قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
من أكثر المشاهد إيلامًا التي تستوقفنا اليوم، مشهدُ الطفل العراقي الذي يقضي شطرًا كبيرًا من طفولته في قارعة الطريق، بدلاً من أن ينعم بدفء أسرته ومقاعد دراسته بين أترابه؛ فهذا يبيع المناديل الورقية، وذاك يحمل قناني الماء، وآخر يترصد إشارات المرور ماسحًا زجاج المركبات، ومنهم من يعرض العلكة مستعطفًا المارة، ومستجديًا ما يسدّ به رمقه .
إنه مشهد مأساوي لا يجوز أن تعتاده أعيننا أو نمر به كأنه أمر طبيعي؛ فالطفل الذي يُفترض أن يحمل حقيبته متأبطًا كتابه نحو غدٍ واعد، بات ينوء بأحمال التجارة في الشوارع، هادرًا سنوات عمره الغضة بين أرصفة العابرين ومفارق الطرق.
ولا تكمن خطورة هذه الظاهرة في العوز المادي فسب، بل في آثارها النفسية والمسلكية التي تجتاح شخصية الطفل وتهدد مستقبله؛ فبقاؤه الطويل في الشارع، وتعامله مع الأخلاط من الغرباء، يخدش حياءه تدريجيًا، ويزهق ثقته بنفسه، وينتزعه من أجواء التعليم والبيئة الآمنة التي يحتاج إليها في سنواته التكوينية الأولى.
والإشكالية هنا لا تقع على عاتق الطفل؛ فهو ضحية لظروف أسرية واقتصادية واجتماعية قاهرة قذفت به إلى الرصيف، وإنما تكمن المعضلة في غياب المعالجات الجذرية لهذه الظروف. إن ترك الطفل لمثل هذا المصير لا يعني ضياع حاضره فحسب، بل يهدد مستقبل الأمة بأسرها؛ فطفل اليوم هو رجل الغد، ومن هنا يبرز السؤال الأهم: أي شخصية نريد أن نصنع؟ وأي مستقبل نهيئ لأطفالنا؟
إن الإجابة الحتمية تقودنا إلى "التربية"؛ فالتربية ليست مواعظ نلقيها، ولا زجرًا ينتهي بانتهاء الحديث، بل هي بناء هادئ متدرج للإنسان، ينطلق من الأسرة، ويتكامل في المدرسة، ويثمر في المجتمع، ليتحول إلى سلوك راسخ وشخصية قادرة على خوض غمار الحياة.
وفي قلب هذه المنظومة الاجتماعية المنهكة، تنهض الأسرة العراقية بمسؤولية جسيمة؛ فهي المحضن الأول الذي يتشرب فيه الطفل قيم المحبة، الاحترام، النظام، وحسن التعامل. لذا، فإن الحفاظ على الروابط المجتمعية، والسمعة الطيبة، والتفاهم المشترك بين الأبوين، هي الركائز الأساسية لنحت طفل متوازن يعرف حقوقه وواجباته، ويستشعر الأمان في كنف بيته.
فالطفل الذي يترعرع في أسرة متماسكة يجد أمامه بيئة خصبة تساعده على صياغة هويته. ومع انضباط الأب وحكمته في السلوك، وحنان الأم ورعايتها السابغة، وتشجيعهما المستمر له على الاستمرار في تحصيل العلم، يتولد لديه توازن دقيق بين الالتزام والشعور بالدعم والقبول.
وليس الانضباط سوطًا من القسوة، كما أن الحنان ليس مرادفًا للتدليل؛ فالطفل يحتاج إلى من يعلمه الثبات والمسؤولية، بمثل حاجته إلى من يغمره بالحب والتشجيع، وهذا التوازن هو ما يصنع منه إنسانًا واثقًا بقراراته، متفاعلاً مع محيطه بإيجابية.
ويتضاعف أثر هذه التربية حين تحافظ الأسرة على طقوسها اليومية؛ كأوقات السمر العائلي، والالتفاف حول مائدة الطعام، ومتابعة الواجبات المدرسية، والاحتفاء بالضيوف وإكرامهم. فهذه التفاصيل التي قد يحسبها البعض يسيرة، هي في جوهرها دروس عملية تغرس في نفس الطفل قيم النظام، الاحترام، وآداب السلوك العالي.
ومن رحم هذه التنشئة المتوازنة، يكتسب الطفل شخصية مستقرة في تفكيرها، رصينة في هدوئها، تظهر ثمارها جليًا في بيئته المدرسية؛ بدءًا من التزامه في الطابور الصباحي، وجلوسه على مقعده الدراسي، وصولاً إلى طريقة تلقيه الدرس، ومحاورته المعلم بأدب، وحسن رده وجوابه، وتعامله الراقي مع زملائه.
بل إن أثر التربية يتجلى في أدق التفاصيل؛ في نظافة هندامه، وأناقة مظهره، وحرصه على سلامة كتبه وصفه، وفي سلوكه المتزن أثناء اللهو واللعب. فالذي يتعلم احترام النظام في بيته، يحمل هذا السلوك معه كظله إلى مدرسته ومجتمعه.
وهنا يأتي دور المدرسة ليمد جسور التكامل مع الأسرة؛ فالمدارس ليست دورًا لتلقين المعلومات وحشو الأذهان، بل هي بيئات متكاملة لبناء الإنسان وتنمية ملكاته العقلية والنفسية. فالتعليم الحقيقي لا يُقاس بالكم المعرفي المحفوظ، بل بالقدرة على النقد، الحوار، الإبداع، وتحمل المسؤولية.
