اعتاد العراقيون منذ زمن بعيد أن يستقبلوا المسافر العائد من سفره بسؤال لا يخلو من البراءة والفرحة: «شنو جبتلنا صوغة؟». وكانت الصوغة تعبيرًا عن المحبة والوفاء لمن تركهم خلفه، ولم تكن مجرد هدية يحملها المسافر في حقيبته.
والصوغة كلمة عراقية شائعة بمعنى هدية السفر، ويبدو أن لها صلة تاريخية بكلمة «سوغات» أو «سَوغات» المتداولة في الفارسية وعدد من اللغات التركية، والتي تعني الهدية أو العطية، وقد عُرفت هذه الكلمة في لغات المنطقة منذ قرون. أما في العراق، فقد استقرت في اللهجة الشعبية بصيغة «صوغة»، وأصبحت مرتبطة بصورة خاصة بما يحمله المسافر عند عودته من سفره.
كان والدي رحمه الله، شأنه شأن معظم العراقيين، يقضي قسمًا من فصل الصيف خارج العراق، ولكلٍّ وجهته. وكانت وجهة والدي دمشق وبيروت والقاهرة، حيث كان يقضي في كل منها فترة مع رفاقه في السفر، لما كانت توفره هذه المدن الرائعة من وسائل الراحة والخدمات للسائح، ولا سيما للعراقيين؛ فقد كانت معظم متطلبات الراحة متوفرة، بما فيها الفحوصات الطبية في لبنان. ولهذه الحكاية قصة أخرى، ربما آتي عليها في أحاديث أخرى.
كنا صغارًا ننتظر عودة الوالد بلهفة، وكان يعود محمّلًا بالصوغات. وما إن يصل حتى نلتف حوله وحول حقائبه، ولا نترك له مجالًا ليستريح من عناء السفر، قبل أن تُفتح الحقائب وتبدأ عملية توزيع الصوغات. كانت الليلة التي نستلم فيها صوغاتنا أشبه بليلة العيد؛ وكثيرًا ما كنا نحتضن هدايانا ونأخذها معنا إلى الفراش، من شدة فرحتنا بها. أما اليوم التالي فله قصة أخرى؛ إذ كنا نخرج منتشين، متبخترين بملابسنا الجديدة، وربما نظمنا زيارات إلى الأهل والأقارب والأصدقاء، لنستمتع بملابسنا ونستعرضها أمامهم.
كانت الصوغة تمنحنا ما يُسمّى اليوم «الطاقة الإيجابية»، في وقت لم نكن قد سمعنا فيه بهذا المصطلح، بل لم نكن نعرف عن «الطاقة» إلا معناها الذي تعلّمناه في دروس العلوم. كانت فرحتنا بها عفوية وصادقة، وكان للثوب الجديد أو الحذاء أو اللعبة الجديدة قدرة عجيبة على أن تجعل يومنا مختلفًا، وكأن المسافر لم يعد من سفره وحده، بل عاد معه شيء من العالم الذي زاره ليضعه بين أيدينا.
ولأن السفر في الماضي لم يكن سهلًا ولا متاحًا للجميع، كانت الصوغة تحمل قيمة تتجاوز ثمنها. فالمسافر الذي يغيب أسابيع أو أشهرًا كان يعود بشيء من البلد الذي زاره، فيوزعه على أهله، وأقاربه، وأصدقائه، وجيرانه. وكان اختيار الهدية في كثير من الأحيان مرتبطًا بما تتميز به المدن والبلدان من منتجات لا تتوافر في أماكن أخرى. ولذلك ارتبطت الصوغة في الذاكرة العراقية بأطعمة وحلويات ومنتجات معينة؛ فلكل مدينة عراقية ما يمكن أن تقدمه للزائر ليحمله معه إلى أهله، وهكذا أصبحت جزءًا من ذاكرة المدن كما هي جزء من ذاكرة السفر. فمن البصرة مثلًا كانت تصل حلاوة الخوز والتمور بأنواعها، ومن الموصل المكسرات والحلويات وبعض الأطعمة الخاصة بها، ومن كربلاء والنجف أنواع من الحلويات والدهين، ومن السليمانية «منّ السما» والسجق، ومن مناطق أخرى التمر البرحي والفواكه أو الألبان والمنتجات المحلية.
