مقدمة: بين النصّ والحوار تنشأ مساحةٌ للتأمل، وتتوالد الرؤى، وتتلاقح الأفكار لتنبلج معانٍ قد تحتجب خلف سطور القراءة الأولى. وحين نُخضع الأثر الأدبي لجلسة مكاشفة، فإننا ننتشله من سكونه، ونمنحه صوتًا متجددًا يُشرع أمام القارئ نوافذ جديدة نحو التأويل والتفاعل الخلاق.
تستضيف صحيفة المثقف الروائي والشاعر والناقد القدير الأستاذ د. قصي عسكر في باب نص وحوار، لنحاور آخر نص جاد به قلمه على صفحات "المثقف"، وهي قصة حملت عنوان "لوحة".
الأستاذ قصي عسكر له حضور مميز في صحيفة المثقف وله بصمته واسلوبه المتفرد، له بحوث مطبوعة، والعديد من الاصدارات الشعرية والروائية والقصصية والمسرحية. نشر في دوريات عربية وأجنبية، وألقى محاضرات، وكُتبت عنه دراسات أكاديمية.
فأهلًا بكل نص يفتح افقًا، وبكل حوار يسكب في الكلمة روحًا جديدة.
سعاد الراعي: اهلا بضيفنا الكريم، واهلًا بالزملاء والقراء الأعزاء في نص وحوار وبانتظار تفاعلهم المثري للحوار...
د. قصي عسكر: اهلا بك سيدتي واود ان اعبر عن شكري وامتناني لك وللمثقف وسادنها الغرباوي على كرم الضيافة، وأتمنى لباب نص وحوار النجاح والازدهار
سعاد الراعي: يرجع اختيارنا لهذه القصة من بين نصوص المدونة الغزيرة للأستاذ قصي عسكر إلى اقتدارها على مقاربة مفهوم "الميتاقص"، واستنطاق ثيمة الوجه البشري بوصفها مرآة كاشفة لعالمٍ مترع بالتناقضات بين المسرة والألم، والسرقة والابداع والخلق..
إنه أثرٌ أدبي يختزل عبثية الرحلة نحو الهوية، ويضع سؤال التشكيل الفني أمام جرأة فلسفية نادرة.
استاذ قصي..
تستهل نصك بنبضٍ شعريّ يرتد ببراعة إلى عمق السرد القصصي، فتتداخل مرايا الذات مع متاهات الوجود والزمن، متخذًا من عتبة الوجه بؤرةً للرؤيا كما تتجلى في مفتتح النص:
"اليوم فقط انتبهت... كسرت جميع المرايا، ورسمت وجهي..."
ليعلن العمل منذ خطوته الأولى قطيعة تامة مع الصورة الظاهرة، ببحث مضن في تقصي الجوهر الخفي. وقد أجدت كل الإجادة في حبك "فانتازيا الزمن" وانزياحاته المرنة بين متحف الواقع وغياهب المنام، متوسلًا بلغة أدبية جزلة وصياغات عالية الكثافة تصيّر اللوحة كائنًا ناطقًا يتنفس.
س1: سعاد الراعي: ما الذي دفعك لتجليس الشعر على حافة السرد حين افتتحت نصك بمقدمة شعريّة مكثفة تناجي المرايا والوجوه؟
ولماذا اخترت أن تبدأ نزيف القصة بتهشيم المرآة قبل أن تقود بطلَك إلى متاهات المتحف؟ كما جاء في النص:
"حين أريد أن أرى وجهي أذهب إلى المرآة أستعيره منها... كسرْتُ جميع المرايا ورسمت وجهي كي أراه كلما اشتقت إليه..".
ج1: د. قصي عسكر: السؤال يبدو من شقين: تداخل الشعر بالسرد وقضية المرآة في الأدب سواء الشعر أم السرد.
قضية تداخل الشعر بالسرد واردة مثلما يتداخل النثر بالشعر ويسمى خزامة أو التخزيم وهو التخزيم بالحرف والكلمة كما في البحر الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل قفا نبك... نقول وقفا... والتخزيم بالكلمة: حيازيمك للموت فإنّ الموت لاقيكا وهو بيت منسوب للإمام علي وقد قال أشدد حيازيمك، حيث أظنه أول من نطق بقصيدة النثر على وفق هذا التعبير بإضافة كلمة إلى البيت. على أية حال دخول النفس الشعري إلى السرد يجب أن يكون بحدود، وإلا لو زاد لحوّل القصة والرواية إلى ضَعْف.