ولأجل هذا، فإننا بحاجة ماسة إلى خطوات إجرائية جادة، تنقل التربية من حيز التنظير إلى واقع التطبيق، وتجعل بناء الإنسان الركيزة الأولى في مشروعنا التعليمي والوطني، ومن أبرز هذه الخطوات
أولا – تأسيس معاهد متخصصة للطفولة: عبر السعي الجاد لايجاد مؤسسات تربوية تعنى ببناء شخصية الطفل وتنمية مواهبه بأساليب علمية تراعي المراحل العمرية المختلفة وتضمن له بيئة نمو آمنة
ثانياً: إطلاق ورش علمية تفاعلية: من خلال تنظيم ورش مبسطة وجاذبة تتوافق مع ميول الأطفال، تتيح لهم شغف الاكتشاف والتجريب، وتكسر جمود التلقين التقليدي المحصور بين دفتي الكتاب.
ثالثاً: تمكين اللغات العالمية منذ الصغر:
بالاهتمام بتعليم الطفل لغة ثانية في سنواته المبكرة؛ فاللغة نافذة معرفية يطل منها على العالم، وتثري ثقافته وتفتح أمامه آفاقًا مستقبلية أرحب.
رابعاً: إحياء الأنشطة الرياضية والفنية: بإعادة دروس الرسم، الموسيقى، والرياضة إلى صدارة العملية التعليمية؛ لما لها من أثر بالغ في صقل المواهب، تنمية الخيال، وتقوية الجسد، ترسيخًا للحكمة الخالدة: "العقل السليم في الجسم السليم".
خامساً: توثيق الشراكة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع: التربية مسؤولية تضامنية؛ فالأسرة لا يمكنها الانفراد بكل الأدوار، والمدرسة عاجزة عن سد كل الفراغات بمفردها، ومن ثمّ لا بد من تكامل حقيقي تذوب فيه المصالح الضيقة لحساب مصلحة الطفل ومستقبله
سادساً: إعادة أطفال الشوارع إلى مقاعد الدراسة:
وهذه هي الأولوية القصوى والأكثر إلحاحًا؛ فالطفل العامل في الشوارع مكانه الطبيعي هو قاعة الدرس في كنف بيئة تحميه. ومن واجب الدولة والمجتمع توفير الدعم المالي والاجتماعي لتمكين الأسر المعوزة من استعادة حقوق أطفالها في طفولة آمنة وكريمة.
إن هذه الخطوات لن تؤتي أكلها إلا بإصلاح شامل يتناول المناهج الدراسية، وصياغة إعلام هادف يخاطب عقل الطفل ووجدانه، بالتوازي مع الدعم الاقتصادي للأسر؛ فالتربية منظومة متكاملة تتضافر فيها كل جهود الدولة والمجتمع والمنصات الإعلامية.
نحن بحاجة إلى تعليم لا يقتصر على تفريخ طلبة يحفظون لينجحوا في الاختبارات، بل نتوق إلى صناعة إنسان يحسن التفكير، ويتقن الحوار، ويحترم الآخر، ويكون عنصرًا فاعلاً في نهضة وطنه.
ولعل الكثير من مظاهر الخلل المشهودة في واقعنا اليوم؛ من استسهال إلقاء النفايات، إلى الغش، والقيادة المتهورة، واختراق الأنظمة، والتجاوز على الحقوق العامة، ما هي إلا انعكاسات سلوكية لتراكمات الخلل الذي أصاب منظومة القيم. وإصلاح السلوك -بلا ريب- يبدأ من إصلاح الإنسان، وإصلاح الإنسان بوابته التربية
ومع ذلك، فإن الأمل يبقى مشرعًا؛ فالإنسان العراقي يختزن طاقات هائلة من الذكاء، والقدرة الفذة على التضامن في الملمات، وتجاوز المحن متى ما استنهضت دوافعه الأصيلة. وهذه الثروة البشرية تحتاج إلى مشروع تربوي وطني شامل، يعيد للمجتمع توازنه، وللإنسان بوصلته الأخلاقية، وللوطن وجهه الحضاري المشرق الذي يليق بتاريخه وعمقه الإنساني.
فالتربية ليست درسًا يُملى، بل هي سلوك يُرى، وقدوة تُحتذى، وكلمة طيبة تحفر مجراها في ذاكرة الطفل طوال العمر. وما يزرعه الآباء والمعلمون في نفوس الصغار اليوم، سنحصده غدًا في أمانتهم، وإخلاصهم في العمل، وعمق انتمائهم لوطنهم.
إن الاستثمار الحقيقي والأنفع ليس في تشييد الحجر والمشروعات المادية وحدها، بل في بناء الإنسان الذي سيحمل راية الغد؛ فإذا أحسنّا تربية جيلنا اليوم، فإننا لا نصنع فردًا صالحًا فحسب، بل نؤسس لأسرة متماسكة، ومجتمع واعٍ، ووطن شامخ قادر على النهوض والريادة.
وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا
*
صَلاحُ أَمْرِكَ لِلأَخْلاقِ مَرْجِعُهُ
فَقَوِّمِ النَّفْسَ بِالأَخْلاقِ تَسْتَقِمِ
***
بقلم: صبيح الكعبي








