أوركسترا

عدنان حسين: نصيرات.. الأنثى الشيوعية المزنّرة بأشرطة الرصاص

ثمة أفلام وثائقية تلامس شغاف القلب، وتحرِّك المشاعر الإنسانية العميقة المُرهفة، ولا تغادر ذاكرة المتلقين بسهولة. وفيلم (نصيرات) للمخرج علي رفيق من هذا النوع يمكث طويلًا ليس لأنه يرصد فقط دور النساء المقاتلات في الحركة الأنصارية للشيوعيين العراقيين التي انطلقت عام 1979 ووضعت أوزارها سنة 1990، وإنما لأنه فيلم نوعي جريء يبوح بكل شيء دفعة واحدة ويعترف بما له وما عليه.

ولعل أهمّ ما في ثيمة هذا الفيلم الوثائقي المُطعّم بنبرة درامية واضحة هو (تسليط الضوء على تجربة الحركة الأنصارية بسياقاتها الإنسانية والاجتماعية والسياسية). فمن غير المألوف في المجتمعات المُحافظة كالمجتمع العراقي بمختلف مكوّناته القومية والدينية والمذهبية أن تنخرط النساء في القتال ويعشن حياة الجنود بكل حذافيرها من تدريب، ورصدٍ، وحراسةٍ، ومشاركة في الحروب والعمليات القتالية. ولا بدّ من الاعتراف قبل كل شيء بأنّ المقاتلات الكورديات (الپيشمرگه) في سوريا والعراق وتركيا وإيران قد أحرزنَ قصب السبق في هذا العمل النضالي وأخذنَ دورًا موازيًا للرجل تمامًا، بل أن البعض منهم قد تفوقنَ على الرجال في التضحية والجرأة والإقدام كما هو الحال مع المقاتلة الكوردية "بِريتان")غولناز كاراتاش(التي ألقت بنفسها من قمة جبل خاركوك، شاهقة الارتفاع، لكي لا تستسلم وتقع أسيرة بيد مجموعة من الپيشمرگة الكوردية المتعاونة مع الجيش التركي آنذاك. أمّا مكان فيلم (نصيرات) فهو يتوزع بين شمال العراق وعدد من البلدان الأوروبية وخاصة السويد والدنمارك وهولندا وألمانيا والمملكة المتحدة التي احتضنت القسم الأكبر من أعضاء الحركة الأنصارية للشيوعيين العراقيين ومنحتهم حق اللجوء السياسي أو الإنساني بوصفهم مقاتلين من أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم.2436 naserat

المشكلة في فيلم (نصيرات) أو حتى في الفيلم الأول المعنون (سنوات الجمر والرماد) اللذَين يوثقان للحركة الأنصارية هي أن عدد المتحدثين كبير جدًا لدرجة أنّ المُشاهد المحترف يجد صعوبة في التعرّف على أسماء المتحدثين أو حفظ أشكالهم ومظاهرهم الخارجية خصوصًا حينما يصل عدد (الرؤوس التكلمة) إلى 80 رأسًا متكلمًا في الفيلم الأول و35 متحدثة في الفيلم الثاني الذي تروي فيه النساء قصصهن، ويبحن فيه بأسرارهنَّ الداخلية التي تنطوي على أفراحهنَّ وأتراحهنَّ أو بعض مواقفهنَّ الطريفة الساخرة التي تنتهك الأعراف المسكوت عنها قبل ثلاثة عقود من هذا التاريخ.

ومع أنَّ فيلم (نصيرات) يتمحور على النساء الشيوعيات في الحركة الأنصارية إلّا أن سردية الفيلم تتضمن 13 متحدثًا أو أكثر من الرجال بينهم قادة في الحزب الشيوعي العراقي أمثال عبدالرزاق الصافي، وكريم أحمد داوود، وقصاصين مثل محمد علي الربيعي وما سواهم من الرفاق الشيوعيين الذين نتعرّف عليهم على مدار الفيلم الذي بلغت مدته (73) دقيقة.

