عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

نظرتنا الى شَعر العانة وموقفنا تجاه الجنس عبر التاريخ

بقلم: جودي ويرنج

ترجمة: د.محمد عبد الحليم غنيم

***

جودي ويرنج تستكشف تغيّر الأفكار والتصورات حول أجساد النساء عبر العصور والثقافات

***

من الواضح أن الشعر المحيط بالأعضاء التناسلية مرتبط بالجنس. فقد عدّ الشعر الطبيعي الكثيف في منطقة العانة لدى النساء مثيرًا في فترات زمنية مختلفة، ولم يقتصر ذلك على حقبة السبعينيات فحسب؛ إذ يتردد صدى الاحتفاء به عبر التاريخ في الفنون والأدب وحتى في الكتابات الجدارية. ففي مدينة بومبي، دوّن أحد الرومان على جدارٍ رأيًا فجًا مفاده أن "الفرج المشعر" أفضل من الأملس، معللاً ذلك بأنه "يحتفظ بالدفء وينشّط العضو". ويرى شعب التيڤ في نيجيريا أن شعر العانة جذاب وويزداد جمالا كلما كان أكثر كثافة، حتى إنهم نظموا قصائد زفاف تتغنى به. وبالمثل، يعتبر شعب الكوما في بابوا غينيا الجديدة أن شعر العانة "الأكثر كثافة وغزارة" هو علامة من علامات الجمال الأنثوي. وفي الأدب، نجد "فينوس" عند شكسبير تغوي "أدونيس" بما وصفته بـ"عشب الجسد العذب" و"السهل المرتفع والمبهج"، بينما تصف شخصية "فاني هيل" (بطلة رواية إباحية من القرن الثامن عشر) شعر العانة لدى زميلة لها في المهنة بأنه "الظل الداكن لطحلب الأغصان الزغبي الذي يعلوه، ليضفي على فخامة المشهد دفئاً مؤثراً ولمسة نهائية رقيقة".

من الناحية التاريخية، غالبًا ما اعتُبر شعر العانة لدى المرأة مثيرًا، وذلك ببساطة لارتباطه الوثيق بالجنس. علاوة على ذلك، قد يشير وجود غطاءٍ كثيفٍ من الشعر في تلك المنطقة إلى وجود "نارٍ متقدة" في الداخل؛ فبما أن هرموني التستوستيرون والإستروجين هما المسؤولان عن نمو شعر العانة، فإن المرأة التي تتمتع بكثافة في هذا الشعر قد تكون أيضًا ذات مستوياتٍ وافرة من الهرمونات الجنسية، وما يصاحب ذلك من رغبةٍ جنسيةٍ قوية. في ظل ثقافة تتسم بالانفتاح الجنسي، يبدو أن شعر العانة هو الشيء الوحيد الذي ينبغي أن يظل طي الكتمان.

ولعل لقب "الأكثر هوساً بشعر العانة" يذهب بجدارة إلى طبقة النبلاء في إنجلترا واسكتلندا خلال القرن الثامن عشر؛ فقد كانوا يجمعون خصلات من شعر العانة احتفاءً بمغامراتهم الجنسية. كانت العشيقات يقدمن لعشاقهن هذه التذكارات داخل قلادات، بينما كان الرجال يجمعونها أو يضعونها داخل قبعاتهم. بل إن الملك تشارلز الثاني ذهب إلى أبعد من ذلك؛ إذ ابتكر طريقة فريدة لجمع وعرض خصلات شعر عشيقاته، حيث صنع منها شعراً مستعاراً (باروكة)، كان يضيف إليه خصلات جديدة كلما زادت مغامراته العاطفية، في محاكاة ساخرة لقبعات الفرو التي كانت شائعة آنذاك.3381 hary

