عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أحمد فاتح: أوراق من دفتر النفوس

الوجدان القضائي وسيكولوجية النزاع في أروقة الأحوال الشخصية

تظل قاعات المحاكم العراقية وعلى مدى عقود من عمر الدولة القانونية، شاهدة على مآس إنسانية تولدت من رحم الفهم الجامد للنصوص، قبل أن تتدارك العدالة التشريعية ثغرات الوجدان الإنساني. ومن بين أكثر القضايا التي مست شغاف القلوب وأثارت شجون القضاة على منصات الجنايات والأحوال الشخصية، هي تلك اللحظة التي يقف فيها اليتيم، الذي فقد أباه في حياة جده، ليرى نفسه غريباً محروماً في تركة جده، محجوباً بأعمامه، وكأن قدره أن يجمع بين لوعة اليتم ومرارة الفاقة وهوان الحرمان.

إن فكرة العدالة لا تستقيم أبداً حين نرى نصوص الإرث العادية تطبق بآلية صماء تغفل التوازن الاجتماعي. فالقاضي ليس مجرد آلة لتوزيع الحصص والسهام، بل هو عين المجتمع الساهرة على حماية الضعفاء. ومن هنا، جاء نص المادة الرابعة والسبعين من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل، ليمثل قفزة نوعية في الفلسفة التشريعية؛ إذ أقر نظام الوصية الواجبة مرسخاً مساراً قانونياً ينتشل الأحفاد من الهامش ويضعهم في قلب الحماية التشريعية.

عندما ينظر القضاء العراقي في دعاوى التركات، يواجه صراعاً مكتوماً بين نصوص الفقه التقليدي في الحجب، وبين روح العدالة التي تأبى أن يترك الصغار عالة يتكففون الناس. إن إقرار الوصية الواجبة بمقدار حصة أبيهم المتوفى على ألا تتجاوز ثلث التركة، ليس مجرد عملية حسابية تُجرى في القسامات الشرعية، بل هو التزام أخلاقي وقانوني يفرضه الضمير القضائي. إنها الأداة التي كسر بها المشرع العراقي طوق الجمود، ليمنع عسف القربى، ويضمن ألا يتحول موت الأب المبكر إلى عقوبة اقتصادية مؤبدة تلحق بذرّيته.

إن قراءتنا للمنازعات الإرثية في المحاكم العراقية تؤكد أن هذه المادة لم تكن ترفاً تشريعياً، بل كانت ضرورة اجتماعية لحفظ السلم الأهلي داخل الأسرة الواحدة. فالأحكام القضائية التي استقرت عليها محكمة التمييز الاتحادية في هذا الصدد، رسخت مبدأً إنسانياً نبيلاً: أن القانون وجد لخدمة الإنسان وحمايته، وأن منصة القضاء ستبقى دائماً الملجأ الأخير لكل ضعيف حجبته الظروف، أو جار عليه أقرباؤه باسم النص.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

في المثقف اليوم