غياب الوثائق

لعل غياب الوثائق في هذا الفيلم هو الذي دفع المخرج للاعتماد على تقنية الاستذكار والبوح وحتى (الاعتراف) ببعض المواقف العاطفية والفكرية الجريئة. فبعض النصيرات لا يترددن في الاعتراف بـ (الندم) على ما فعلْنهُ تجاه الجنود البسطاء الذين لا ذنب لهم في التواجد بهذه الربيئة العسكرية أو تلك لكنهم كانوا هدفًا لرصاص الأنصار وأسلحتهم الخفيفة التي تقتنص الجنود العراقيين المُساقين إلى جبهات القتال رغمًا عنهم أو تلبية لما يُسمّى بخدمة العَلَم.

يحتشد الفيلم بثيمات كثيرة لا تتسع لها مدة الفيلم التي زادت على الساعة بثلاث عشرة دقيقة وكان بإمكان المخرج أن يفرد للشهيدات السبع فيلمًا خاصًا بهن، فهو موضوع مكتمل الأركان وثيمة جاهزة لا تحتاج إلى بناء وتصعيد درامي لأنها تنطوي عليهما ضمن كل قصة على انفراد.

تنتمي الشهيدات السبع إلى خلفيات ثقافية واجتماعية مُتقاربة فثلاث منهم مُعلِّمات والرابعة خرّيجة قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة، والخامسة طالبة، والسادسة مهندسة زراعية، والسابعة ربة بيت وناشطة سياسية. وفيهن العربية والكوردية، والمسلمة والمندائية، الأمر الذي يكشف أننا أمام لوحة رائعة من فسيفساء الشعب العراقي متعدد الأعراق والأديان والمذاهب، فلا اللغة أو العِرق أو الدين أو المذهب يمكن أن يفرِّق بين أبناء البلد الذي توحده العقيدة الرافدينية منذ الأزل.

لا تختلف مصائر الشهيدات السبع وإن اختلفت طرق التنفيذ فالبعض أُعدمن شنقًا حتى الموت، والبعض الآخر رميًا بالرصاص، وهناك من أقدمت على حرق نفسها لكي لا تترك أثرًا أو دليلًا قاطعًا يُدين بقية رفاقها في العمل السياسي. ومع أنَّ هذه القصص السبع تنطوي على مواقف بطولية قد لا نغالي إذا قلنا إنّ كل قصة تستحق أن تكون مادة لفيلم وثائقي أو روائي لما تنطوي عليه من حدث جلل أو تصعيد درامي يؤهله لأن يكون فيلمًا منفردًا وقائمًا بذاته. ولو وضعنا فعل الشهادة، وهو الثيمة الأعظم في هذه القصص السبع، فإن هناك ثيمات مؤازرة يمكن أن ترفد هذه القصص بمعطيات جديدة تبرِّر ما دعونا إليه من استحقاق هذه القصص لأن تكون مادة لفيلم ناجح مكتمل الاشتراطات من حيث سرديته الأدبية التي سوف يترجمها المخرج إلى سردية بصرية تخلب الألباب. ففي قصة الشهيدة رسمية جبر الوزني (أم لينا)؛ المعلمة التي بُعثت للدراسة في معهد العلوم الاجتماعية بموسكو وقررت العودة للالتحاق بالحركة الأنصارية المسلحة في كوردستان العراق ثم عادت إلى بغداد وقُبض عليها في أحد البيوت الحزبية في بغداد الجديدة وأُعدمت كما أُعدم صاحب البيت الذي كانوا فيه. ثمة خط درامي شديد الأهمية في هذه القصة يتعلق بابنة الشهيدة (لينا) التي لم ترَها الأم منذ 12 سنة وعندما عادت الأم إلى منزلها بعد هذه السنوات الطوال لم تلتقِ بها وجهًا لوجه لأنّ حزب البعث كان يشجّع الأطفال على التنصت على ذويهم وإيصال كل المعلومات المتوفرة لديهم لكي يرفعوها بدورهم إلى الأجهزة الأمنية التي كانت تبطش بالمواطنين في وضح النهار. ولهذا السبب تذرعت (رسمية) بأنها صديقة (أم لينا) وليست الأم الحقيقية لها في اللقاء اليتيم الذي رتبتهُ إحدى النصيرات لها لكي تشبع بصَرها من فلذة كبدها الوحيدة!2431 naserat

