اخترنا لكم

محمد البشاري: المَلَكة قبل الفقه

ليست أزمة الفقه في عصرنا ناشئةً عن قلّة النصوص ولا عن ندرة التراث، فإن النص محفوظ، والمدوّنات عامرة، والمدارس قائمة، وإنما منشأ الإشكال في ضعف المَلَكة التي تُحسن التعامل مع هذا التراث، وتُنزل النصوص منازلها، وتُميّز بين دلالاتها، وتجمع بين مقاصدها وجزئياتها. فالنص حاضرٌ بقوّته، ولكن الأهلية التي تستنطقه على وجهه الحقّ قد تراجعت، فاختلّ ميزان الفهم، واضطربت مسالك الاجتهاد.

المَلَكة الفقهية والأصولية ليست كثرة محفوظٍ، ولا جمع متونٍ، ولا سرعة جوابٍ في نازلة، بل هي هيئة راسخة في النفس، بها يقتدر المجتهد على إدراك مراتب الأدلة، والتمييز بين قطعيّها وظنيّها، ومعرفة مواقع العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ومجاري العُرف والمقاصد. وهذه الهيئة لا تُنال دفعةً واحدة، ولا تُختزل في مقرّرٍ دراسي، بل تُبنى بالتدرّج، وملازمة النظر، وممارسة التخريج، ومعاودة النقد، حتى يصير النظر سجيّة، والاستدلال طبيعة.

ومن أظهر مظاهر الخلل في الفقه المعاصر اختلال العلاقة بين النص والفهم. فطائفةٌ جمدت على ظاهرٍ لا تُجاوزه، فحوّلت النص إلى قوالب مغلقة، لا يُنظر في سياقها ولا في مقاصدها. وطائفةٌ أخرى أسرفت في التوسّع التأويلي، حتى صار النص مطيّةً للواقع، يُحمَّل ما لا يحتمله لسان العرب ولا نظام الشريعة. وكلا المسلكين ناشئٌ عن ضعف المَلَكة، لأن صاحب المَلَكة يعلم أن للنص سلطاناً لا يُهدر، وللفهم ضوابط لا تُتجاوز.

الأصل في علم الأصول أنه علمٌ لضبط الفهم، لا لتكثير الأقوال. وبه يُعرف كيف يُستنبط الحكم، لا كيف يُستحسن الرأي. فإذا غاب هذا المعنى، تحوّل الاشتغال الفقهي إلى استعراضٍ للنتائج دون عنايةٍ بمسالكها. والمَلَكة الحقّة تقتضي أن يعي المجتهد أن الدلالة طبقات: دلالة وضعٍ، ودلالة سياق، ودلالة استعمال، ودلالة مقصد. فمَنْ اقتصر على واحدةٍ دون أخرى أخلّ بالبناء، ومن جمعها بميزانٍ مختلّ أفسد التقدير.

ثم إن للذات المجتهدة موقعاً دقيقاً بين النص والواقع. فهي ليست منشئةً للحكم من عند نفسها، ولا متلقّيةً له تلقّياً آلياً مجرداً عن النظر، بل هي كاشفةٌ عنه بواسطة أدواتٍ منضبطة. وبهذا المعنى، فإن الاجتهاد فعلٌ بشريٌّ محكوم، تحيط به شروط الأهلية، ويُقيّده لسان العرب، وتضبطه مقاصد الشريعة، وتُرشده قواعد الترجيح. فإذا لم تُدرَّب النفس على هذا التوازن، مال النظر إمّا إلى ادّعاء الحياد المطلق، أو إلى إطلاق العنان للذوق والميول.

ومن ركائز المَلَكة كذلك إدراك أن التأويل ليس خصماً للنص، بل وسيلة لفهمه عند تعدّد الاحتمال أو تعارض الظواهر. غير أن التأويل المشروع ما كان مستنداً إلى قرينةٍ معتبرة، أو مقصدٍ كليٍّ ثابت، أو جمعٍ صحيح بين الأدلة. أما التأويل التبريري الذي يُراد به إخضاع النص لضغط اللحظة، فليس من الاجتهاد في شيء، وإنْ تزيّا بلباسه. فالمَلَكة تُميّز بين تأويلٍ يُعمّق الدلالة، وتأويلٍ يُفرغها.

وتبرز هنا مسألة السياق: فالواقع معتبرٌ في تنزيل الأحكام، لكن اعتباره لا يعني الذوبان فيه. فالفقيه الحقّ هو الذي يُحسن تصوير النازلة، ويُنزّل عليها الحكم بعد استكمال شروطه، دون أن يجعل الواقع مصدراً للحكم ذاته. والفرق دقيقٌ بين مراعاة الواقع واستمداد التشريع منه. ومن لم تُحصّنه المَلَكة وقع في أحد طرفين: إمّا أن يُهمل الواقع فيُنتج فقهاً معزولاً، وإمّا أن يُغرق فيه فيُنتج فقهاً تابعاً.

وعليه، فإن إعادة الاعتبار للمَلَكة تقتضي إصلاح مسالك التكوين: إحياء الدرس اللغوي العميق، وتعميق النظر المقاصدي دون تفلّت، وتدريب الطلاب على التخريج والمقارنة، لا على الحفظ المجرد. كما تقتضي إحياء روح المسؤولية في الاجتهاد، حتى يُدرك المتصدّر أن الفتوى ليست رأياً شخصياً، بل تنزيلاً لحكمٍ شرعيٍّ يُسأل عنه أمام الله والناس.

إن السؤال الجوهري اليوم ليس: هل لدينا نصوص كافية؟ بل: هل لدينا عقولٌ مؤهلة لاستنطاقها؟ وهل مناهجنا تُخرّج حافظاً أم تُنشئ ناظراً؟ إن أزمة الفقه ليست في مادته، بل في آلته، ليست في النص، بل في ضعف المَلَكة التي تتعامل معه. فإذا استُعيدت هذه المَلَكة في إطارها الرصين، عاد الاجتهاد إلى مساره الطبيعي: أمانةً للنص، وفقهاً للواقع، وعدلاً في التنزيل.

***

د. محمد البشاري

عن جريدة الاتحاد الإماراتية، يوم: 26 فبراير 2026 00:43

في المثقف اليوم