عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مدارات حوارية

المثقف تحاور الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي في مدارات حوارية (4)

خاص بالمثقف: الحلقة الرابعة مع الأديبة المبدعة الأستاذة سعاد الراعي، ضمن مدارات حوارية، وحوار شامل أجراه معها الأستاذ مراد غريبي، حول تجربتها الإبداعية وأعمالها الأدبية وآفاقها الفكرية، فأهلاً وسهلاً بهما:

***

س17: أ. مراد غريبي: هل يستطيع الأدب أن يعيد ترتيب الزمن، فيجعل لحظة منسية أكثر حضوراً من سنوات كاملة؟

ج17: أ. سعاد الراعي: نعم هو كذلك، الأدب يعيد ترتيب الزمن.

الزمن الذي نعبره يوميًا يمشي متساوي الخطى، لا يميّز بين ساعة وأخرى، أما الزمن الذي يسكننا فلا تحكمه عقارب الساعة، بل عمقُ الأثر الذي يتركه فينا. لحظة واحدة، نظرة أخيرة، كلمة تعثّرت على شفة راحل، رائحة ثوبٍ لم يُغسل بعد، قد تحمل من الثقل الوجداني ما تعجز عن حمله سنون كاملة مرّت هادئة، بلا صوت ولا أثر. وليست مهمة الأدب أن يخترع هذا التفاوت، بل أن يمنحه شرعيته السردية: يُبطئ الزمن حول اللحظة كما يُبطئ القلب نبضه أمام مشهد لا يُنسى، يُفصّل حواسها حتى يعيشها القارئ كما عاشها صاحبها " العتبة، الحقيبة المهيأة للرحيل، الصمت الذي يقول أكثر مما تقوله الكلمات " بينما يطوي السنوات المحيطة بها في سطر عابر، أو يتركها معلّقة خلف باب لا يُفتح. هكذا يُعاد ترتيب أولويات الذاكرة، لا زيفًا لحقيقة الزمن، بل عدلًا لحقيقة الوجدان: فالحياة لا تُقاس بطول الطريق الذي قطعناه فيها، بل باللحظات القليلة التي أعادت تشكيل من صرنا عليه، وأعظمها تلك التي تحمل وداعًا لا يكتمل، فيبقى معلّقًا في الذاكرة أبدًا كأنه حدث للتوّ.

شاهدٌ على هذا كله يقدّمه مشهد الوداع في "بين غربتين": يدا الأب الدافئتان تُطبقان على يدي ابنته، لا كمصافحة عابرة، بل كمن يودّع من خلالهما قلبه وروحه معًا. وثمة تفصيل واحد يكشف كيف تُهزم السنوات أمام لحظة:

الورقة الصغيرة التي طُبعت عليها آيات بخط يده المُنهكة، ما تزال بين يديها، وما تزال ترفّ منها رائحة عرقه، كأن الزمن لم يجرؤ على لمسها. وحين تصف قبلة الوداع على جبينها بأنها ثاني قبلة نالتها منه في عمرها كله بعد قبلة عودته من السجن فإنها لا تقارن بين قبلتين، بل تضع ميزانًا للزمن كله يُقاس بهما وحدهما. والقبلة الثالثة التي انتظرتها ولم تأتِ تتحول، بغيابها، إلى حضور أثقل من كل ملء: صورته الأخيرة بقيت نابضة، حيّة، لم يخفت صداها ولم يبرد وهجها، كأنه لم يرحل، بل ظلّ خالدًا في الضمير.

 في "إلى المنارة" تقدم ولف الشاهد التقني الأدق على هذه المفارقة ذاتها: يوم واحد أو ساعات معدودة تتمدد على مئات الصفحات من التفصيل الداخلي الرهيف، بينما تنطوي سنوات كاملة، كما في قسم "يمر الزمن"، في صفحات لا تتجاوز أصابع اليد. وكأن الروائية، مثلها مثل كل من يكتب عن لحظة كهذه، تقول الشيء نفسه: الزمن الحقيقي ليس ما مرّ، بل ما بقي حيًّا فينا

***

س 18: أ. مراد غريبي: في تجربتك الروائية، إلى أي حدّ ترين السرد نقلاً لواقعٍ ما، وإلى أي حدّ يصبح إعادةَ خلقٍ لهذا الواقع، بحيث لا يكتفي بتمثيله بل يعيد ترتيبه وبناءه وفق مقتضيات الرؤية الفنية؟

ج18: أ. سعاد الراعي: السرد عندي لا يبدأ نقلًا، بل يبدأ استدعاءً، فحين أستحضر واقعة ما من الذاكرة أو المعيش، فإنها لا تحضر بترتيبها الزمني الأصلي، ولا بحيادها الأول، بل تحضر مثقلة بما تركته في دواخلي من تراكمات، فأعيد صياغتها وفق منطق المعنى لا منطق الوقائع فقط.