لقد اختبرتُ بنفسي قدرة شعر العانة على إثارة الغرائز حين كنت طالبة دراسات عليا في أكسفورد؛ إذ كنت أجري استطلاعاً بريئاً بين علماء الأحياء حول آرائهم بشأن سبب وجود شعر العانة لدى البشر. وبينما كنت أجلس مع أحد الأساتذة في مكتبته على كرسيين ذوي مسندين عاليين نتناقش حول هذا الموضوع، وفي يدي علبة بسكويت وعصير في اليد الأخرى، فجأة قفز الأستاذ نحوي، ووضع رأسه في حجري، وقال باندفاع: "كل هذا الحديث عن شعر العانة... لا أستطيع التوقف عن التفكير في شعركِ أنتِ". كان رأسه يحوم فوق ذلك "الموضوع" مباشرة، بينما انسكب عصير التفاح على معصمي، وسقطت قطعة بسكويت على الأرض محدثة صوتاً خافتاً. أدرك الأستاذ من تعبيرات وجهي أنني أرفض تصرفه، فتراجع. سارعتُ بالخروج من المكان، وقد انتابني اضطراب شديد.

سلطت هذه الواقعة المزعجة الضوء على سطوة بيولوجيتنا؛ فحتى العلماء قد يعجزون عن الحفاظ على رصانتهم الأكاديمية. ومن هنا، تداخلت المشاعر مع اهتماماتي العلمية؛ فلم أعد قادرة على تخيل نفسي ألقي محاضرة علمية حول شعر العانة أمام نخبة من علماء الأحياء المرموقين، ولا حتى تخيل القيام بذلك دون رغبة عارمة في الاختباء خلف منصة ضخمة. توقفتُ عن الحديث علناً عن شعر العانة، ووضعتُ الأوراق البحثية التي جمعتها في ملف ورقي كتبتُ عليه "شخصي". ظلت الأوراق هناك لعقود، حتى شعرتُ بأنني مستعدة لمواجهة حقيقة كوننا كائنات حيوانية. في تفكيري الساذج آنذاك، عزوتُ تصرف ذلك الأستاذ إلى قوة تأثير تكويني الجسدي؛ تماماً كالمؤخرة الحمراء الجذابة لدى القردة. قد يكون الحديث عن شعر العانة أمراً شائكاً، سواء على مستوى الأفراد أو المجتمعات؛ فحتى يومنا هذا، لا أنا ولا أصدقائي نتطرق إلى هذا الموضوع بشكل صريح، وربما أنت أيضاً لا تفعل ذلك.

لقد أدى الشعور بعدم الارتياح تجاه شعر العانة إلى ظهور رؤى ثقافية مناقضة؛ إذ لم يُنظر إليه دائماً كـ "حديقة جميلة"، بل اعتُبر في بعض الأحيان تذكيراً مقززاً بطبيعتنا الحيوانية. ففي السنوات التي سبقت الثورة الفرنسية، ارتبط وجود كثافة في هذا الموضع بالانحلال الأخلاقي الصارخ. وقد تعرضت ماري أنطوانيت لحملة دعائية شرسة، تضمنت توزيعاً واسعًا لمنشورات إباحية تُصورها وهي تمارس أفعالاً مبتذلة، ظهر في بعضها شعر العانة؛ فقد كان وجود الشعر في تلك المنطقة يتناقض تماماً مع معايير الجمال والذوق الرفيع السائدة في ذلك الوقت.

في الآونة الأخيرة، يكشف التاريخ المعقد للأعراف الجنسية في اليابان كيف يمكن للقلق بشأن شعر العانة أن يتخذ أشكالاً ملتوية ومثيرة للدهشة. فتقاليد "الشنتو" تحتفي بالأعضاء التناسلية وملذاتها بكل تفاصيلها الطبيعية، بما في ذلك وجود الشعر. لكن في عام 1907، سُنَّ قانون ياباني يجرّم توزيع أو بيع أو عرض الكتابات والصور والأشياء التي تُعد "خادشة للحياء". ومع إقرار حرية التعبير كحق للمواطنين في عام 1947، ظل قانون "الخدش بالحياء" قائماً، لكنه تحول ليصبح مطاطياً ومتساهلا يشمل كل شيء تقريباً، باستثناء شعر العانة. وطوال جزء كبير من القرن العشرين، حظرت الدولة إظهار شعر العانة في الصور، مما خلق مفارقة غريبة؛ إذ توضح عالمة الأنثروبولوجيا "آن أليسون" أن "تمثيل شعر العانة في الوسائط البصرية... هو ما يحدد مفهوم الخدش بالحياء، ويُعدُّ انتهاكاً للأعراف الجنسية" لدى المجتمع الياباني. ويحدث هذا في بلد تظهر فيه صور لنساء عاريات في المجلات الإخبارية، وتُعرض أثداء عارية في الإعلانات العامة، وتُبث مشاهد اغتصاب وعري على شاشات التلفزيون، وتُباع وتُقرأ علناً قصص مصورة تتضمن ممارسات سادية/مازوخية.

