مقاربات فنية وحضارية

جمال العتابي: الفنان عامر حسن.. الطبيب الجرّاح عاشق الألوان المائية

تعود الكتابة على الورق والنقش على الجدران والبردي بالألوان إلى آلاف السنين من تاريخ الإنسان، كما استخدمها الرهبان في مخطوطاتهم الخاصة، الفنان التشكيلي عامر حسن عرف أسرار "الصنعة" فكان في مقدمة الفنانين المتميزين في الرسم بالألوان المائية، قدّم عشرات الأعمال الفنية التي أعطت انطباعاً على موهبته في هذ الميدان، ومهارته العالية في رسم كل الموضوعات، مما أهّلته أن يتصدر قائمة الفنانين في رسم الطبيعة في الألوان المائية.

لعلّ ما ظل منظوراً من ذلك التاريخ الشخصي والتجربة الفنية الطويلة، ينبؤنا اليوم بأن الفنان عاش صادقاً مع نفسه، ومع الناس أجمعين. وصدق الفنان هذا ينبع من قناعة كاملة بأن الوحدة القائمة بين الرؤيا والعمل الفني راسخة أبداً ما دام اللون يحمل دفق عواطفه المستجيبة لكل منظور جميل يثير فيه هوى الفن، وهو لذلك يؤلف ـ بذاته وبفنه ـ وثيقة المرحلة التي اجتازها، وكأن لسان حاله يقول: أنا ما ضيعت شيئاً، بل ذهبت إلى الطبيعة لا بوصفها مشهداً جمالياً بل بوصفها هوية متجذّرة. في نخلة باسقة أرسمها، أو في ظلّ نخيل يغمر ضفاف الأنهار، أو في المشاهد اليومية العابرة. ويواصل القول: رأيت الدنيا بعين زمني، وما زلت أميناً لهذه النظرة حفيّاً بها حتى اليوم.2375 amer hasan

ولد عامر حسن في مدينة الكاظمية، المدينة التي تفيض بقدسية المكان، ودرامية الذاكرة، تأثّر بأجوائها ومواكبها ومشاهدها الحزينة، وبناياتها القديمة، وأزقّتها الضيقة، وشناشيلها التي تتنفس عبق التاريخ، كانت هذه الأجواء قد خلقت هوى لديه في اختيار دراسة الهندسة المعمارية بعد تخرجه من الدراسة الإعدادية بمعدل كان يؤهله القبول في كلية الطب. وجاءت نتائج القبول متطابقة لرغبته، بيد أنه رضخ أخيراً لرغبة الأهل في دراسة الطب، فانصرف إليها كلياً. باشر عمله الوظيفي في قرية، اختارها بعيدة على حافات أهوار الجنوب بعد تخرجه من الكلية، ربما بدافع من الحنين إلى الصفاء الأول للطبيعة، أو بحثاً عن العزلة التي تتيح له التأمل والرسم. تلك التجربة لم تستمر طويلاً لصعوبة العيش وقسوة الحياة في المنطقة، لكنها شكّلت المنبع الأعمق لأسلوبه في الرسم المائي لاحقاً، إذ لم تكن الطبيعة بالنسبة له موضوعاً للرسم فحسب، بل معلّماً ومعشوقاً ومختبراً يومياً للجمال.

بدأت حكاية الفنان عامر حسن مبكراً، في الصف الثاني الابتدائي حين لفتَ الصبي الصغير انتباه مُعلّمه جعفر الوردي، فطلب منه المشاركة في معرض المدرسة للرسم. فرسم عامر جنازة يصلي عليها المشيعون، في مشهد يفيض بالحزن. كانت حساسيته البصرية قد تولّدت هنا، في مشهد الموت والبكاء والجموع. تلك اللوحة الأولى التي نال عليها جائزة إدارة المرسة (علبة باستيل) كانت بمثابة الإعلان عن ولادة موهبة ستنمو بثبات مدهش.

كان والده نجاراً ماهراً، منه تعلم الصنعة، واكتسب دقة الحرفة وصرامة التكوين، أفادته لاحقاً في التعامل مع مادة الخشب كوسيلة للتعبير في نحت أعمال فنية كشفت عن ادراكه العميق للعناصر الجمالية في المادة والتكوين. في الإعدادية صقل موهبته أستاذ الرسم الفنان خليل الورد، فوجهه نحو الرؤية البنّاءة في التكوين والمنظور واللون.

اختار عامر الزيت في محاولاته الأولى في الرسم، لكنه وجد في الألوان المائية ما ينسجم مع روحه الحساسة، وما منحه قدراً كبيراً من العاطفة المشبوبة، يضيف إليها بصريات ريشة دقيقة ذات سحبات جريئة واثقة، ما يمكن أن يؤلف غنائياً، نسيج اللون التعبيري، وهو بهذا القدر من الحرية التقنية، وبجهده الصابر المتأني، يتيح لنفسه قدراً من المساحة الكافية بين أسماء فناني الطبيعة والألوان المائية، ويبتعد مسافات زمنية عن مادة (الزيت) التي كانت ترهقه كثيراً في الرسم على حد قوله. وجد في الألوان المائية وسيطاً أكثر صدقاً مع مزاجه ورهافة حسّه.2376 amer hasan

اللون لدى الفنان عامر يتحوّل إلى لغة بحد ذاته، ألوان الطين المضمّخة بضوء الشمس، الزرقة العميقة لسماء الصيف، والخضرة المائلة إلى صفرة تعبّر عن صيف طويل، كلها تشكّل معجمه البصري الخاص. وحديقة ألوانه البعيدة عن ضجّة المدن.