نكهة الفرات الأوسط

تُكنى الشهيدة الثانية رضية ياس خضيّر عباس السعداوي بـ (أم حسين) وهي مثل سابقتها من مدينة كربلاء. وقد تخرجت في قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة البصرة والتحقت بمعسكرات الأنصار في كوردستان العراق لكنها عادت إلى الداخل غير مرة كان آخرها عام 1983 حيث تمّ اعتقالها وتغييبها إلى أن تمّ التأكد من استشهادها بعد سقوط النظام الدكتاتوري الغاشم. من يُدقق في صحف ومجلات الحزب الشيوعي العراقي سيكتشف الكثير من الأخبار والريپورتاجات والمقالات عن الشهيدة (رضية) فهي امرأة شجاعة ولا تخشى في قول الحق لومة لائم، وثمة رفاق كثر كانوا معها في جامعة البصرة يمكن أن يؤكدوا هذا الجانب المعروف من شخصيتها الفذة، وأكثر من ذلك فهي تمتلك صوتًا جميلًا جدًا يحمل نكهة الفرات الأوسط.

لم تكن الطالبة والناشطة فاتن (جميلة محمد شلال) لوحدها في السجن وإنما كانت معها شقيقتها وصال في الزنزانة نفسها. كما أنها أنجبت ابنتها الوحيدة (زينب) وهي في داخل السجن. وكانت تطلب من أمها أن ترّبيها بنفسها ولا تعطيها إلى أي شخص آخر إذا ما قُدر للأم أن تخرج من السجن ذات يوم. وصدر القرار الجائر بشنق الشقيقتين حتى الموت. وبشهادة الرفيقة جنان (حنان حدّاد) أنّ جميلة كانت شجاعة بمعنى الكلمة وقبل إعدامها بلحظات كانت تهتف بصوت عالٍ: (عاش الحزب الشيوعي العراقي) و(يحيا العراق) و(الموت للمجرمين الطغاة).

يمكن اختصار قصة الشهيدة بشرى صالح (أم ذكرى) وهي من مواليد 1952 السماوة وخريجة معهد المعلمات بأنها ضحّت بحياتها لكي لا تترك أسماء رفاقها ووثائقهم كأدلة دامغة تفضي بهم إلى الإعدام أو السجن المؤبد في أضعف الأحوال. فقد أحرقت نفسها لكي يعيش الرفاق الذين آمنوا بالشيوعية والفكر الماركسي.

على الرغم من الإعاقة الجسدية لـ (أنسام) موناليزا أمين منشد وهي معلمة من مواليد 1951 الناصرية لكن القليل من الرفاق والرفيقات يعرفون بهذه الإعاقة لأنها تعمل وتتحرك برشاقة. كما أنها ودودة وحنونة وهادئة وضاحكة السن بشهادة كل الذين عرفوها. كانت مسؤولة المخابرة اللاسلكية. وقد استشهدث في أثناء العبور بالمفرزة بين باهدينان إلى سوران ووُري جسدها الطاهر هناك.

تذوب القوميات والأديان والطوائف في الحركة الأنصارية فالشهيدة أحلام (عميدة عذيبي حالوب الخميسي) من مواليد 1954، سوق الشيوخ، الناصرية هي مندائية، وخريجة كلية الزراعة، جامعة بغداد. التحقت بصفوف الأنصار عام 1982 وسرعان ما اكتسبت حب الجميع وثقتهم فنّسبوها كمُشفِّرة للبرقيات. وعلى الرغم من شجاعتها التي يعرفها الرفاق جيدًا إلّا أنَّ هجوم العناصر الموالية للنظام القمعي وفتحهم نيرانًا كثيفة على مفرزتها أفضت إلى استشهادهم. ونظرًا لحقدهم الأسود فقد شوّهوا جثث الضحايا بزخات من الرصاص مزقت أجسادهم ووجوههم ووصلت الدناءة بهم إلى أنّ أحدهم قطع اصبعها طمعًا بالخاتم الذي ترتديه.2431 naserat