أحيانا أكتب قصيدة نثر فأجد في النهاية أنني إذا أضفت إليها بعض الحروف تصبح قصيدة تفعيلة. والمهم في هذه القصة إنني كتبت الجزء الأول منها قصيدة نثر ثم نشرتها في إحدى الصحف العربية. بعدها فجأة قفزت إلى ذهني وأنا أطالعها إن البطل رسم نفسه فلم يجد العالم متجسدا في وجهه. كان يفكر بسرقة المتحف والآن بدأ يفكر بزيارته لعله يجد لوحة تمثل العالم كله، فوجد لوحة متفرقة جمعها فكانت العالم. الفكرة تقوم على جمع الكل بالمفرد.
أعتقد ان للمرآة مدلولا في الادب العربي ذا مسارين الاول مسار جمالي والثاني اتجاه فكري فلسفي عميق يتداخل في بناء الصورة الشعرية. المسار الاول كما في شعر أمرئ القيس (ترائبها مصقولة كالسجنجل). اما المدلول الثاني فهو استخدام الشاعر او السارد للمرآة كونها رمزا ذا ايحاء لا يمكن فصله عن عملية السرد..
في رواية (كورونا) تبدأ تقريبا جميع فصولها بالمرآة. البطل حين يستفيق يوميا يرى نفسه في المرآة ويستمع الى المذياع. يا ترى من يخبره عن شكله غيرها. طبعا هناك بديل للمرآة هو الماء الساكن لكن لا يمنحنا دقة المرآة، اذن نحن نفهم أنفسنا من خلالها فهل هي تعطينا الحقيقة عنا، وهي ليست المرة الأولى التي أستخدم فيها المرآة فقد وردت في أكثر من عمل شعري نثري لي.
مرة قمنا بمزحة مع صديق كنا في جامعة البصرة السنة الاولى اتفقنا حين نقابله ان نقول له متفرقين على فترات لماذا وجهك اصفر اليوم كلما قابل واحدا منا سأله نفس السؤال فاضطر ان يقطع دوامه ويغادر الكلية الى البيت.
مهما يكن فالمرآة التي نصنعها بأيدينا أكثر صدقا من الماء نفسه لكن هل نستطيع ان ندرك حقيقتنا التي تتمثل بوجوهنا من دون واسطة اخرى.
لذلك أخذ بطل القصة يفكر بأن يرى وجهه مباشرة يخرج أن يخرج من أناه فيرى حقيقته من دون زيف مع ذلك تبقى المرآة هي الوسيط بيننا وبين وجوهنا فلا نراها إلا بها ماذا لو كسرنا مرايانا وبحثنا عن وسيلة أخرى نرى بها وجوهنا من غير أي وسيط.
سعاد الراعي: في منعطف الرحلة نحو اللوحة، اراك تغوي البطلَ بفخ السرقة.. ووهم الثراء السريع، عبر الرهان العبثي على فوضى الشارع، كاشفًا نياته بلا مواربة، كما ورد نصك:
"انتظرتُ أن تسفر التظاهرات الكبيرة...
عن فوضى تتجلى في النهب والسلب للممتلكات العامة ...
وحين هدأ الوضع خاب ظني تمامًا وتلاشى حلم المليونير.."
س2: سعاد الراعي: أتريد بهذا الانعطاف الساخر إثبات أن محاولة استغلال الفوضى وسرقة الفن هي خطيئة مصيرية مآلها الخسران، أم أنك تسخر من وهم الإنسان حين يظن أنه قادر على تظليل الزمن واقتناء المال بالجمال عبر الاحتيال؟
ج2: د. قصي عسكر: هذا سؤال مهم جدا.. لا يمكن أن نجيب عليه إلا إذا فهمنا معنى الجمال، ضمن تعريفات المنطق يعرف الجمال بأنه (نوع من الفن يوقظ الدهشة والمشاعر وأعمق الأحاسيس الإنسانيّة فينا) هذا من الناحية العامة كتعريف غير أنّ هناك حالات استثنائية لا توحي بالإيجاب، هناك زهرة الدفلى التي تحدث عنها الشاعر السياب في قصيدته المومس العمياء في البصرة نسميها شجرة أصابع العروس وهي ذات زهور جميلة عالية السمية تقتل وتسبب حساسية الجلد، النساء جميلات جدا من حيث العموم لكن هناك حالات استثنائية لنساء جميلات يحملن الإيدز، لذلك أقول الجمال بمفهومه العام تجل للخير وهو في لغتنا العربية مشتق من الجمل والجِمال لها مدلول سلبي وإيجابي، تساعدنا في حركتنا واقتصادنا، وتنقل الأحبة إلى مكان بعيد كما في التراث القديم، لذلك لا عجب أن تراود بطل القصة