الواقع، إذن، يبقى مادة خام، أما الرؤية الفنية فهي التي تقرر أي من التفاصيل يُكبَّر حتى يصبح اقوى، وأيها يُطوى في سطر عابر، وأين يُكسر الترتيب الزمني لتقديم لحظة الذروة في الوعي الوجداني على ما سبقها من سنوات.

وقد اختبرت هذا التحول بوضوح في بعض من القصص القصيرة وفي روايتي الأخيرة "الخنافس"، حين انبثقت الرواية بأكملها من حلم، فإذا بالواقع والمتخيل يتبادلان الأدوار بكل انسجام:

الحلم يمنح الأحداث منطقها الداخلي، والواقع يمدّها بمصداقيتها الحسية.

وهذا بالضبط ما أعنيه حين أقول إن السرد لا يكتفي بأن يكون مرآة، بل يصبح معملًا تُعاد فيه صياغة الواقع بميزان الفن لا بميزان التسلسل الوقائعي، بحثًا عن حقيقة أعمق من الحقيقة الأولى.

أي أن الفن يعيد بناء الواقع وفق منطقه الخاص لا وفق واقعيته الحرفية. بحيث يصبح المُتخيل أداة لكشف حقيقة اجتماعية كانت ام سياسية يعجز التوثيق المباشر عن بلوغها وفي هذه الحالة يغدو الماضي المُستعاد أكثر حقيقية وأشد حضورًا وتأثيرًا من الماضي كما وقع فعليًا.

***

 س 19: أ. مراد غريبي: في بعض قراءاتكِ النقدية، يبدو أن الحقيقة لا تُفهم بوصفها معطى ثابتاً، بل باعتبارها أفقاً مفتوحاً، كيف ترين العلاقة بين الحقيقة كما تعيشها الذات، والحقيقة كما يفككها النقد؟

ج 19: أ. سعاد الراعي: أتعامل مع الحقيقة بوصفها أفقًا معرفيًا مفتوحًا، لا معطًى نهائيًا يكتمل امتلاكه أو يستقر على صورة واحدة. فالذات لا تدرك الحقيقة خارج تجربتها، وإنما تعيشها في صورة خبرة إنسانية تتداخل فيها الذاكرة والانفعال والرؤية، فتكتسب معناها من خصوصية العيش لا من ادعاء اليقين. ومن هنا تظل الحقيقة الذاتية نقطة انطلاق لفهم العالم، من غير أن تستنفد جميع أبعاده أو تدّعي احتكار تأويله.

أما النقد، فلا يتمثل دوره في مصادرة هذه الحقيقة أو نفيها، وإنما في مساءلتها وكشف مستوياتها المختلفة، عبر قراءة ما يختبئ خلف اللغة والبنية والسياق الثقافي والتاريخي. فهو ينقل التجربة من مجالها الشخصي إلى أفق معرفي أوسع، ويتيح للنص أن يبوح بما يتجاوز قصد صاحبه، لأن المعنى لا يتحدد لحظة الكتابة وحدها، وإنما يتجدد مع كل قراءة تمتلك أدواتها وأسئلتها الخاصة.

ولهذا أرى أن العلاقة بين الحقيقة كما تعيشها الذات والحقيقة كما يفككها النقد هي علاقة إثراء متبادل، فالتجربة تمنح النقد مادته الإنسانية، بينما يمنحها النقد إمكانًا أرحب للفهم والتأويل. وما إن يغادر النص صاحبه حتى ينفتح على قراءات متعددة، فتغدو الحقيقة فيه سيرورةً دائمة التشكّل، تتسع بتعدد زوايا النظر، من غير أن تفقد صلتها بجذورها الأولى.