الوردة الحانية

للنصيرات الكورديات حصتهنَّ أيضًا، فالشهيدة عائشة گولكه من مواليد 1931 كويسنجق بأربيل، هي ناشطة سياسية وامرأة شيوعية معروفة. تتحدث عنها في هذا الفيلم ابنتها (كلثوم محمد أمين) وهي تأتينا ببعض المعلومات المهمة عن طريق سجينة اسمها (خاتو) تم إخلاء سبيلها فنقلت لكلثوم ما رأته وسمعتهُ من أمها مباشرة حيث تعرّضت گولكه إلى مختلف أصناف التعذيب ولم تعترف على أي رفيق من الحركة الأنصارية. ونظرًا لصمودها وقدرتها الفائقة على تحمل التعذيب فقد أمر علي حسن المجيد أن تُعدم أمام بناية المحافظة لكي تكون عبرة لكل المعارضين لنظام البعث لكن مدير أمن أربيل اعترض وقال بأن هذه المرأة تمتلك سمعة طيبة وتأثيرًا كبيرًا في المحافظة وأقترحَ عليه أن يعدموها ويدفنوها بشكل سريّ قرب معمل اسفلت البلدية على طريق الموصل حيث طرزوا جسدها بالرصاص ثم واروها الثرى بعيدًا عن أعين المناضلين الذي يعتبرونها أُمًا للحزب. وكانت تحنو على جميع الأنصار من كل أطياف الشعب العراقي. وتمجِّد الأخوة العربية الكوردية على الدوام.

يبدأ فيلم (نصيرات) بداية رمزية دالة حيث نرى في المشهد الاستهلالي للفيلم طفلًا يلهو وثمة طائرة هليكوبتر تهدر في السماء يعقبها آثار قصف جوي بأسلحة كيمياوية نستدل عليها من خلال أعمدة الدخان البيضاء التي تشي باستعمال غاز الأعصاب السام أو ما سواه من الأسلحة الكيمياوية المحرّمة دوليًا. أمّا المشهد الثاني الذي يعْلق في الذاكرة هو مشهد صراخ الماعز الذي يلفت الانتباه. وبما أنَّ الناس المدينيين لا يمتلكون فكرة عن سبب هذا الصراخ فقد سأل الدكتور جبار محمد سعيد رفاقه الكورد فأجابوه بأن الماعز؛ هذه الحيوانات المدجنة التي كان يقودها راعٍ في المناطق المعشوشبة ويعتني بها على مدى ساعات النهار لكنها ما إن فقدتهُ حتى عادت إلى طبيعتها الأولى وملاذها الجبلي وشرعت بالبكاء عليه.

تتحدث غالبية شخصيات الفيلم بعفوية واسترسال واضحين ولا تشعر كمشاهد أنك تسمع كلامًا مُنمّقًا أو مُفتعلًا. فالنصيرة أم سلام (رمزية بيّا صليوه) التي طلبوا منها جهازًا لقياس الضغط لم تكتفِ بسرقته من المستشفى وإنما جلبت لهم جهازًا لتخطيط القلب قد يحتاجونه في القادم من الأيام وكأنّ ما تفعله ليس سرقة يُحاسِب عليها القانون وإنما هو واجب وطني تستدعيه الضرورة القصوى من دون الخوض في تبريرات فلسفية لهذا الخرق القانوني الذي لا تستسيغه العادات والتقاليد الاجتماعية.

تستدعي النصيرة سلام الدلال حادثة المرأة التي قفزت من (الكلك) وهي تحمل طفلًا رضيعًا عمره سبعة أشهر. وفي أثناء هذه القفزة سقط الرضيع المُقمّط من يديها في الماء. ولم تستطع أن تذرف دمعة واحدة ليس لأنها غير قادرة على البكاء، وإنما لأنها كانت قريبة من المواقع العسكرية العراقية حيث أخبرها زوجها بألّا تصرخ لأنّ حياة الناس الموجودين على (الكلك) مُعلقة ببكائها المرير وصراخها الحاد.