رغبة في السرقة ليست سرقة أي شيء بل سرقة اللوحات الثمينة وبيعها هنا حرّك الجمالُ، في ظرف معين ظرف الفوضى، غريزةَ السلب. لو فكر البطل أن يذهب مع المتظاهرين لسرقة بنك لكان الأمر أسهل أما أن يسرق لوحة ليبيعها فيما بعد فذلك يعبر عن إشباع غريزة عند الفرد وهي غريزة التملك وحب المال عن طريق شيء مساوٍ لموهبته فهو رسام يرى مشاهير الرسامين أغنياء فيرغب أن يكون ثريّا مثلهم ولا يرغب أن يصبح ثريا عن طريق التجارة أو أي شغل آخر بل إما عن طريق موهبته أو ما يوازيها وهو رسم في المتحف، هذه الحالة وجدت شبيها لها في الدنمارك يوم دخول القوات الأمريكيّة بغداد وانطلاق الحشود في النهب والسلب. كان يجلس جنبي عازف عود محترف يعلّم الشباب العراقي والعرب في مبنى البلدية (كورسات) أو محاضرات في العود فتحسّر وقال: ليتني هناك لأقتحم محلات الموسيقى وأنهب ما أستطيع من الأعواد فقط لأتمتع بالعزف عليها ليس غير أو لأفتح لي مدرسة لتعليم فن العود.
إذن هناك وجهان للجمال وجه إيجابي وهو الحالة العامة، وحالة خاصة تتمثل بالسلبي، وحالة أخرى يجتمع فيها الإيجاب والسلب.
سعاد الراعي: تأخذنا القصة إلى ذروة التداعي الزمكاني حين جعلت البطل يظن أنه استغرق نهارًا واحدًا داخل المتحف، بينما كان الزمن يلتهم أعوامًا من عمره في الخفاء، ليعود إلى بيته محاصرًا بالتراب، كما تصفه في النص:
"بيتي الصغير...غبار على فراشي والكراسي...
بدا مثل موقع أثري مخفي عن الأعيُن يحتاج إلى من ينبشه".
س3: سعاد الراعي: ألم تكن هذه الفانتازيا الزمنية إعلانًا صارخًا بأن الانغماس المطلق في مخاض الإبداع يعزل المبدع عن إحداث الواقع، لتعادل الساعة الواحدة في محراب الفن عمرًا بأكمله؟ أم أنها تتجاوز حدود العزلة لتستطيل في أبعادها وتتلبس برداء الرمزية الخالصة التي تعيد صياغة عمر الإنسان على ضفاف اللوحة؟
ج3: د. قصي عسكر: لا أريد أن أفكك رموز القصة مع ذلك أجدني مرغما على أن ألمح إلى ما تعنيه: المتحف يعني الزمن الماضي الممتد إلى العصر الحاضر في هذه المسألة يتوحد المكان بالزمان، فالمتحف يخرج عن صغره بحكم شموله الزمان فكأنه يتحد فيه، يحدّه.. يحصره، يحدده.. لذلك حين يدخل البطل فيه ليرسم ينسى نفسه يظن ما قضاه في هذا المتحف نهارا كاملا ثمّ يكتشف أنّه مرت عليه سنوات وسنوات.
اللوحة المميزة: لقد شاهد البطل كل لوحات المتحف فلم ير فيها لوحة تضمّ كل ما على الأرض ماعدا لوحة واحدة فيها خطوط ودوائر وأشكال منحنية ومثلثة ومربعة ...إلخ فيراها كونها العالم مفككا. لقد كانت الفردية في السابق واضحة ومميزة مثلما الخط المستقيم يختلف عن المنحني كان هناك المطرب الأول والقارئ الأول والشاعر الأكبر في وقتنا الحالي مع ظهور الإلكترون أصبح العالم صغيرا وبدا المجموع يحل محل الفرد، والفرد ذاب في الكل فأصبح الإبداع جماعيا وهذا ما فعله الرسام حين نسخ اللوحة بشكل آخر العالم المتفرق جمعه بتناسق. إن رمزية المتحف تحققت في لوحاته ومديره وقاطع التذاكر، قاطع التذاكر يمكن أن يكون النافذة التي نطل منها على الداخل، والمدير هو المراقب أو العقل الذي يترك لنا حرية التأويل.
الطفل في المتحف يمثل لنا في هذه المعادلة البشرية أو المجموع الذي لا يشيخ. إن الأفراد يشيخون أما البشرية أو المجتمع بكونه كلا ينمو ويكبر ولا يشيخ لأنّ الشيخوخة تعني الموت المجتمع أو البشرية قد يكون مفككا لكنه لا يشيخ والمجتمعات التي شاخت انقرضت مثل عاد ثمود السومريين ولم تبق إلا آثارهم.