وفي سياقٍ مشابه في أمريكا الشمالية، تجنّب فيلم الرسوم المتحركة «حفلة النقانق» (Sausage Party) الصادر عام 2016 الحصول على تصنيف (للكبار فقط) من قِبل «جمعية الفيلم الأمريكي» وذلك بعد استجابته لطلب الجمعية بإزالة الشعر من منطقة كيس الصفن لدى شخصية «خبز البيتا». وفي المقابل، لم تجد الجمعية أي مشكلة في احتواء الفيلم على مشاهد (عربدة) بين مواد غذائية، تضمن ممارسات جنسية شرجية وفموية.

يبدو أن شعر العانة هو العنصر الوحيد الذي يجب أن يظل "خاصاً" في ظل ثقافة تتسم بالانفتاح الجنسي؛ فقد يكون وجوده أمراً مقبولاً، لكن هناك عرف اجتماعي يفرض عدم إظهاره أبداً. فبينما يُعد كشف الجلد العاري في منطقة العانة أمراً مقبولاً في الأماكن العامة، فإنه من غير المقبول تماماً ارتداء ملابس سباحة "مكسوة بالشعر". وبذلك، يظل شعر العانة هو الجزء الأكثر خصوصية، وهو ما يتماشى مع دوره في الحياة الجنسية.

ومن ثم فإن الأعضاء التناسلية الخالية من الشعر تُعتبر أعضاءً "طاهرة"، وغير مخجلة، وفي حالتها الأصلية؛ فهي تبدو كما كانت عليه قبل ظهور الثعبان في جنة عدن، وقبل نشوء الشهوة والروائح الكريهة، وقبل الخطيئة. في إطار التعامل مع دلالات شعر العانة الجنسية، ذهبت تقاليد عديدة عبر التاريخ إلى أبعد من مجرد المطالبة بإخفائه، إذ طالبت بإزالته تماماً. ففي سياق السعي نحو النقاء الروحي، تُعد إزالة شعر العانة في بعض الثقافات محاولةً لمحو طبيعتنا الجنسية. فعندما كان الكهنة المصريون أو المبتدئون في سلك كهنوت اللاويين يزيلون شعر أجسادهم، كان ذلك يشمل أيضاً شعر العانة. وفي كتاب "صحيح البخاري" يُشار إلى أن من "الفطرة" إزالة شعر العانة، وذلك لكل من الرجال والنساء المسلمين. ولإزالة الشعر تاريخ طويل في المجتمعات الإسلامية؛ إذ تعود وصفات كريمات إزالة الشعر إلى القرن التاسع الميلادي على الأقل. وفي وقتنا الحاضر، يستخدم بعض المسلمين مزيجاً من السكر والماء وعصير الليمون لإزالة الشعر، وهو مزيج يتميز برائحة زكية.

كنت أعتقد سابقاً أن الجسد الأنثوي العاري في الفن الغربي يُصوَّر دائماً بمنطقة عانة ملساء (خالية من الشعر)، لكن الاطلاع على بعض كتب تاريخ الفن صحح لي هذا المفهوم. ففي بعض الأعمال، يظهر الشعر بوضوح، بينما في أعمال أخرى، تُغطى الأعضاء التناسلية الأنثوية بالظلال أو لا تظهر على الإطلاق، تماشياً مع المحظورات المتعلقة بالجنس. ومع ذلك، توجد أعمال تُظهر اهتماماً صريحاً بتصوير منطقة العانة خالية من الشعر؛ فعلى سبيل المثال، يضم نقشٌ يعود إلى أوائل القرن السادس عشر للفنان الألماني بارتل بيهام صورة لامرأة ناضجة في حمام عام، وهي تجلس بساقين متباعدتين أمام الناظر، بينما تظهر أدوات نتف الشعر داخل وعاء معلق على الجدار.

