وخضوعه لضغط المجتمع. فهو يدرك منذ وقت مبكر أن ميولها لا تنسجم مع الصورة التي رسمها لها، كما يظهر في موقفه من لعبة «سبايدرمان» التي أضافت إليها نور ملامح أنثوية. ومع تطور الأحداث يبدأ نزار في مراجعة أفكاره، فيعترف بخطئه، ويسعى إلى تعويض ابنته عن السنوات التي قضاها وهو يفرض عليها هوية لم تخترها.3079 nadam

الندم بوصفه لحظة وعي ومصالحة

تكتمل رحلة المصالحة بحضور نزار الحفل الختامي لمهرجان روانگا السينمائي، حيث يتحول الأب الرافض للحلم إلى أب يحتفي بإنجاز ابنته. وعندما تُمنح نور جائزة أفضل مخرجة عن فيلمها «الأم»، لا يكون الانتصار انتصارًا سينمائيًا فقط، بل انتصارًا لقيمة الاعتراف بالذات وحق الإنسان في اختيار طريقه.

ويأتي خطاب نزار في نهاية الفيلم ليختصر فكرته الأساسية؛ فالندم الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الخطأ فحسب، بل في القدرة على إصلاحه قبل فوات الأوان. وهكذا يصبح عنوان الفيلم دالًا على رحلة داخلية يخوضها الأب بقدر ما تخوضها الابنة، إذ ينتقل من الخضوع لأحكام المجتمع إلى الاعتراف بالحقيقة ودعم الحلم.

ومن بين الثيمات الفرعية المهمة في الفيلم تأتي قضية الحرية الشخصية والصداقة والعلاقة بين الآباء والأبناء. فحين يواجه نور والده مؤكدًا أنه ليس مجرد امتداد لرغباته، بل هو إنسان له اختياراته وأحلامه، يضع الفيلم سؤالًا جوهريًا حول حدود سلطة الأسرة. كما تتجلى قيمة الصداقة في موقف فارس ومهند، إذ يصرّ الأخير على رفض أسلوب القسوة الذي يمارسه نزار، مؤكدًا أن المحبة الحقيقية لا تنفصل عن احترام حرية الآخر.

تقطع أم نور مسافة طويلة من بلدتها إلى بغداد حيث يُصوَّر الفيلم، لتواجه ابنها وتسأله سؤالًا يكشف عمق الألم الذي سببه إخفاؤه الحقيقة عنها: «آني أمّك، والأم هي صندوق أسرار لأولادها؛ بس گلي شلون گدرت تضمّ عليّ كل هذه الشغلات؟». وفي سياق آخر، يمنح الحلاق يوسف المشهد بعدًا تأمليًا حين يخاطب جدة نور بقوله إنّ الحياة لا تدوم لأحد، وإنّ الإنسان عابر فيها حتى يصل إلى مستقره الأبدي.3076 nada

ثلاثة أجيال في مرآة واحدة

ولا تكتمل هذه القراءة النقدية من دون التوقف عند أداء الممثلين الذين ينتمون إلى أجيال فنية متعددة. فقد نجح ممثلو الجيل الأول، ومن بينهم فوزية حسن وإنعام الربيعي والدكتور جبار جودي، في تقديم شخصياتهم بعمق وحضور لافت. وعلى الرغم من محدودية مساحة دور فوزية حسن، فإنها استطاعت أن تترك أثرًا واضحًا بفضل حضورها القوي وخبرتها الفنية. أما إنعام الربيعي فقد منحت شخصية الجدة منى صدقًا إنسانيًا وإقناعًا كبيرًا، بينما قدّم جبار جودي شخصية المخرج السينمائي الهادئ الذي يتحول إلى داعم للمواهب الشابة، ولا سيما نور وفارس، مؤديًا دورًا أبويًا في رعاية الحلم السينمائي وتشجيعه.

أما الجيل الثاني من الممثلين، فقد برز فيه بكر خالد ومهند ستار وبراء الزبيدي وساندي جمال وليث حيدر، إلى جانب عدد آخر من الفنانين الذين أسهموا في بناء العالم الدرامي للفيلم. وقد كان أداء بكر خالد الأكثر حضورًا، إذ نجح في تجسيد التحولات النفسية لشخصية نزار، وحصل بجدارة على جائزة أفضل ممثل. كما تميز أداء مهند ستار وبراء الزبيدي وساندي جمال بالانسجام والقدرة على التعبير عن الصراعات العائلية والاجتماعية.

وفي الجيل الثالث من الممثلين تألقت سارة آوس في أداء شخصية نور، إذ نجحت في نقل الصراع الداخلي لشخصية تعيش بين هوية مفروضة وحلم يسعى إلى التحرر. كما برع تيام يحيى في أدائه التعبيري، وأظهرت الطفلة رُقية صلاح عفوية لافتة في تجسيد مرحلة الطفولة من شخصية نور، وكذلك محمد شوقي في دور فارس.

وعلى المستوى التقني، أفاد الفيلم من تقنيات تصوير متقدمة، إلى جانب معالجة صوتية متطورة من بينها كاميرا Arri Alexa 35 وعدسات Arri Master Anamorphic، وهي تقنيات أسهمت في منحه مظهرًا بصريًا يقترب من المعايير العالمية. كما كان لمدير التصوير البوسني ميرساد هيروفيتش دور مهم في صياغة الهوية البصرية للفيلم والارتقاء بجمالياته السينمائية.

وفي الختام، يُحسب للمخرج الكوردي ريگا البرزنجي تقديم فيلم عراقي ناطق بالعربية، في خطوة تفتح مساحة أوسع للتواصل مع الجمهور العراقي والعربي. كما أن ترجمة الأفلام الكوردية إلى العربية يمكن أن تسهم في تجاوز الحواجز اللغوية وإتاحة الفرصة للتعرف إلى تجارب سينمائية كوردية حصدت حضورًا مهمًا في المهرجانات الدولية.

***

بغداد: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم