كفاح من أجل التحرر من الوصاية الفكرية
الثقافة مفهوم واسع الدلالة. وحينما يكون من الصعب وضع تعريف محدد لمصطلح ما فإننا نلجأ إلى أن نعدد مدلولاته. فكلمة ثقافة بالنسبة لأى أمة تشمل العلم والدين والفلسفة والأدب والفن. هذا من ناحية الحياة الفكرية أما من ناحية الحياة العملية فإنها تطلق على الأزياء وفنون الطهى والأخلاق والعادات والتقاليد. وهى مفهوم مرن ومتطور، فعلاقة الإنسان بالزمن فى مجتمع زراعى تختلف عن علاقته به فى مجتمع متقدم تكنولوجياً حيث تستلزم مزيداً من الدقة والإنضباط. كل هذا يبدو بديهياً. وبالرغم من ذلك يتخلل الثقافة فترات من الأزمات والإضطرابات. فما السبب؟
مثل هذه الأزمات تظهر حينما يميل أحد العناصر إلى تهميش باقى العناصر الأخرى واستبعادها ويقدم نفسه باعتباره هو المعبر الوحيد عن الثقافة.
فى ثقافتنا العربية المعاصرة ساد لدى بعض التيارات الفكرية المحافظة نزوع شمولى يسعى إلى فرض الدين بوصفه مرادفاً للثقافة. وانطلاقاً من هذا المنظور تتخذ علاقته بالعناصر الأخرى إحدى صيغتين: الصيغة الأولى هى الاحتواء، أى أن كل العناصر الأخرى موجودة داخله، فإذا أردت مثلاً أن تبحث فى مسألة تتعلق بظواهر الطبيعة أو بالحل الملائم لمشكلة سياسية أو بأسلوب فى الاقتصاد أكثر جدوى من غيره فما عليك إلا أن تتوجه رأساً إلى الدين.
كان هذا هو حال الثقافة الأوروبية فى العصور الوسطى ومن هنا جاءت أهمية نداء الفيلسوف الإنجليزى روجر بيكون حينما قال: علينا البحث عن الحقيقة فى الأشياء لا فى الكلمات، مشيراً بذلك إلى الخلل الفكرى السائد وقتها والذى يعتقد أن الكتاب المقدس به إجابات عن جميع الأسئلة وما يترتب على ذلك من إدارة الظهر للعالم الواقعى. الصيغة الثانية هى الوصاية أى الإعتراف بأن هذه العناصر موجودة خارج الدين ولكن مهمته تكمن فى تحديد خصائصها ومعايرها مرة واحدة وإلى الأبد.
محاكمة جاليليو على نظريته فى دوران الأرض جاءت أقوى تعبير عن هذه الوصاية. فهل علماء الفلك والفيزياء ملزمون بأن تأتى نظرياتهم موافقة لما يفهمه رجال الدين من الكتاب المقدس؟! لم تكن محاكمة جاليليو هى المثل الوحيد إذ يذكر التاريخ لنا المعارك التى خاضها العلماء والفنانون والساسة وعلماء النفس والتربية ضد وصاية رجال الكنيسة.
نحن نعتقد أن الدين صالح لكل زمان ومكان وهذا صحيح. ولكن أن نستنتج من ذلك أن الدين حدد نظاماً سياسياً صالحاً لكل زمان ومكان وكذلك وضع نظاماً اقتصادياً مفروضاً فى جميع الظروف فهذا ما يؤدى إلى إرتباك داخل الثقافة والتى مهمتها الأولى هى مساعدة الإنسان على أن يتكيف مع الظروف المتغيرة، فى حين أن الإعتقاد بصلاحية الأنظمة السياسية والاقتصادية لكل زمان ومكان تستلزم بالضرورة الإعتقاد بأن العالم ثابت لا يتغير.
لكل عنصر من عناصر الثقافة طريقته الخاصة فى الحكم على الأمور. الفنون تستخدم معيار الجميل والقبيح، والاقتصاد يستخدم معيار المكسب والخسارة، والسياسة تستخدم معيار الاستقرار والاضطراب، والدين معيار الحلال والحرام.
وبالتالى حين نحكم بالحلال أو بالحرام على قرارات الحرب ومعاهدات السلام وقروض البنك الدولى والسياحة والموسيقى وفن المسرح فإن هذا يعنى أننا لم نتخلص بعد من فكرة إحتواء الدين فى داخله على جميع عناصر الثقافة.
مثل هذا الإعتقاد هو الذى سبب توتراً لرفاعة الطهطاوى أثناء زيارته لفرنسا. هناك قرأ الدستور الفرنسى ووجد أنه من المفيد ترجمته لقراء العربية وقدم ترجمته بهذه الملاحظات: وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا فى سنة رسوله لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد،... فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً، والعدل أساس العمران.
هكذا رأت بصيرة الطهطاوى أنه لكى نحكم بالنفع على نظرية سياسية ليس من الملائم استخدام معيار الاتفاق مع الكتاب والسنة. هذا التمييز بين المجال الدينى والمجالات الأخرى كان ضرورياً لاستقبال العلوم الحديثة فى ثقافتنا المعاصرة. كان الطهطاوى بوصفه من رجال محمد على يعمل فى مؤسسة الجيش. ولخدمة الجيش المصري فى حملاته التوسعية كان من اللازم إدخال علوم الهندسة والفيزياء والطب والصيدلة والجغرافيا والمحاسبة، فهى لم تكن فى حاجة إلى محام يدافع عنها، أما علوم الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع وعلم النفس فقد فرضها العقل وليست مصلحة الدولة. وهذا يدل على تقدم ملموس فى طريقة تعامل عقلنا المعاصر مع المعارف والحكم بمنفعتها، فحررها من الخضوع لمعيار الإتفاق مع الكتاب والسنة أو معيار الحلال والحرام.
***
د. أنور مغيث
عن جريدة الأهرام القاهرية، يوم: الثلاثاء 17 من ربيع الثاني 1448 هــ 29 سبتمبر 2026 السنة 151 العدد 51066