الشارع: إن الشارع يشير إلى الزمن المعاصر، نحن نعيش الزمن الإبداعي من الجانب الذي نجد موهبتنا فيه. الرسام قضى وهو يرسم لوحته سنوات. لقد عاش الزمن بعمل إبداعي حقق لوحة مثالية كان يتمناها من خلال رؤيته لوجهه لقد رأى أن صورته تتحقق في العالم المتآلف، وعندما خرج إلى عصره الجديد من المتحف أبصر العمال منهمكون في الذهاب للعمل. إنها استمرارية الحياة الإيجابية وانتقال من العالم الأكبر وهو المتحف إلى العالم الأصغر وهو الشارع أو الأرض ومن الزمان الماضي الهائل الزمن الحاضر.
إن الأماكن الأساسية تتصل وتفترق وهي ثلاثة اثنان أساسيان هما المنزل والمتحف ومكان مساعد هو الشارع وأقول مساعدا لأنّه الأكثر حركة إذا ما قورن بالبيت والمتحف. بين هذه الأمكنة انتقل البطل
إنّ القصة تقوم على ثلاثية مكانية تحدد مسار الزمن، البيت، الشارع، المتحف ولفهم هذه الثلاثية علينا أن ندرك أن الزمن نفسه له تجليات منها الزمن الكوني الفيزيائي، حركة الكواكب في الأفلاك والزمن الأرضي، والزمن الداخلي.
فالشارع هو الحاضر الذي يجسد اليوم الراهن الذي انقضى ولم نحس به وهو يعتمد على الحالة النفسية كنا نراه ثقيلا عندما نكون في الدرس، ولا نحس بحركته عندما نكون مشغولين بالعمل أو فرحين.
سعاد الراعي: في غمرة العودة من لجة الرسم الطويلة وانمحاء حدود الزمن، اصطدمت عينا البطل بنور الفجر مستجليًا خبايا دهشته المباغتة للشارع الخالي، واقتبس:
"الشارع خال وبعض العمال يغادرون مبكرين... زحمة العمل والتعب جعلتني أهلوس. فلا أظنّه الفجر، ليس أكثر...".
س4: سعاد الراعي: هل كانت محاولة مقصودة لإيقاف عقارب الساعة للفرار من مرارة الشيخوخة وتآكل العمر؟ أم هي رغبة دفينة في إثبات أن الفنان، متى عبر مسالك الإبداع، يخلع عنه رداء الزمن البشري ليسكن الخلود؟
ج4: د. قصي عسكر: هناك ثنائية في منزل الرسام ظاهرة الغبار، والأحلام لقد عايش الأحلام قبل أن يرسم لوحة العالم. الغبار يذكرنا بالتراث والماضي الزمن العام يسرقنا والبطل عاد من المتحف ولا يدري أنه قضى سنوات في الرسم فذكّره الغبار بالسنوات قد لا تتغير المباني المحيطة بنا والشوارع، فلا ندرك الزمن الذي سرقنا بالتالي لا ندرك أنفسنا.
لديّ رواية قصيرة تتطرق إلى سرقة الزمن وتدور فكرتها حول شاب يعمل من البيت حتى إنه يستلم راتبه وطعامه عبر التوصيلة وعندما يتعرف على فتاة ويراسلها ثم يأخذ موعدا معها يعرف أنها أصبحت عجوزا لأن الزمن سرقهما، وهذا يحدث لنا أيضا فقد نتصل بأي صديق عبر الهاتف وحين نلتقيه مصادفة في الشارع نظن أننا رأيناه كل يوم فهناك تأثير للمكان على الزمن وهناك تأثير للزمان على المكان التأثير السلبي تطرق إليه الشعراء بوقوفهم على الأطلال والتأثير الإيقاضي مثل الغبار على الأماكن، وهناك التأثير الإيجابي ونجده في الأحلام وهو ما نجده في القصة وقد كان ذلك في بيت الرسام نفسه إن زمن الحلم لا يتعدى أو يتجاوز جزءأ من الثانية وهو زمنٌ صافٍ لأنه باللونين الأبيض والأسود فقط قد يتحقق هذا الحلم في الواقع كما في قصتنا التي نحن بصدد التحدث عنها وله تجليات أخرى مثل حلم كارل ماركس بزوال النقود أنا شخصيا أستخدم الكارت منذ أكثر من خمس سنوات ولم أستخدم التعامل بالنقو وهناك العملة الإلكترونية، إن بعضا من حلم ماركس تحقق وهناك فكرة المهدي المنتظر عند المسلمين التي تعني تطبيق العدالة على الأرض (على الأرض السلام وللناس المسرة) هذا أيضا زمن لا يمكن أن نتجاهله ماذا لو حلمت أني سأسافر مثلا إلى اليابان ثم بعد سنوات سافرت؟ حلمي الذي استغرق بضع ثانية تحقق في مساحة مكانية وزمانية واسعة.
