عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقاربات فنية وحضارية

احمد عابر: الظهور.. عندما يكشف النور ما نخشاه

(اطفئوا المشاعل.. اخبئوا القمر.. اخبئوا النجوم.. لنختبئ نحن في قصرنا يا هيروديا. لقد بدأت أخاف)... مسرحية سالومي- اوسكار وايلد

هذا النداء المرتعب لا يصدر عن سالومي الراقصة معشوقة الملك، بل عن الملك هيرودوس نفسه، في لحظة الذروة من مسرحية اوسكار وايلد.

هيرودوس هو الذي امر بقطع راس يحيى بن زكريا تحت ضغط قسم قطعه على نفسه امام ضيوفه، والان ها هو ذا يرى بعينيه راس النبي المقتول يطفو في الهواء، محاطا بهالة من نور ابيض بارد، ويشعر فجاة ان كل الاضواء حوله تكشف جريمته لا تنير قصره.

ربما ليس خوفه من سيف او جيش، بل رعب وجودي محتمل، هو رعب الضمير الذي قد يتجسد امامه فجاة. يمكن ان نقرا صرخته باطفاء المشاعل واخفاء القمر والنجوم على انها رغبة يائسة في محو كل مصدر للضوء، لان الضوء بات عدوا يكشف حقيقة قد يكون يحاول الهرب منها.

وعندما يقول لزوجته هيروديا "لنختبئ في قصرنا"، فهو ربما يعترف ضمنيا بعجز السلطة المطلقة امام ما هو خارق، وامام الدم المراق الذي يصرخ بصمت.

هذا الاقتباس من مسرحية اوسكار وايلد ليس مجرد تعبير عن خوف عابر. بل هو مدخل ممكن لفهم اللوحة التي رسمها غوستاف مورو، لانها قد تلتقط تلك اللحظة التي يختلط فيها الجمال بالرعب، وتصبح الرؤية ربما عقابا او ربما وعيا.2627 ahmadعند الوقوف امام لوحة "الظهور" التي رسمها مورو بين عامي ١٨٧٤ و ١٨٧٦، لن ترى بالضرورة قصة جامدة، تتوسط اللوحة سالومي، وهي شبه عارية، تتزين بالحلي والاحجار الكريمة، وتنتهي اصابع قدميها ويديها بحركات تشبه الرقص، لكن جسدها متوقف للحظة، واصبعها ممدود نحو الاعلى برهبة او بانبهار.

هناك، في فراغ القاعة، يطفو رأس يحيى بن زكريا وحده، بلا جسد، محاطا بهالة دائرية من الضوء الابيض، وعيناه مفتوحتان تنظران الى سالومي بنظرة حزينة ثاقبة.

من عنقه المقطوع تسيل قطرات دم، تتساقط على الارضية المزخرفة.

خلف سالومي على عرش مظلم، يجلس هيرودوس وهيروديا كطيفين خائفين بالكاد نرى ملامحهما.

القصة التي قد تحكيها اللوحة ليست بالضرورة لحظة رقص او قطع الراس، بل لحظة "الظهور" نفسها: اللحظة التي ربما يعود فيها الضحية ليطارد الجلاد، والتي يصبح فيها الموت مشهدا حيا.

مورو ربما لا يريد ان يخبرنا ما حدث، بل يريد ان يجعلنا نشعر بالرعب الذي شعر به هيرودوس.

من زاوية بصرية، يمكن ان نتوقف طويلا امام سالومي. هل هي هنا منتصرة ام ضحية؟ هذا سؤال مفتوح. فاللوحة تظهرها بجسد شبه عاري وحلي، وكأنها في لحظة ذروة طلبها، لكن اصبعها الممدود والذهول على وجههما يوحي بشيء اخر.

ربما الرعب الذي نراه في عينيها ليس خوفا من عقاب الهي قادم، بل لحظة وعي مفاجئ: انها ادركت فجاة ان ما طلبته ليس جائزة بل كارثة.