ومع أنَّ قصة شيخ العشيرة الكوردي عبدالحق هي قصة مؤلمة في جوهرها لأنه يعاني من سرطان البروستات إلّا أنَّ النصيرات وجدناها نافذة للسخرية والتهكّم. وقد أرسلته الطبيبة المختصة (مريم) إلى إيران لإجراء الفحوصات المطلوبة التي أكدت إصابته بالمرض المذكور لكنه لم يفضِّل إجراء العلمية في إيران لأنه يثق بالأطباء العراقيين المهرة لذلك طلب من الأطباء الأنصار أن يجروا له العملية في طبابتهم التي لا تتوفر على الأجهزة الطبية الكافية لإجراء هذا النوع من العمليات المعقدة. وعلى الرغم من خشية الأطباء على حياة الشيخ عبدالحق فقد أجروا له العملية التي تكللت بالنجاح وبعد أسبوعين تماثل للشفاء وأصبح بوله صافيًا الأمر الذي يدلل على تعافيه التام من المرض الخطير الذي كان يعاني منه.2432 naserat

مُناهضة العُنف

وعلى الرغم من أهمية ثيمات الفيلم كلها ومن دون استثناء إلّا أنَّ انعطافة مهمة تحدث في طريقة تفكير بعض النصيرات. فسندس محمد (تانيا) التي وردتها أوامر، هي وزوجها، باحتلال ربيئة عسكرية وأثارت لديها نقاشات حول موضوعات العنف والقتل والكفاح المسلّح وكانت في ذروة شبابها في ذلك الوقت حيث أخذت تتساءل عن جدوى استعمال العنف؟ وهل هو وسيلة صحيحة أم خاطئة؟ فيما ذهبت نوال الصالح (بدور) بأنَّ (الجيش العراقي هم أبناء شعبنا لكننا كُنّا مُضطرين (لقتالهم) ولم نكن نحن مُخطئين أبدًا). أمّا النصيرة الأكثر وضوحًا في بوحها واعترافها هي (أم طريق) التي قالت بالحرف الواحد بما معناه: (أنا نادمة على كل ما فعلته ولو عاد بي الزمن إلى الوراء لما كررت فعله ثانية. أنا الآن ضد العنف وأرفضه بشكل كامل، وأعتبره عملية غير إنسانية بغض النظر عن الظروف ولكنني لا أتبرأ من تاريخي الشخصي. وأنَّ الشيء الذي كسبتهُ من هذه الحركة هو الذي طوّر شخصيتي وجعلني أتعرّف على أُناس ما كان لي أن أتعرّف عليهم، وجعلني أُدرك أن ممارسة العنف هي التي تدفع بالإنسان لأن يفقد إنسانيته شيئًا فشيئًا). وهذا أول وأقوى انقلاب على جوهر الحركة الأنصارية حتى وإن جاء متأخرًا بعد ربع قرن من الزمان.

على الرغم من أنَّ (نصيرات) هو فيلم أحداث وشخصيات في آنٍ معًا وقد تعامل معهما المخرج علي رفيق بحِرَفية عالية ومثلما أتاح للنصيرة (أم طريق) أن تُعبِّر عمّا يجول في طويّتها وتنقلب على طريقة تفكيرها القديمة وتؤسس لقناعة جديدة قد تكون صادمة لأقرانها لكنها تتلاءم مع روح العصر الذي يُقاتل بأسلحة جديدة ووسائل سلمية مختلفة. أمّا أبرز الأحداث في قصة الفيلم فهي عديدة من بينها هجوم الجلاليين أو، حلفاء الأمس، في أواخر نيسان عام 1983 مع أن أنصار الحركة الشيوعية قد استضافوهم قبل ليلة واحدة وزوّدوهم بالمواد الغذائية المطلوبة. والحدث الأكثر أهمية هو قصف طائرات النظام الدكتاتوري لمقر باهدينان للأنصار في 5 حزيران 1987 بغاز الأعصاب حيث أُستشِهد نصيران وأصيب أكثر من مئة نصير بالعمى المؤقت عدا الأمراض التي استوطنت في أجهزة التنفس.