وقد بحث مؤرخ الفن يوهانس إندريس في دلالات تصوير الأعضاء التناسلية خلال عصر التنوير في القرن الثامن عشر، وهي فترة شهدت استحضاراً لنمط التماثيل الرخامية العارية في اليونان القديمة. ففي كلتا الحقبتين، كانت الأعضاء الذكرية في الأعمال الفنية تظهر محاطة بالشعر، بينما بدت الأعضاء الأنثوية ملساء تماماً. ويرى إندريس أن الفنانين اليونانيين ومن تبعهم من الفنانين الأوروبيين لم يكونوا يصورون ممارسات فعلية أو مثالية للعناية بالجسم، بل كانوا يعبرون عن فلسفة جمالية؛ إذ ينقل عن دينيس ديدرو، أحد أبرز شخصيات عصر التنوير، قوله إن منطقة العانة الأنثوية العارية تتمتع بجمال خاص، وتزداد جمالاً بفضل خطوطها وتضاريسها. ويرى ديدرو أن الذكور احتفظوا بـ "كسوتهم الطبيعية"؛ فلو أُزيل الشعر فى تلك المناطق، لبدت أعضاؤهم أشبه بأمعاء دقيقة، أو دودة منفّرة.

ويربط إندريس بين شعر العانة وعملية إزالته وبين «السقوط» أو الخطيئة الأولى. ففي الفكر التنويري، كان الشعر يُعدّ بمثابة لباس، وكان الشعور بالخجل يستدعي تغطية الأعضاء التناسلية. وبناءً عليه، فإن الأعضاء التناسلية الخالية من الشعر هي أعضاء «طاهرة»، خالية من الخجل، وفي حالتها الأصلية؛ أي كما كانت عليه قبل ظهور الثعبان في جنة عدن، وقبل نشوء الشهوة والروائح الكريهة، وقبل وقوع الخطيئة.

يطرح الكاتب الكندي من السكان الأصليين، درو هايدن تايلور، رأيا مختلف للارتباط بين شعر العانة الطبيعي وجنة عدن. وبحكمة،وربما بنبرة يمتزج فيها الجد بالمزاح، يشير تايلور إلى أن الممارسات الجنسية الطبيعية، وما يصاحبها من وجود طبيعي لشعر العانة، لا تزال شائعة بين الشعوب الأصلية؛ لأنهم، ببساطة، لم يغادروا جنة عدن قط.

إن هذه الآراء المتباينة حول دلالات شعر العانة، ولا سيما شعر العانة لدى النساء، تدفعني للتساؤل عما قد يكمن في أعماق النفس البشرية، ويدفع جموعاً غفيرة من النساء، عبر العصور، إلى نتف شعر العانة أو إزالته بالشمع أو كيه.

***

........................

* من كتاب "قلق وشعر كثيف: تطور وثقافة شعر الإنسان" للكاتبة الكندية جودي ويرنج.

- الكاتبة: جودي ويرنج/ Judy Wearing/ جودي ويرنج خبيرة تربوية وكاتبة حاصلة على دكتوراه في علم الأحياء التطوري ودكتوراه ثانية في التربية. عملت كمطورة مناهج، وأستاذة مساعدة، ومطورة منتجات في مجال النشر التعليمي، ومديرة في منظمات تعليمية، ومدربة لطلاب الدكتوراه. عُرض كتابها "بيانو إديسون الخرساني: الدبابات الطائرة، والأغنام ذات الحلمات الست، وأحذية المشي على الماء، و12 فشلاً آخر لمخترعين عظماء" على إذاعة سي بي سي وقناة ديسكفري. تقيم في جويلف، أونتاريو.كندا.

 

في المثقف اليوم