وقد وثّقت كتابات عن الحياة العراقية القديمة أمثلة كثيرة لهذه المنتجات التي كان الزائر يحملها معه. وكانت الهدية تُوزَّع بحسب درجة القرابة والمودة، وقد تحدث أحيانًا مواقف طريفة عندما لا تتساوى الهدايا أو يحدث خطأ في توزيعها؛ إذ كان المسافر يعود محملًا بكميات كبيرة منها، ويشتري أعدادًا متساوية من الشيء نفسه لكي تكفي الجميع. وأحيانًا تحدث مفارقات مضحكة في المقاسات أو نوعية الأشياء الموزعة. أما أقسى المواقف فكانت عندما يُحرم أحد أفراد العائلة من الصوغة، أو تكون هديته أقل من هدايا الآخرين شأنًا وقيمة، فيشعر بالغبن، سواء أكان طفلًا أم كبيرًا.
ولعل أكثر أنواع الصوغة حضورًا في الذاكرة الشعبية هي «صوغة الحج»؛ فعودة الحاج من مكة والمدينة، بعد رحلة إيمانية طويلة وشاقة، كانت مناسبة ينتظرها الأهل والأقارب بشوق، ويترقبون ما يحمله معه من هدايا من الأراضي المقدسة. وكان ماء زمزم والتمر والمسابح وسجادات الصلاة والمسواك من أشهر تلك الهدايا.
وكانت صوغة الحج في الماضي قائمة شبه موحّدة، متشابهة عند معظم الحجاج؛ فتجد في كل بيت تقريبًا عددًا من السجادات والسبح وغيرها من مفردات الصوغة. وبذلك كانت معظم العائلات تتلقى هدايا متشابهة تقريبًا من الحجاج، فتتجمع في البيوت السجادات والسبح وغيرها من مفردات صوغة الحج الموحدة. ولأن هذه الهدايا كانت تتكرر مع كل موسم حج، كان يُحتفظ ببعضها إلى الحج القادم، فإذا ذهب أحد أفراد العائلة لأداء الفريضة، وجد في البيت جزءًا من الصوغات جاهزًا، فيكتفي بشراء ما ينقصه، مما يخفف عنه مشقة الشراء وتكاليفه. وكانت هذه الهدايا، على بساطتها، تدخل الفرح إلى قلوب الصغار والكبار، لما تحمله من مكانة دينية ورمزية خاصة، ولذلك بقيت «صوغة الحج» حاضرة في الذاكرة العراقية، وإن تغيرت أشكالها وتنوعت محتوياتها مع مرور الزمن.
ومع مرور الوقت، تحولت صوغة الحج لدى كثير من الناس إلى ما يشبه الواجب الاجتماعي؛ حتى أصبح الحاج يشعر بأنه لا يكتمل حجه الاجتماعي إن عاد بغير صوغة لأهله وأقاربه وأصدقائه. ومع كثرة من ينتظرون نصيبهم منها، وصعوبة شراء الهدايا ونقلها، كان بعض الحجاج يهيئون صوغاتهم قبل السفر من الأسواق المحلية، وبذلك يوفّرون على أنفسهم عناء البحث عنها في الأراضي المقدسة.
ومع توسع سفر العراقيين في القرن العشرين، دخلت بلدان جديدة إلى قاموس الصوغة؛ فأصبحت لندن بالنسبة إلى بعض العائلات مصدرًا لأشياء لا توجد في بغداد بسهولة، مثل الأقمشة والأزياء الحديثة وبعض الأدوات المنزلية والعطور، وكذلك بيروت، ودمشق، والقاهرة، والهند، وتركيا، وغيرها.