وقد رسخت تجربة الاغتراب الطويلة هذا التصور في وعيي النقدي، إذ أقنعتني بأن قيمة النقد لا تكمن في إصدار الأحكام النهائية، وإنما في إنتاج الأسئلة التي توسّع أفق القراءة وتكشف إمكانات النص. كما عززت إيماني بأن: "النقد فعل معرفي وأخلاقي في آن واحد، يقوم على الإنصاف والانفتاح والحوار، ويبتعد عن الأحكام المسبقة والرغبة في الإدانة او الانتقام، لأن غايته الإضاءة لا الإلغاء، وبناء المعنى لا هدمه." ومن هذا المنطلق سعيت في قراءاتي النقدية إلى أن يكون التأويل وسيلة لفهم النص في تعقيده الإنساني، لا أداة لفرض حقيقة واحدة عليه، إيمانًا بأن الحقيقة الأدبية تظل أكثر ثراءً كلما تعددت طرائق الاقتراب منها.1489 soad alrraee

 س20: أ. مراد غريبي: هل صحيح أن لغتكِ تميل إلى الشاعرية المشذّبة حتى حين تكتبين عن الألم والمنفى والانكسار وكيف تحافظين على التوازن بين الجمال اللغوي وصدق المعاناة؟

ج 20: أ. سعاد الراعي: تميل لغتي إلى الشاعرية المشذبة، وهي سمة تشكلت داخل تجربتي الكتابية بوصفها وعيًا باللغة وقدرتها على حمل المعنى. فالشاعرية عندي لا تقوم على الزخرفة، وإنما على بناء لغوي يجعل العبارة متصلة بجوهر الفكرة، إذ يكشف الأسلوب عن رؤية الكاتب للإنسان والحياة، كما انه الامتداد الأكثر صدقا لشخصية الكاتب كما عبر عنه بوفون بمقولته المشهورة "الأسلوب هو الانسان".

وقد تبلور هذا الحس عبر مسار طويل من القراءة والتكوين. فقد نشأتُ في بيئةٍ كان الشعر فيها حاضرًا، إذ ورثتُ عن والدي، وهو شاعرٌ شعبيٌّ، شغفًا مبكرًا بالكلمة وايقاعها والصورة وانزياحها. وفي سنوات دراستي الأولى كانت لي خطواتي الشعرية المتعثرة، محاولاتٍ كانت أقرب إلى التقليد منها إلى الخلق، ما زلتُ أستعيدها اليوم بشيءٍ من الحرج. ثم جاءت معايشتي اليومية للتجربة الشعرية، عن قربٍ، من خلال زوجي الشاعر، فكانت تلك المعايشة مدرسةً أعادت تشكيل قلمي، كما أسهمت كتاباتي النقدية حول الشعر، بدورها في صقل هذه اللغة وتشذيب زواياها.

ولكن، يظل الأثر الأعمق هو، مواظبتي على قراءة القرآن الكريم. إذ صقلت بلاغته وإيقاعه أذني اللغوية، حتى غدا انسجام العبارة وسلامة موسيقاها معيارًا داخليًا يرافقني في كل ما أكتب، إلى جانب ما راكمته سنوات القراءة والكتابة من خبرة ومعرفة.

أما الكتابة عن الألم والمنفى والانكسار فتفرض توازنًا دقيقًا بين حرارة التجربة وانضباط التعبير. فالجمال اللغوي حين ينفصل عن صدق المعاناة يفقد قيمته، والانفعال حين يطغى على البناء الفني يضعف أثر النص. لذلك أحرص على أن تبقى اللغة وسيطًا أمينًا بين التجربة والقارئ، تحفظ عمق الألم دون أن تستسلم لسطوته.

إن هذا التوازن يتحقق عبر تهذيب الانفعال قبل تحويله إلى كتابة، بحيث يغادر الألم لحظته المباشرة ويغدو خبرة إنسانية قابلة للتأمل. كما أحرص على أن تنبع الجمالية من صدق التجربة، وأن يخدم الإيقاع والصورة المعنى لا أن يحجبه.

لهذا أرى الشاعرية وسيلة لمنح التجربة شكلها الأدبي، فهي لا تخفف قسوة المنفى ولا تغير طبيعة الانكسار، وإنما تمنحهما قدرة أكبر على الحضور داخل النص، فتغدو اللغة حافظة للذاكرة وصونًا لكرامة التجربة الإنسانية.