الألوان المائية لا تسامح، فهي لا تقبل التصحيح أو الإعادة، أي خطأ لوني يُفقد اللوحة عذوبتها وشفافيتها، ومع ذلك حقق عامر حسن توازنه مع هذا الأسلوب الصعب، لأنه يمتلك قدرات تقنية عالية، ومهارات لونية متقنة فكانت لمساته على السطح تحمل نقاء الضوء وصفاء المزاج. وهو مغرم بالتفاصيل، يهوى رسم سعفة نخل، أو رذاذ مطر على سطح الماء، هذه العناية الصبورة بالتفاصيل لا تأتي من ولعٍ بالمحاكاة، بل من رغبة في الإمساك باللحظة الخفية التي يتكامل فيها الضوء مع الملمس. مثلما يتعامل الطبيب الجراح مع الأنسجة والشعيرات الدموية بدقة وانتباه عال، كذلك يتعامل عامر مع اللون والماء كأنها جسد حي يتطلب العناية القصوى.

تعتمد قوة لوحاته على ذلك التوازن الحساس بين الواقعي والرمزي. فهو يرسم الطبيعة بوفاء لتفاصيلها، لكنه يضخ فيها ما يجعلها تفيض بالمعنى. الغيوم عنده ليست مجرّد تكوين فيزيائي، بل سحابة من الذاكرة؛ والنهر ليس مجرى ماء، بل سيرة حياة تتدفق بهدوء وأناة. بهذا التوظيف، يمنح المشهد الطبيعي بعداً إنسانياً، ويحوّل اللوحة إلى شهادة على الوجود.

في تجربته، يمكن أن نجد صدىً لتجارب رواد من الرسامين العراقيين، ملامح من شاعرية أكرم شكري التي كانت تحمل دوماً طابع التجريب، وخصيصة البحث عن الجديد، كان شكري قد تميز بغزارة نسيج اللون الدافئ، وتوازن كثافة اللوحة وملامسها التي توحد فضاء اللوحة وتحييها. وروح الفنان خالد الجادر في ايقاعاته اللونية، بل نلمح أثر عطا صبري في استيعاب المشهد المحلي بوصفه ذاكرة جمعية.

غير أن عامر حسن يختلف عن هؤلاء في أنه لم يتلقَّ تعليماً أكاديمياً فنياً، بل علّمَ نفسه بنفسه، معتمداً على موهبته الشخصية، وثقافته البصرية التي مرّنها بالتأمل والممارسة الطويلة. ما منح تجربته صدقاً حقيقياً في المضي بالتجربة حتى نهايتها.

إن فرادة تجربة عامر حسن تكمن في إخلاصه للمكان العراقي في زمن عزف فيه الكثيرون عن استلهامه، إما انسياقاً وراء مدارس غربية، أو انكفاءً إلى تجريد لا يمسّ الروح. أما هو فآثر أن يجعل الطبيعة العراقية موضوعه الأبدي، ناسجاً عبرها معادلاً بصرياً للهوية، ومؤسساً لحوار عميق بين المتلقي وأرضه. الطبيعة لديه ليست نموذجاً جمالياً فحسب، بل كائن حي يتنفس في أغلب أعماله: الأهوار، البساتين، القرى، الأنهار، شوارع بغداد بشناشيلها، كأنها تتناغم في نسق لون شفيف، يذكر أحياناً بتجارب الانطباعيين العالميين في الرسم.

نحن إزاء تجربة تشكيلية تعيد إلى المخيلة معنى الانتماء للمكان، وكأن الريشة هنا لا تكتفي بتمثيل الطبيعة بل تستحضر روحها. فلوحاته ليست مشاهد صامتة تُلتقط بعين باردة، بل هي مساحات نابضة بالحنين، بالضوء، وبالزمن العراقي وهو يتسرّب في حواف الألوان.. (العراق)، يطالعنا دائماً في أعمال عامر مستأثراً بالنظرة الصافية للمشهد الطبيعي وللإنسان معاً، استعادة الروح العراقية عبر الطبيعة. ظل متوازناً مع ذاته من دون مفارقات ولا مواقف دراماتيكية مفتعلة، ولا حتى محاولات فنية تهدم عالماً منظوراً ليشيد نقيضاً له.

تجاوزت تجربة عامر الحدود المحلية، إذ شارك في معارض شخصية وجماعية، داخل العراق، وخارجه، في الهند، وإيطاليا، وماليزيا، والصين، وجيكيا، وكوريا، في الأردن وتركيا، ونال جوائز تقديرية عديدة على تفرّده في الرسم المائي. ونظراً لما حققه من إنجازات فنية متميزة، أُختير رئيساً للجمعية العالمية للألوان المائية في العراق، وهي مسؤولية تؤكد مكانته في هذا الحقل الصعب، ومقدرته في تمثيل التجربة العراقية في المحافل الدولية .

***

د. جمال العتابي

 

في المثقف اليوم