واذا كان هيرودوس يخاف من الضوء، فربما سالومي تخاف من الظل الذي يلقيه راس يحيى على جسدها. لعلها ليست شريرة بالمعنى التقليدي، بل فتاة استخدمت جمالها كسلاح، ثم فوجئت ان السلاح قتل اكثر مما تمنت. من هذا المنظور، تصبح سالومي ضحية ثانية: ضحية رغبتها، ضحية القسم الملكي، وضحية الدنيا التي وعدتها بكل شيء ثم تركتها وحدها امام القتيل. اما هيرودوس، فرعبه ربما ليس مجرد ندم، بل هلع الرجل الذي اكتشف انه كان مجرد اداة في مشهد اكبر منه، وان عرشه وجنوده  لا يحمونه من هذا الظهور.

غوستاف مورو، الذي عاش في فرنسا بين ١٨٢٦ و ١٨٩٨، لم يكن رساما عاديا، بل ربما كان فنانا عنيدا في زمن الواقعية والانطباعية. بينما كان مونيه يرسم انعكاسات الضوء على الماء، ورينوار يرسم حفلات البوسطجية، ظل مورو وفيا لعالمه الخاص: عالم الاساطير والدين والخيال المحض.

هو احد أعمدة المدرسة الرمزية، وهي حركة فنية رأت ان الحقيقة العميقة لا تكمن بالضرورة في المظهر الخارجي للاشياء، بل في الأفكار والأحلام والمشاعر الكامنة خلفها. كان مورو يؤمن بان الفن الحقيقي يجب ان يوحي ولا يصرح، وان اللوحة الجيدة هي تلك التي تظل غامضة حتى بعد النظر اليها الف مرة.

استخدم في لوحاته الوانا غنية ونادرة: الذهبي القاني، الاحمر القرميدي، الازرق الليلي، والاخضر الزمردي، وزينها بتفاصيل دقيقة تشبه المجوهرات المنصهرة. تاثر برسامي عصر النهضة مثل بيترو بيروجينو وليوناردو دافنشي، لكنه اضاف اليهم نكهة شرقية وحسا سحريا جعله فريدا. لم يرد مورو ان يقدم وعظا اخلاقيا مباشرا، بل اراد ان يترك المشاهد يتيه داخل اللوحة.

لوحة "الظهور" تبقى اليوم معلقة في متحف اورسيه بباريس، شاهدة على فنان فضل الحلم على اليقظة، والغموض على الوضوح، والجمال المرعب على السكون العادي.

احد التفسيرات الممكنة لهذه اللوحة، يمكن ان نستمدها من ابن عربي في كتابه فصوص الحكم. فابن عربي يخصص للنبي زكريا حكمة مالكية، ويعلل ذلك بان: "الغالب على حاله حكم الاسم المالك، لان الملك الشدة والمليك الشديد".

 في اشارة الى شدة المحنة التي واجهها زكريا، والتي بلغت ذروتها باستشهاد ابنه يحيى. في هذا السياق، يمكن قراءة راس يحيى الطافي في الهالة الضوئية بلوحة مورو على انه تجسيد بصري محتمل لهذه "الشدة" المالكية، حيث يتحول رأس يحيى ابن زكريا الى علامة على قهر الموت.

فان اللوحة قد تلتقط تلك اللحظة الخارقة للعادة حيث يعود الموتى ليظهروا كرسل من عالم القدس، حاملين معهم "الحكمة المالكية" التي تذكر الانسان بهوان الدنيا وسلطان الحقيقة.

وهكذا يمكن ان تتحول سالومي من مجرد بغي الى اداة لاظهار هذه الارادة المالكية، بينما يصبح هيرودوس رمزا للسلطة الارضية العاجزة امام "شدة" المشهد الالهي.

من منظور اخر، يمكن ان نقرا اللوحة في ضوء ما كتبه ابو حامد الغزالي عن هوان الدنيا على الله.