سعاد الراعي: تأتي الخاتمة بصدمةٍ غير متوقعة حين يقتحم الشاب الثلاثيني الغرفة، محذرًا البطل بنبرة الرجاء والآمر معًا:
(لوحتك هي اللوحة الأصلية أما التي في المتحف فهي المزيفة..
أرجوك لا تضع هذه اللوحة في أي متحف ولا تبعها، فإذا فعلت عاد الجميع للتفكك والزيف). ثم يتراجع إلى الخلف بطريقة، كأنه يودع إلهًا!
س5: سعاد الراعي: هل أردت بهذه الخاتمة الصادمة إطلاق رصاصة الرحمة على المؤسسات الثقافية والمتاحف بوصفها زيفًا محنطًا، وإعلان أن الفنان الحقيقي هو "إلهٌ صانع" يحفظ العالم من التفكك عبر لوحته، أم أنك تحذر المبدع من بيع روحه وتسليم نتاجه لمجازر التجار؟
ج5: د. قصي عسكر:
لا أخفيك سرا إذا قلت إن قضية الثلاثيني هي التي حسمت الأمر لقد خرج الرسام يقود توجها جديدا هدفه إعادة صياغة العالم على وفق مبدأ التآلف من جديد، الفيثاغوريون قالوا إن العالم أو الكون يتألف من ذرات تتجمع بالمحبة وتفترق بالكره، وهو عالم مكون من عدد ونغم إذن الرسام الجديد هو صانع العالم الجديد وأقصد بالرسام كل العالم الفني إن الطيور تغني وتستعرض والإنسان يغني ويرسم ويسمع الموسيقى كأننا الفن هو الذي يوحد العالم والشاب هو الجيل الجديد الذي يقدس الخالق الجديد ويتراجع بصورة قدسية مثلما يتراجع معبود إلى الوراء عن إلهه قصدت بهذا أنه يظل يراقب ولا تغفل عيناه عن المبدعات لا يعطيه ظهره لكي لا تتمّ القطيعة أو الانعزال التام وهذا العمل هو ضربة لمحتكري الفن. نصيحة الشاب الذي كان طفلا وعاصر عملية التآلف في المتحف ألا يرجع اللوحة إلى المتحف يعني أن يحارب الاحتكار والسرقة والقبح والتشويه.
تبقى ملاحظة مهمة ألا وهي هل انتهت القصة عند هذا الحد أقول: راودتني فكرة جديدة هي أن أجعل البطل يبيع لوحته في المتحف وعندما يعرضها المتحف للمزايدة ويعلم أن سعرها غال جدا بالملايين يفكر بسرقتها.
سعاد الراعي: عند هذا المنعطف الأخير من رحلة التأمل والإصغاء، لا يسعني إلا أن أقدم شكرنا وامتناننا لضيفنا الأديب الكبير الأستاذ قصي عسكر، إذ شرفّنا بهذه الفرصة النادرة لمواجهة نصه الحيّ.
شكرًا أستاذ قصي لصراحتك التي لم تساوم، ولأجوبتك التي أبحرت بكل سؤال نحو ضفاف أرحب في النص وأضاءت زواياه ولسمو اخلاقك الذي جعل من هذه المساحة واحةً إنسانية نبيلة.
والشكر موصولٌ للزملاء والقرّاء الكرام الذين ننتظر تفاعلهم الواعي.
وإلى لقاءٍ متجددٍ قريب، مع نصٍّ آخر يتنفس في رحاب "المثقّف".
د. قصي عسكر: أسألتكِ سيدتي بعثت في قصتي نفسا آخر
شكرا لكِ
شكرا لمؤسسة المثقف.
شكرا لكم سلفا...
سعاد الراعي: والان نترك الباب مفتوحًا للترحيب بمداخلات واسئلة الزملاء والقراء الكرام والتي بالتأكيد ستغني الحوار...
***
المشرفة سعاد الراعي/ صحيفة المثقف
8/11/2026
....................
رابط القصة:
https://www.almothaqaf.com/nesos/990553








