عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: التلميذ بين ضمير المعلم ووفرة المال في التعليم الأهلي

حنين إلى مجانية التعليم

تأبَّط التلميذ حقيبته صباحًا، وانطلق نحو مدرسته، يحمل أحلام الطفولة وآمال المستقبل، راغبًا في اكتساب العلم وفهم الحياة والتفاعل مع أقرانه. لكنه ما إن يدخل صفَّه حتى يجد نفسه محاصرًا بعشرات التلاميذ، في مساحة ضيقة ومقاعد لا تتناسب مع أعدادهم، وسط ضجيج يصعب معه استيعاب شرح المعلم والتركيز في الدرس. وحين يدق الجرس، يتسابق الصغار إلى مرافق صحية قد تفتقر إلى الماء والنظافة، في مشهد يطرح تساؤلات عن أبسط حقوق الطفل داخل مؤسسته التعليمية.

ولا تقف المعاناة عند هذا الحد؛ فبعض التلاميذ يذهبون إلى مدارسهم من دون اكتمال الكتب والقرطاسية والمستلزمات الدراسية، فيما تعاني مدارس أخرى نقصًا في الكوادر التعليمية وأصحاب الخبرة. وهكذا يصبح الوصول إلى المعرفة رحلة محفوفة بالعقبات، بدلًا من أن يكون بداية آمنة لبناء الشخصية وتنمية القدرات .

وفي مقابل هذا الواقع، تستحضر الذاكرة التربوية مرحلة ارتبطت فيها مجانية التعليم بتخفيف أعباء الدراسة عن الأسرة. ويتذكر بعض أبناء تلك المرحلة صورًا من الرعاية المدرسية، منها تقديم الفطور الصباحي بإشراف إدارة المدرسة وهيئة تعليمية وكادر مخصص لهذا الغرض. وتستحق هذه التجارب التوثيق التاريخي، لا لمجرد الحنين إلى الماضي، بل لاستلهام ما يمكن أن يعيد للمدرسة دورها التربوي والإنساني، ويعزز شعور الأسرة بأن تعليم أبنائها مسؤولية تشاركها الدولة.

أما اليوم، فتتحمل أسر كثيرة نفقات متزايدة تشمل الملابس والكتب والقرطاسية والنقل، فضلًا عن الدروس الخصوصية والتبرعات المتكررة. وقد تستهلك بعض الاحتفالات والأنشطة المدرسية وقتًا من الحصص الدراسية، إذا لم تُنظَّم بما ينسجم مع الأهداف التعليمية. ومع ارتفاع متطلبات الحياة ومحدودية الدخل، تتحول الدراسة لدى بعض الأسر إلى عبء مالي متواصل، يثقل كاهل رب الأسرة ويضعه أمام خيارات صعبة.

ولا تكتمل صورة التعليم من دون الوقوف عند ضمير المعلم؛ فهو ليس ناقلًا للمعلومات فحسب، بل صاحب رسالة تتجلى في قدرته على تبسيط المادة وتعميق الفهم ومراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ. غير أن لجوء بعض الأسر إلى الدروس الخصوصية يثير تساؤلًا مشروعًا: هل يعود ضعف الاستيعاب إلى أسلوب الشرح، أم اكتظاظ الصفوف، أم عدم متابعة التلميذ، أم تفاوت قدراته؟ والإنصاف يقتضي تشخيص الأسباب قبل إصدار الأحكام؛ فالمعلم المخلص يستحق الدعم والتقدير، والتلميذ يحتاج إلى المتابعة والتشجيع، والإدارة مطالبة بمعالجة مواطن الخلل. أما إذا أصبحت الدروس الخصوصية ضرورة لفهم ما يُدرَّس داخل المدرسة، فإن ذلك يستدعي مراجعة جادة لجودة التعليم، حتى لا تتحول قدرة الأسرة على الدفع إلى عامل يحدد مستوى أبنائها الدراسي.

وفي هذا السياق، تتجه أسر قادرة ماليًا إلى المدارس الأهلية، بحثًا عن بيئة تعليمية أفضل، لكنها تتحمل تكاليف قد تستنزف جانبًا كبيرًا من دخلها. وليس من الإنصاف تعميم الحكم على المدارس الحكومية أو الأهلية؛ فمستوى الأداء يختلف من مؤسسة إلى أخرى، والمعيار الحقيقي هو جودة التعليم وكفاءة المعلم والرعاية التي يتلقاها التلميذ. غير أن تفاوت قدرة الأسر على الإنفاق يظل مصدر قلق، إذا أدى إلى تفاوت فرص التعلم بين أبناء الوطن الواحد.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى الخطوات التي تحققت لمعالجة نقص الأبنية المدرسية، وفي مقدمتها المشروع العراقي–الصيني لبناء ألف مدرسة نموذجية في مختلف المحافظات. ففي 23 تشرين الثاني 2024، أُعلن افتتاح 790 مدرسة ضمن المشروع، ثم أُعلن في 5 نيسان 2025 إنجاز المشروع وافتتاح مدارس إضافية. وقد استهدف هذا الجهد تخفيف الاكتظاظ والحد من الدوام الثلاثي، وتوفير بيئة مدرسية أكثر ملاءمة للتلاميذ. وتمثل هذه الخطوة جانبًا مهمًا من معالجة الأزمة، لكنها تحتاج إلى أن تتكامل مع توفير المستلزمات والكوادر المؤهلة وتحسين طرائق التدريس؛ فبناء المدرسة يعالج جانبًا من المشكلة، أما نجاحها الحقيقي فيُقاس بما يتلقاه التلميذ داخل صفها من علم وفهم ورعاية.

ومن هنا، تقع على الدولة مسؤولية مواصلة تطوير المدرسة الحكومية، ومعالجة الاكتظاظ حيثما بقي، وتأهيل المرافق الصحية، وتوفير الكتب والقرطاسية، ودعم المعلمين وتحسين ظروف عملهم، ومراقبة الإنفاق المدرسي، وتنظيم الأنشطة بما يحفظ زمن التعلم. كما ينبغي إخضاع المؤسسات التعليمية لمعايير واضحة للجودة والمساءلة، تضمن حق التلميذ في تعليم جيد، بصرف النظر عن الإمكانات المالية لأسرته.

إن بناء المواطن لا يبدأ عند التخرج، بل من مقعد الدراسة الأول؛ حين يتعلم الطفل احترام النظام، والتعاون مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، والإيمان بالعدل وتكافؤ الفرص. فكيف ننتظر جيلًا يؤمن بالمواطنة والانتماء، إذا شعر منذ طفولته بأن جودة تعليمه تتحدد بما تملكه أسرته من مال؟

إن المدرسة ليست جدرانًا وسبورة وجرسًا، بل هي مصنع الإنسان وضمير المجتمع. وإذا أردنا عراقًا ينهض بأبنائه، فعلينا أن نعيد للتعليم مكانته، وللمعلم رسالته، وللتلميذ حقه، حتى لا يصبح المستقبل امتيازًا لمن يستطيع دفع ثمنه، بل فرصة عادلة لكل طفل عراقي.

***

بقلم: صبيح الكعبي

............................

المصادر

1- وكالة الأنباء العراقية (واع)، «السوداني يفتتح 790 مدرسة نموذجية في عموم المحافظات»، 23 تشرين الثاني 2024.

2- وكالة الأنباء العراقية (واع)، «التربية: مشروع الـ1000 مدرسة الأول من نوعه وسيقلل من تحديات الواقع التربوي»، 5 نيسان 2025.

في المثقف اليوم