وكانت عبارة «جبتلك صوغة من لندن» تحمل في طياتها شيئًا من الفخر والفرح؛ وكانت أبرز الهدايا التي تنتظرها النساء هي الملابس الحديثة التي تكون على آخر الموضة. وكان للفستان القادم من لندن، أو القماش القادم من الهند، أو العطر القادم من باريس، أو الحلوى القادمة من مدينة أخرى، معنى خاص؛ لأن الهدية لم تأتِ من متجر متاح للجميع، بل قطعت مسافة طويلة لتمنح صاحبها شيئًا من التميز، فيستعرضها أمام أهله وأصدقائه بكل زهو.
أتذكر جيدًا عندما كنت أخطط لزيارتي السنوية لأهلي، وأنا طالب في إنكلترا، كانت الصوغة للأخوات والإخوة تأتي حسب الطلب، ولم يكن لي كبير خيار في ذلك؛ فلكل واحد منهم طلبه الذي ينتظره، وكانت معظم تلك الطلبات من الملابس والأحذية. وكم كنت أشعر بالسعادة وأنا أتلقى تلك الطلبات، ثم أبحث عما طلبوه مني برغبة حقيقية، لأنني كنت أشعر بالامتنان لتضحياتهم وما قدموه من دعم مادي أسهم في توفير تكاليف دراستي على نفقة والدي الخاصة. وكانت تلك الهدايا، في نظري، تعبيرًا بسيطًا عن شيء من ذلك الامتنان، ومحاولة متواضعة لردّ الجميل لمن وقفوا إلى جانبي.
وكانت الصوغة أيضًا نوعًا من التبادل الاجتماعي الجميل؛ فكما يجلب لك قريبك هدية من سفره، تحمل له أنت صوغة عندما تسافر، وبذلك صارت وسيلة للمحافظة على المودة وصلة الرحم وعلاقة الجيرة. ومن أجمل ما في هذه العادة أن المسافر عندما كان يشتري الهدايا لأهله، كان للأقارب نصيب، وللأصدقاء نصيب، وللجيران نصيب، وأحيانًا حتى لمن تربطه بالمسافر علاقة بسيطة. وهنا تتحول الصوغة من هدية فردية إلى وسيلة للتواصل؛ فالذي يسافر اليوم يعرف أن عليه عند عودته أن يتذكر من يحبهم، وعندما يسافر صديقه غدًا يتذكره هو أيضًا، لتصبح الهدية جزءًا من دورة اجتماعية قائمة على التذكر والمجاملة والمودة.
أما اليوم، فقد تغير السفر وتغيرت الأسواق، وأصبح معظم ما كان نادرًا في الماضي متاحًا في كل مكان. ومع ذلك بقيت كلمة «الصوغة» حاضرة في الذاكرة العراقية؛ لأنها تختزن زمنًا كان للسفر فيه طعم مختلف، وللانتظار معنى مختلف، وللهدية قيمة لا تقاس بالمال. وربما لهذا بقيت «الصوغة» أجمل من مجرد «هدية»؛ لأنها جاءت من سفر، وحملت معها ذكرى الطريق وصورة المكان وحنين المسافر إلى أهله.
ورغم تغير الزمن، تبقى الصوغة واحدة من تلك العادات الصغيرة التي تكشف لنا شيئًا كبيرًا عن المجتمع العراقي القديم؛ مجتمع كان السفر فيه غيابًا، والعودة مناسبة، والهدية رسالة محبة. ومهما تغيّر الزمن، تبقى أجمل صوغة هي تلك التي تحمل رسالة إلى الأحبة، وكأنها تقول لهم: إنكم وإن كنتم بعيدين عن عيني، فلم تكونوا يومًا بعيدين عن قلبي؛ فأنتم في القلب دائمًا.
***
سعد عبد المجيد ابراهيم








