يعيش الإنسان المعاصر في عصر غير مسبوق من حيث التقدم العلمي والتكنولوجي والرفاهية المادية. فقد استطاع أن يغزو الفضاء، ويفك شفرات الجينات، ويختصر المسافات بوسائل الاتصال الحديثة، حتى بدا وكأن الإنسان أصبح قادرا على تحقيق كل شيء. ومع ذلك، فإن هذا التقدم الهائل لم ينه حالة القلق والضياع التي يعيشها كثير من الناس، بل ربما زادها عمقا. فكلما ازداد الإنسان امتلاكا للأشياء، بدا وكأنه يفتقد المعنى أكثر فأكثر.
لقد أصبحت المجتمعات الحديثة تميل بصورة متزايدة نحو المادية والاستهلاك، حيث تقاس قيمة الإنسان بما يملك لا بما هو عليه، وبنجاحه المهني لا بعمق إنسانيته. وأمام هذا الواقع يطرح سؤال جوهري نفسه: هل يمكن للإنسان أن يعيش بلا إيمان؟
قد يعتقد البعض أن الإنسان يستطيع الاستغناء عن الإيمان، لكن الحقيقة أن الإنسان بطبيعته كائن مؤمن. فإذا لم يؤمن بالله، فإنه سيؤمن بشيء آخر. فقد يؤمن بالمال، أو السلطة أو الشهرة أو العلم أو حتى بذاته. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون معنى يمنحه الاتجاه والرجاء. ولهذا نرى أن كثيرا من الناس الذين امتلكوا المال والنجاح والشهرة ما زالوا يشعرون بالفراغ الداخلي، لأن الحاجات المادية وحدها لا تشبع أعماق الإنسان.
إن الإيمان لا يقتصر على الممارسات الدينية أو الطقوس، بل هو قبل كل شيء علاقة حية مع الله تمنح الإنسان معنى لحياته وتساعده على مواجهة الألم والخوف والموت. فالإيمان لا يلغي الأسئلة ولا يزيل المعاناة، لكنه يمنح الإنسان القوة ليتجاوزها ويعيشها برجاء.
وفي قلب هذه العلاقة مع الله تأتي الصلاة، التي كثيرا ما يساء فهمها. فالبعض يتعامل مع الصلاة وكأنها وسيلة لإقناع الله بتغيير قراراته أو تحقيق رغباتنا الخاصة. لكن هل نصلي لنغير الله أم ليتغير الإنسان؟
الله لا يحتاج إلى أن يتغير، لأنه ثابت في محبته ورحمته. أما الإنسان فهو الذي يحتاج إلى التغيير. فالصلاة الحقيقية ليست محاولة لتبديل إرادة الله، بل هي انفتاح على إرادته. وعندما يصلي الإنسان بصدق، فإنه لا يغير قلب الله بقدر ما يسمح لله بأن يغير قلبه هو.
كم من إنسان دخل إلى الصلاة وهو غاضب فخرج أكثر سلاما، وكم من شخص حمل في قلبه الخوف واليأس ثم وجد في الصلاة قوة جديدة لمواصلة الطريق. فالصلاة لا تغير الظروف دائما، لكنها كثيرا ما تغير نظرتنا إلى الظروف. وهي لا تزيل الصليب بالضرورة، لكنها تمنحنا القدرة على حمله.
إن المجتمع المعاصر بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة البعد الروحي للحياة. فالتكنولوجيا وحدها لا تستطيع أن تمنح الإنسان السلام الداخلي، والمال لا يستطيع أن يشتري المحبة، والنجاح لا يضمن السعادة. فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضا إلى الرجاء والمعنى والمحبة.
لقد نجح الإنسان المعاصر في تغيير العالم من حوله، لكنه ما زال مدعوا إلى تغيير العالم الذي بداخله. وهنا يكمن دور الإيمان والصلاة، ليس كوسيلة للهروب من الواقع، بل كقوة تدفع الإنسان إلى عيش واقعه بوعي أكبر ومحبة أعمق ورجاء لا ينطفئ.
وفي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يعيش سنوات طويلة بعيدا عن الله، لكنه سيبقى يبحث في أعماقه عن معنى يتجاوز المادة، وعن سلام لا تمنحه الأشياء، وعن محبة لا تنتهي. لأن قلب الإنسان، مهما ابتعد، يبقى متعطشا إلى المطلق، ويبقى الإيمان أحد أعمق تعبيرات الإنسان عن بحثه الدائم عن الحقيقة والمعنى.
***
د. عامر ملوكا
رئيس تحرير مجلة بابلون الصادرة في ملبورن