فالغزالي في احياء علوم الدين يقول:  "من هوان الدنيا على الله انه لا يعصى الا فيها ولا ينال ما عنده الا بتركها".

وهو بذلك يضعنا امام مفارقة كبرى: الدنيا التي يرتكب فيها الانسان اعظم الخطايا هي نفسها الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من الوصول الى الله، لكن عبر التخلي عنها لا الانهماك فيها.

ان راس يحيى بن زكريا يهدى الى بغي. هذه الصورة المفزعة التي رسمها مورو قد تختزل هذه المفارقة. فسالومي، التي تمثل ذروة زينة الدنيا وفتنتها، تتسلم راس نبي كجائزة.... اعلى ما تقدمه الدنيا في زمانها هو رأس يحيى بن زكريا.

بهذا المعنى، يمكن اعتبار لوحة "الظهور" نصا بصريا محتملا على هوان الدنيا عند الله: فمن هوانها أن اشرف رأس يقدم هدية لعاهرة.

والغزالي يضيف بعدا اخر في تحليله للدنيا حين يصفها بانها "في صورة امراة مليحة تستميل الناس بجمالها".

 وهذه العبارة تشبه تماما سالومي التي تقف في مركز اللوحة بزينتها وحليها، لكن وجهها لا يخلو من الرهبة والذهول. فالدنيا التي تبدو جميلة وخادعة في المقدمة قد تكشف في العمق عن وجهها القبيح، عن  الموت الذي يطفو خلفها.

ربما سالومي هي تجسيد لهذه الدنيا التي يستميل جمالها الناس، ثم تخذلهم وتفاجئهم بالفناء. والنور الذي ينبعث من راس يحيى قد لا يكون نور انتصار، بل نور حقيقة يفضح زيف كل ما حوله.

نعود الان الى صرخة هيرودوس التي افتتحنا بها المقال: "اطفئوا المشاعل! اخبئوا القمر! اخبئوا النجوم! لنختبئ نحن في قصرنا يا هيروديا. لقد بدأت اخاف". هذه الصرخة التي بدت في البداية مجرد تعبير عن خوف عابر.

قد نكتشف بعد قراءة اللوحة من منظور نفسي ومن خلال ابن عربي والغزالي انها قد تكون اعترافا صريحا بحقيقة كبرى: ان الدنيا التي ظنها ملكا وسلطانا ربما لا تساوي عند الله شيئا، و ان كل ما كان يظنه نورا حوله - المشاعل، القمر، النجوم - ربما لم يكن سوى اوهاما تخفي عنه وجها اخر للوجود.

هيرودوس يريد ان يختبئ ليس بالضرورة من انتقام بسيوف لمقتل يحيى، بل من احتمال انه هو نفسه كان اداة في هذه الجريمة. حيث قدم راس نبي هدية لراقصة، وحيث تحولت قاعة ملكه الى مسرح لظهور يفضح هوان الدنيا على الله.

اللوحة برمتها، بهالة راس يحيى، وبجسد سالومي العاري المرصع بالجواهر، وبوجوه الحاشية الخائفة في الخلفية، يمكن ان تكون ايقونة بصرية لهذا الهوان بعينه: فاقدس ما في الدنيا (راس نبي) يقدم لاسوأ ما فيها (هدية لبغي)، واجمل ما فيها (سالومي الراقصة) تقف مذعورة امام ما طلبت، واعظم سلطان ارضي (هيرودوس) يصرخ طالبا الظلام هربا من الحقيقة.

تامل اللوحة مرة اخرى، وانت امام راس يحيى المضيء وسالومي المذهولة وهيرودوس الخائف، ربما تجد نفسك تتساءل بهدوء: كم مرة في حياتنا نلهث وراء شيء نعتقد اننا نريده، ثم نتفاجا ان ما حصلنا عليه ليس جائزة بل فخ؟ وكم مرة نعتقد اننا نملك القصر والمشاعل والنجوم، ثم نكتشف فجاة اننا لا نملك حتى نورا نخبئ به خوفنا؟

***

د احمد عابر