***

س21: أ. مراد غريبي: هل ترين أن اللغة الجميلة قادرة على تعميق الألم، أم أنها قد تخفف من حدته وتحوله إلى مشهد جمالي قابل للاستهلاك؟

ج21: أ. سعاد الراعي: اللغة الجميلة، حين تُستدعى في الكتابة عن الألم، لا تعمل بوصفها تخفيفًا لوطأته، بل أداة تُكسبه صلابة البقاء. فالمعاناة إن تُركت في مادتها الخام، دون معالجة أسلوبية، تبقى صرخة عابرة تلامس القارئ لحظةً ثم تنطفئ في ذاكرته سريعًا، بينما حين تُعاد صياغتها بلغة متقنة، تكتسب مقاومةً للزمن يفوق بقاء صوتها الأول. فالجمال اللغوي، متى صدر عن صدق التجربة لا عن زخرفٍ منفصل عنها، يمنح المعاناة هيئةً قابلة للتأمل الطويل، عوضًا عن أن تظل انفعالًا مؤقتًا يذبل مع لحظته.

غير أن هذا الأثر التعميقي يظل مرهونًا بشرطٍ حاسم: أن يبقى الأسلوب خادمًا للمعنى لا حاجبًا له. فحين تتحول الصورة الجمالية إلى غايةٍ بذاتها، منفصلةً عن جوهر الألم الذي تحمله، ينقلب أثرها المرجو، فتغدو الكتابة لوحةً تُستهلك بمتعةٍ عابرة، تُبقي القارئ في موضع المتفرج المنبهر بدل موضع المشارك في التجربة. وهنا تكمن المفارقة التي يواجهها كل من يكتب عن المعاناة الإنسانية: أن يُزيّن الألم حتى يُخفف من وطأته، فيُلبسه جمالًا يُريح القارئ من مواجهته الحقيقية بدل أن يُواجهه بها.

من هنا، فإن جوهر الإشكال لا يدور حول جمال اللغة في ذاته، انما حول غايته. فحين تنبثق البلاغة من صدق التجربة وتحافظ على وفائها لها، تصبح وسيلةً لتكثيف الألم ومنحه حضورًا أعمق في وعي القارئ.

وحين تنفصل عن مصدرها وتتحول إلى زخرفٍ مستقل، تنقلب إلى قناعٍ يخفف وطأة المعاناة ويحوّلها إلى موضوع استهلاكٍ جمالي بارد.

وتبقى تجربة الكتابة عن الألم شاهدًا على هذا التمييز: حين يُخضَع كل صورة وكل إيقاع لصدق التجربة التي يحملها، يبقى الشكل في خدمة الجوهر، ولا تتحول المعاناة إلى مناسبةٍ لعرض المهارة اللغوية، بل تظل اللغة كما ينبغي أن تكون عليه دومًا: وسيطًا أمينًا بين الألم وإدراكه.

***

س 22: أ. مراد غريبي: في قراءاتكِ الفكرية، يظهر ميل واضح إلى الحفر في طبقات المعنى بدل الاكتفاء بسطحه، ما الذي ترينه غالبًا مفقودًا في القراءة الأدبية السائدة، وتحرصين أنتِ على استعادته؟

ج22: أ. سعاد الراعي: أرى أن أكثر ما تفتقده القراءة الأدبية السائدة هو الصبر على النص والقدرة على مرافقة طبقاته الداخلية. فالنص الأدبي لا يختزل في معنى مباشر، وإنما يحمل مستويات من الدلالة تظهر عبر التأمل والمساءلة.

وقد ارتبطت علاقتي بالقراءة منذ وقت مبكر بإعادة قراءة الأعمال الأدبية، إذ تكشف العودة إلى النص عن علاقات جديدة بين لغته وبنيته وسياقه. لذلك أرى أن قيمة الأدب تكمن في الأسئلة التي يثيرها بقدر ما تكمن في المعاني التي يقدمها. فقد فرضت هيمنة ثقافة الإيقاع الرقمي المتسارع منطقها على القراءة، ورسخت منصات التواصل نمطًا يقوم على التصفح الخاطف، حتى غدا الكثير من النصوص يُستهلك كما تُستهلك المنتجات السريعة، في ظل رأسمالية ثقافية تقيس القيمة بسرعة التداول أكثر مما تقيسها بعمق الأثر. ومع هذا التحول انكمش زمن التأمل، وتراجعت الرغبة في مرافقة النص، لتحل محلها رغبة في القبض على خلاصته أو فكرته المباشرة.

