قضى الإنسان قروناً طويلة وهو يناضل من أجل امتلاك حرية الاختيار، معتبراً الانعتاق من ضيق البدائل وشحّها ذروة الانتصار البشري؛ غير أن المفارقة الصارخة التي يواجهها إنسان اليوم تكمن في أن هذا الفوز استحال قيداً من نوع آخر. نحن نعيش في عصر الوفرة المفرطة، حيث تتدفق المسارات اللانهائية في كل تفاصيل الوجود، من مئات التخصصات المهنية والمهارات الرقمية، إلى آلاف الكتب والمواد المعرفية المتاحة بلمسة زر. ولم تعد الأزمة المعاصرة كامنة في غياب الفرصة، بل في فيضانها الذي تحول من ميزة تحررية إلى زنزانة نفسية تؤرق العقل. إن هذا التدفق لم يمنح المرء السلام، بل ولّد داخله قلقاً مزمناً يُعرف في علم النفس بـ "الشلل التحليلي"، حيث يقضي الفرد وقتاً في تمحيص البدائل والمقارنة بينها أطول بكثير من الوقت الذي يقضيه في السعي الفعلي والاستفادة منها، مدفوعاً بخوف دائم من أن انتقاءه الحالي يعني تضييع فرصة أخرى قد تكون أكثر مثالية
ويتجلى هذا الفخ الفكري بوضوح في تحول الخيارات إلى عبء ذهني يستنزف طاقة القرار اليومية؛ فكثرة النوافذ المفتوحة ترفع سقف التوقعات بشكل غير واقعي، مما يجعل المرء عاجزاً عن الرضا بما استقر بين يديه. وحين يجد الشخص نفسه محاطاً باتجاهات لا حصر لها، يتسلل إليه وهم القدرة على نيل كل شيء، فيتنقل بين البدايات دون أن يبلغ أي نهاية، ويموت عطشاً على ضفاف بحر من المعرفة والفرص. وتكمن العلة هنا في غياب الفلترة الذهنية وتشتت البوصلة، حيث يظن العقل أن مراكمة الخيارات تزيد من قوته، في حين أنها تعمق شتاته وتورثه شعوراً خفياً بالتقصير؛ فالإنسان المعاصر بات يجلد ذاته باستمرار، لاعتقاده أن وجود آلاف الطرق الممهدة أمامه يعني أن تعثره هو خطأ شخصي محض، غافلاً عن أن طاقته البشرية وعمره يظلان محدودين مهما اتسعت شاشات العرض من حوله.
هذه المعضلة الوجودية تختصرها تجربة سارة (31 عاماً، مصممة جرافيك) التي تقول إنها أمضت ثلاث سنوات وهي تتنقل بين عشرات البرامج التدريبية والمهارات الجديدة في ذكاء الآلة، وفي كل مرة تبدأ مساراً، تتركه سريعاً لشعورها بأن هناك دليلاً آخر أفضل وأكثر ربحية. وتضيف سارة بصوت هادئ أن هذا السيل لم يطورها، بل جعلها تقف في مكانها غارقة في التشتت، واكتشفت أخيراً أن رغبتها في الإحاطة بكل شيء انتهت بها إلى ألا تتقن أي شيء، وأن المشكلة لم تكن في قلة الشغف، بل في عدم قدرتها على إغلاق الأبواب الأخرى والتركيز على وجهة واحدة .
إن مأساة سارة تؤكد أن النجاة الفكرية في عصر الوفرة لا تبدأ من الجري وراء المزيد، بل من تبني فلسفة "التنازل الذكي" والرضا بالخيار المتاح؛ فالوعي الإنساني الناضج يتطلب إدراكاً حتمياً بأن السير في طريق ما يتضمن بالضرورة التضحية بالاتجاهات الأخرى، وأن هذه التضحية هي الثمن الطبيعي للعمق والإنجاز. ويستلزم هذا النضج فرض ما يمكن تسميته بـ "الحجر الصحي للأفكار"، عبر تقليص البدائل عمداً والاكتفاء بمسار واحد يُعطى له كامل الوقت والجهد حتى يؤتي ثماره. وهو ما بدأت سارة في تطبيقه بالفعل حين قررت إغلاق كافة المنصات والتركيز على مهارة واحدة لستة أشهر كاملة، معترفة بأن التوقف عن البحث عن الخيار الأفضل حرر عقلها من قلق المقارنة، وأعاد لقدميها القدرة على السير بثبات فوق أرض الواقع بدلاً من التخبط في سراب العالم الافتراضي .
في نهاية المطاف، ليست الحرية في أن تملك خيارات لا تنتهي، بل في القدرة على التزام مسار محدد والمضي فيه حتى النهاية. إن الاستسلام لدوامة الوفرة هو انتحار فكري هادئ، يجعلنا نعيش على هامش الحياة دون أن نترك بصمة حقيقية في أي مجال. تذكر دائماً أن بحراً بعمق شبر واحد لن يصنع منك غواصاً مهما اتسعت مساحته؛ فافتح دفاتر طموحاتك الآن، واختزل تطلعاتك المشتتة إلى هدف متواضع يوافق قدراتك، واملك الشجاعة لإغلاق بقية النوافذ التي تملأ عقلك بالضجيج. إن العظمة الإنسانية لم تولد يوماً من التشتت في طرقات عديدة، بل من المشي طويلاً وبصبر في طريق واحد، فالإرادة الحقة ليست في أن تفتح كل الأبواب، بل في أن تملك الحكمة لتختار باباً واحداً وتلج منه.
***
بقلم صبيح الكعبي








