روافد أدبية
أمنية تيفراني: حديث الموج والروح
انظري إلى البحر… ماذا ترين؟
أرى مدًّا من السرّ يمتدُّ بلا مدى،
أفقٌ غارق في اللاحدود،
بحرٌ لا يعرف الانحناء، يعانق السماء بخجل،
يفصل بينهما خيط من ضوء وضباب،
كأنهما عاشقان تفرّق بينهما سحابة…
*
هادئٌ في مظهره،
ثائرٌ في جوفه،
بعيدٌ… كأمنية لم يُقدَّر لها أن تبلغ.
*
– أتودين الذهاب إليه؟
– بل أتوق!
لكن… ليس مشيًا،
بل في حضن باخرةٍ تُجيد فهم التيه.
فالبحر لا يُعبره إلا من وثق بنفسه أولًا،
ثم بالله.
*
– وما الذي تبصرينه حين تلامس قدماكِ الماء؟
– يتحوّل السكون إلى صخب،
تتكسر النظرة الأولى على صخور الحقيقة.
الأمواج… كأنها تسابق الغضب،
ترتطم بالحواجز، تصرخ،
توهم نفسها أنها ستُسقطها،
أنها قادرة على كسر ما لا يُكسر…
*
– وهل فعلت؟
– لا…
– لِمَ؟ أما كانت قوية؟
– قوتها لا يُستهان بها،
تستطيع أن تقتلعنا من أماكننا،
لكنها لا تدري أن تلك الصخور متجذرة في الأرض،
موصولة بعصب الجبال…
وأي يدٍ تُزحزح ما أراده الله أن يبقى؟
فسبحان من وضع لها القرار والثبات.
*
– أخبريها أن تهدأ…
– لن تُنصت، فالموج لا يُصغي إلا لصوته.
– جرّبي…
– (تضحك بهدوء) أأنتَ غريبٌ أم شاعر؟
– لِمَ؟
– لأنك تطلب من الريح أن تعتذر،
ومن الغضب أن يُغنّي سكونًا.
*
– وما على الشاطئ؟
– هناك الحياة تمشي على أطراف الماء…
عائلات تفرش الفرح،
أطفال يركضون كأن العالم ضحكة،
يجهلون السباحة… مثلي تمامًا.
*
– كم عمركِ؟
– أربعة وعشرون ربيعًا،
وفي داخلي فصول لم تُروَ بعد…
*
أنظر إلى شابٍ غادر ضجيج الجمع،
سبح وحده في حضن البحر،
ابتعد كثيرًا… ثم عاد.
وأعاد المحاولة… وها هو يعود.
ثمة شيء فيه يشبهني…
سأقترب… أريد أن أعرف من يكون.
(لحظة صمت)
لم أعرفه…
وشخصٌ آخر ابتعد أيضًا…
– هل هما في سباق؟
– لا…
في البحر، لا أحد يُنافس أحدًا،
لكلّ غائصٍ حكايته،
ولكلّ موجةٍ قصّتها التي لا تُقال.
*
– كيف حال البحر الآن؟
– كمن ظنّ أن الصراخ دليل الهيبة،
لكن في الحقيقة…
كل هذا الغضب لا يهزم الصخر، ولا يزرع طمأنينة.
*
والشمس؟
شقّت ضوءها عبر الغيم،
وحرّها بدأ يلسع جلد الصباح.
*
– كم الساعة؟
– كانت التاسعة والنصف…
وصارت العاشرة، كما تتبدّل اللحظة في غفلة حنين.
*
– كيف حالكِ؟
– بخير… أو لعلّي أقنع نفسي بذلك.
– وماذا بكِ؟
– شيءٌ داخلي لا يُشبه إلا الليل…
تعبٌ من القادم الذي لا أعرف ملامحه.
أخاف من مستقبلٍ لا يناديني باسمي.
*
– وما الذي يحدث؟
– أمرٌ لا يُقال…
حتى إن التقطت له صورة،
فلن تراها كما أراها أنا.
*
– وماذا ترين؟
– برقٌ في السماء…
كأنه شرارة تُضيء قلبي في الظلام.
لحظة تتكرر… ولا تنتهي،
جميلة بطريقة لا تُوصف،
بل تُحسّ فقط… وتُبكى أحيانًا.
*
– اشتقتِ؟
– نعم…
– لمن؟
– لذاتي.
أشتاقني كل يوم،
أشتاق تلك التي كنتها قبل أن أتوه…
أشتاق أن أراها، أن ألمح ملامحها في وجهي،
أن أُمسك يدها وأعيدها إليّ.
*
أمنية تيفراني - الجزائر