لهذا أحرص في قراءاتي النقدية على تجاوز ظاهر العبارة إلى ما تختزنه من إيحاءات وعلاقات بين القول والمسكوت عنه، وربط النص بسياقه التاريخي والثقافي. وقد وجدت هذا المنهج حاضرًا في بعض المشاريع الفكرية العربية.

فقد كشف نصر حامد أبو زيد، في مشروعه حول قراءة النصوص التراثية والدينية، أن الوقوف عند ظاهر النص يفضي إلى فهم جامد، بينما تفتح القراءة المنتجة المجال للكشف عن طبقاته التاريخية والثقافية والإيديولوجية، حيث يتجدد المعنى مع كل قراءة واعية.

وفي السياق نفسه، ينظر ماجد الغرباوي إلى النص بوصفه كيانًا حيًا، لا يكتمل إلا بالحوار، ولا يستنفد نفسه في تفسير واحد، بل يظل يتشكل عبر التفاعل الدائم بين الحقيقة والتأويل.

فالقراءة التي أطمح إليها تبدأ حين اتجاوز المعنى الأول إلى مساءلة ما وراءه، حيث تتسع الدلالة ويستعيد الأدب دوره في توسيع الوعي وإبقاء الأسئلة حية.2292 soad alraei

س23: أ. مراد غريبي: حين يبتعد الحدث السردي في النص الروائي عن الواقع أو يخالفه ظاهرياً، هل يكون ذلك في رأيك استباقاً فنياً لما يمكن أن يقع، أم ضرورةً جمالية داخل النص، أم تعبيراً عن تأويل فكري وإيديولوجي يستغور الحدث من الداخل بدل الاكتفاء بتصويره من الخارج؟

ج 23: أ. سعاد الراعي: لامست بسؤالك هذا عصب الصنعة الروائية في أعمق وأهم مبادئها، حيث يتخلى النص الأدبي عن دوره التقليدي كمسجّلٍ آلي للواقع، ليمارس سلطته الإبداعية الواعية.

حين ينحرف الحدث في النص الروائي عن ظاهره الواقعي، فهو نادرًا بل ونادرًا جدا ما يكون استباقًا نبوئيًا خالصًا، بل هو بالضرورة تخلّقٌ جماليٌّ يتقاطع عضويًا مع تأويل فكري وإيديولوجي لا ينفصل عنه.

فالنص الأدبي، حين يستشعر أن الحدث بحدوده الواقعية الضيقة يعجز عن حمل شحنته الرمزية وطاقته الإنسانية الكلية، يعيد رسم المثخن من جراحه لمخالفة ظاهره، لا ليقول "ماذا حدث بالتفصيل الحرفي"، بل ليعرّي "لماذا كان لا بد أن يحدث بهذا المعنى العميق؟". هذا الانزياح الفني ليس تحايلًا على الحقيقة، بل هو التزامٌ بأحد أعمق مستوياتها:

حقيقة البنية الداخلية للموقف، ومغزاه الأخلاقي والنفسي الذي قد تطمره التفاصيل الواقعية السطحية.

حين أخالف تسلسلًا واقعيًا أو أُبدّل تفصيلًا في مشهدٍ ما، فإنني لا أبتدع ذلك الا لأستجيب لمعمار النص الذي يطالبني بتصعيد التوتر الدرامي، ولأنني أرفض التوقف عند القشرة الخارجية للواقعة. أنا أستغور الحدث من الداخل لأكشف طبقاته الفكرية التي لا يبوح بها الواقع بذاته.

ولعل خير ما يجسد هذا الطرح من تجربتي هو المشهد المفصلي في الفصل الخامس من الجزء الأول من روايتي "الحرز".

في الواقع المجرد، قد تبدو طعنةُ قلمٍ تخوضها شابة نحيلة ومكبوتة الأنفاس على فراش مستشفى ضد هيكل عمّها المقيت والمدجج بالسلاح تفصيلًا "غير متكافئ" أو شاذًا عن المنطق الظاهري للقوة، كما أن الرصاصات الأربع التي اخترقت صدرها وعينيها كان ينبغي لها وفق المنطق الواقعي البحت أن تعلن الهزيمة المطلقة والموت الصامت. لكن النص هنا رفض هذا التسلسل الواقعي العاجز، واستنكر أن ينهي الموقف باستسلام الصبية للموت.