تُعتبر هذه الحادثة دراماتيكية وكبيرة جدًا وكان بالإمكان تطويرها والاشتغال عليها كفيلم وثائقي قائم بذاته تمامًا مثل حوادث الشهيدات السبع التي تصلح لأن تكون فيلمًا وثائقيًا أو دكيودراميًا منفصلًا عن هذه السردية الطويلة التي اشتملت على 35 امرأة متحدثة إضافة إلى 13 رجلًا نصيرًا باحوا بالقسم الأكبر من ذكرياتهم التي تختلط فيها الأفراح بالأحزان.2433 naserat

الإحساس بالنهاية

ثمة مشهد دراماتيكي لا يمكن نسيانه لأحد أفراد الپيشمرگة الذي كان يحمل طفلته إضافة إلى سلاحه الشخصي بينما كانت هناك ألوف مؤلفة من الأنصار والپيشمرگة ينسحبون من الجبال ليستفيدوا من العفو العام ويسلموا أسلحتهم إلى الحكومة المركزية ببغداد. وضع هذا الپيشمرگة ابنته جانبًا وبدأ يضرب بندقيته على الصخرة حتى حطّمها بالكامل ثم احتضن طفلته وانخرط في بكاء حار قد يُصنّف في خانة الانهيار أو الإحساس بالنهاية أو التشبث بالطفلة والحياة في آنٍ معًا بعد أن خسر كل شيء.

لا يمكن مشاهدة هذا الفيلم من دون الالتفات إلى اللمسات الرمزية التي نثرها المخرج القدير علي رفيق مثل شَذَرات متوهجة في بنية فيلمه الدكيودرامي الرصين الذي لا يغادر ذاكرة مَن يشاهدهُ إلّا بعد زمنٍ طويل. ولأنّ علي رفيق الذي درس الإخراج السينمائي بـ (كييف) في أوكرايينا ونهل الفن من مصادره المُحكَمة فهو يعرف جيدًا كيف يُوصِل رموزه ولغته المُشفّرة فقد ارتأى أن يختم الفيلم بمشهد الطفلة (سندس صبحي) التي لم تبلغ العاشرة من العمر لكنها دُفنت حيّة في مقبرة جماعية عام 1988 وهو العام الذي جرت فيه معركة الأنفال؛ سيئة الصمت والسمعة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء شعبنا الكوردي الكريم الذي انكسر في تلك المعركة غير المتكافئة وسوف يلتقط أنفاسه لينهض من جديد ويقارع الدكتاتورية والبطش والعدوان.

لا بدّ من الإشارة إلى أنَّ نجاح فيلم (نصيرات) يعود إلى عناصر فنية أخرى بعيدًا عن الرؤية الإخراجية المتميزة للفنان المسرحي والسينمائي علي رفيق، فلقد لعب تصوير فاروق داوود، وسمير العتابي، وعلي رفيق نفسه دورًا مهما في إنجاح هذا الفيلم الديناميكي النابض بالحياة. كما لعب قراءة التعليق الصوتي (الڤويس أوفر) بشكل احترافي جميل للإعلامية سلوى الجرّاح دورًا كبيرًا في إشعار المتلقي بأنه يتابع فيلمًا دكيودراميًا جديرًا بالمشاهدة.

بقي أن نقول بأنَّ المخرج المسرحي والسينمائي علي رفيق هو من مواليد 1946 في (أبي غريب). تخرج في معهد الفنون الجميلة - فرع التمثيل والإخراج - بغداد 1965. كما تخرّج في معهد التدريب الإذاعي والتلفزيوني - ببغداد 1970. أنهى دراسته العليا (الماجستير) في معهد الدولة للسينما / كييف / أوكرايينا / الاتحاد السوفيتي السابق / متخصصًا بالإخراج السينمائي الروائي 1981. أخرجَ بين الأعوام 1979 و2014 ستة أفلام وهي على التوالي: (كرسي المدير العام)، (الليلة الثانية بعد الألف)، (حلبجة - المدينة الشهيدة)، (ستون وجمر الكفاح يتقد)، (سنوات الجمر والرماد)، و(نصيرات) مدارَ دراستنا النقدية الراهنة.

***

لندن: عدنان حسين أحمد

في المثقف اليوم