لقد أعدتُ تشكيل الحدث ليكون القلمُ المستمسَكُ باليد المقبوضة هو الشريان الأخير للإرادة: فحين غُرِس القلم في وجه القاتل وسال دمه غليظًا، لم أكن أكتب مجرد رد فعل جسدي، بل كنت أستخرج المعنى الفكري والأخلاقي للصراع: سلطة الفكرة والعقل في مواجهة الوحشية الغاشمة.

وحين أطلق رصاصاته الأخيرة على عينيها المفتوحتين بصلابة، فإن الانزياح الفني أخرج المشهد برمته من مجرد "جريمة قتل داخل غرفة مستشفى" إلى ثيمة وجودية مجردة، عينان ترفضان الانكسار وتخاطبان القاتل بنظرة أبدية حتى رمقهما الأخير: "حتى ولو قتلتني، فقد هزمتك".

إن مخالفة ظاهر الواقع في هذا النص كانت ضرورة جمالية لإعادة بناء المعمار الروائي، وفي الوقت ذاته ممارسة تأويلية تحول الضحية من مجرد رقم في سجلات الجريمة إلى شهادة ابدية على شجاعة قاهرة، ليتحول النص الأدبي من مجرد "محاكاة تسجيلية" إلى فعل استبصار يفكك طبقات القهر والإنسانية من الداخل.

***

س 24: أ. مراد غريبي: هل يمكن للنص أن ينتمي إلى أكثر من جنس أدبي في الوقت نفسه؟ وكيف يؤثر هذا التداخل في العبارة عن قوله؟

ج 24: أ. سعاد الراعي: نعم، وأظن أن أكثر النصوص التي تبقى في الذاكرة هي تلك التي ترفض الاستقرار داخل جنس واحد. فالحدود بين السيرة والرواية والشعر والمقالة ليست جدرانًا صلبة، بل خطوطًا نرسمها لغايات النقد والتصنيف، لكن التجربة الإنسانية حين تكون عميقة بما يكفي، تتجاوز هذه الخطوط بطبيعتها:

الألم لا يُروى بمنطق السرد وحده، بل يحتاج أحيانًا إلى كثافة اللغة الشعرية ليقول ما يعجز الحدث المتسلسل عن قوله.

والشهادة التاريخية لا تكتمل بالتوثيق البارد، بل تستدعي صوت السيرة الذاتية ليمنحها نبضًا إنسانيًا.

حين يتداخل جنسان أو أكثر في نص واحد، فإنه لا يفقد تماسكه، بل يكتسب طبقات من المعنى:

طبقة تُروى فيها الحقيقة كما وقعت، وطبقة تُقال فيها كما شُعر بها، وطبقة ثالثة تتأملها وتُساءلها. هذا التعدد لا يُربك القارئ، بل يمنحه أدوات متعددة لمقاربة تجربة واحدة معقدة، تمامًا كما تحتاج الحياة نفسها إلى أكثر من لغة للتعبير عنا.

هذا بالضبط ما تحمّله "بين غربتين" في بنيتها: نصٌ يتحرك بين جنس السيرة الذاتية والرواية والمقالة الفكرية والشهادة التاريخية في آن واحد. وهذا ما تجلّى في استلهامي من قراءتي لكتاب نعومي كلاين "عقيدة الصدمة" حين أردتُ أن أُسند شهادتي الذاتية إلى سياق تحليلي أوسع.

ولعل هذا التداخل هو ما يفسّر أيضًا مسألة الصمت داخل النص: فحين يعجز جنس واحد عن الإكمال، ينتقل النص من السرد إلى التأمل، تاركًا في تلك الفجوة صمتًا هو نفسه لغة موازية. وحين تُوصف لغتي بأنها "شاعرية مشذبه" حتى في سرد المنفى، فذلك مؤشر آخر على الظاهرة نفسها:

النص يستعير أدوات الشعر، الكثافة، الإيقاع، الصورة، وهو يمارس في الوقت ذاته وظيفة السيرة: التوثيق، الشهادة، الاعتراف.

(يتبع)

***

حاورها: الأستاذ مراد غريبي - المثف

في المثقف اليوم