"في بيتنا محشي!!"
كان احتفال ولا في الأحلام بعدما شممت رائحة أكلتي المفضلة وهي تنضج على نار أشواقي، فحالنا كمثل حال البيوت المصرية الأصيلة، يكون يوم "المحشي" يومًا استثنائيًا وله هيبة من بين أيام الأسبوع، فما أكثر التجهيزات وزيارات السوق قبل اليوم الموعود، حتى المطبخ حينها يصبح "خط أحمر" لا يدخله سوى قائد المعركة، وهي الأم بالطبع، ممنوع لمس أي طبق أو حلة إلا بتصريح خاص منها، فإن الغلطة لا تُغتفر والطبخة ليست كأي أكلة أخرى.. إنها رائحة الذكريات ولمة العيلة.
"عمايل إيديا وحياة عينيا.."
كم يهون التعب حين يعود المطبخ نظيفًا من المواعين وبرطمانات التوابل المبعثرة هُنا وهُناك بعد ساعات طويلة في تجهيز خلطة الرز السحرية، والحقيقة أن الحلة ليست وحدها على النار، فأنا كذلك أجلس على نار في انتظار طبق يرد الروح.
لا يهمني وقتها سوى أن أغرز الشوكة في الباذنجان المحشي وهو يستغيث من حرارة التسوية، فأنا مغرمة بالبخار المُحمل بالبهارات وذكريات الطفولة، وذلك العراك المضحك على آخر "رزاية" في قعر الحلة.
لطالما كنت المدللة بين أسرتي وأنا أول من يُسأل عن رأيه في الطعم..
"هاه، حلو؟"
ولكن الإجابة بـ "حلو أوي" ليست إجابة بسيطة، فإنها اللحظة التي يطمئن فيها قلب أمي بأن عمايل إيديها تستحق عشرة من عشرة ونجمة.. وهي تستحق بالفعل.
لنبدأ التقييم.. ها هو طبق غويط يليق بالحدث، لوحة فنية من محشي الباذنجان والفلفل، وأما عن محشي البصل، فهو اكتشافي المذهل الذي أسر قلبي بطعمه المسكر.. ليت كل الاكتشافات بهذا الجمال.
اعتدت منذ الصغر أن أنتظر حرارة الأكل لتهدأ قليلًا، كنت أخشى على لساني من الاحتراق فتضيع لذة الدهون، لكنني يومها لم أستطع الانتظار، وضاعت اللذة بحق!
بسرعة بسرعة.. أعتقد أن الطبق لفظ أنفاسه الأخيرة في أقل من دقيقة واحدة!
شعرت حينها أنني في سباق الفك المفترس، فمن ينقض على طبقه أولاً وفي أسرع وقت هو من يفوز بجائزة عُسر الهضم!
كانت "كروتة" إلى حد ما، لدرجة أني بعد ساعة من تلك المهزلة اشتقت لطبق جديد وكأنني لم ألتهم مثله قبل دقائق، غريب الإنسان!
"هو أنا ليه ماشبعتش؟"
لم أفهم.. لمَ لا تكتفي أمعائي بنصف حلة محشي مشكل؟!
المؤسف أنني لم أشعر بمتعة أكلتي المفضلة هذه المرة!
يبدو أنه الوقت المناسب لتجربة عملية فلسفية جديدة.. أن أترك الباذنجان يأخذ وقته في المضغ والهضم، فقط.
قطمة ثم مضغة بهدوء، إنها فرصة ذهبية لاستعادة الثقة في المحشي، أن أحس به وهو يمتزج بلعابي وتسري عصارته في عروقي بشويش..
ملح..
فلفل أسود..
نعناع مجفف.. جميل! إضافات الأم دائمًا في محلها..
كزبرة وبقدونس..
لحظة.. ما هذه الشوربة؟ لحمة أم فراخ؟
اممم.. إنها شوربة فراخ.. لذيذة جدًا رغم الدسامة..
ماذا؟!
يبدو أنني شبعت!
التجربة نجحت، وأنا فهمت السبب..
الأمر كله يرجع للوقت، والإحساس، وما نسميه فن "الاستطعام".
لقد أطلقت سراح الوقت في تجربة المحشي، لم أقيده بمهلة محددة، تركت لروحي المتسع من الزمن لكي تنسجم مع تفاصيل الطبخة، وتشعر بكل مكوناتها على حدة.
فإن مذاق الرز يختلف عن الصلصة وعن التوابل، ومذاق الخضار يختلف عن الباذنجان، والفلفل لا يشبههم بطبيعة الحال، أما البصل فهو حلاوة الأكلة وسكرها.. لكل تفصيلة إحساس مميز، والأزمة أننا نسينا كيف نحس بالتفاصيل!
لطالما بحثنا عن النتيجة وأهملنا المتعة في سبيل البحث عنها، نهرول خلف النهاية وننسى أن لكل نهاية بداية أصلًا، وأنه في المنتصف لحظات مفصلية تصنع قيمة الخطوة.
أصبحنا لا ننظر في أمورنا إلا نظرة خاطفة تمر في لمح البصر، حتى إننا لا نستطيع التمييز بين يوم الخميس ويوم الأحد، لقد تداخلت الأيام في بعضها، وهي في تاريخ الإنسانية مجرد "يوم وخلاص"!
بالهداوة، لسنا في سباق مع الزمن..
تخيلوا أن تمر ساعات النهار كله في المطبخ بين تحضير وتسوية وحرارة البوتجاز الخانقة، وتتبخر هكذا في دقيقة واحدة من الأكل بلا طعم ولا روح!
فما ذنبها أمي أن يحني ظهرها محشي لم نتذوقه على مهل!
وكذلك الحياة..
ما ذنبها أن تضيع بهذا الاستعجال!
تأملوا الآن، أين المتعة؟!
ضاعت اللذة يا سادة فأصبحنا نعيش دون أن نحيا، والفرق كبير!
لقد تساءلت كثيرًا عن أسرار خلطة المحشي التي تسلب القلب والعقل، ثمة شيء يجعلها شهية لدرجة الإدمان، وبعد محاولات في حل اللغز، اجتمعن ربات البيوت على إجابة حاسمة، أكدتها لي ست الحبايب: " خليها تتسبك براحتها".
ويبدو أنه سر من أسرار الحياة أيضًا.
أزيدكم من الشعر بيت..
"ريحة صواني مفحفحة، وكوستاليتا مشوحة، وبامية خضرة مسبكة، وشوربة فيها آه مستكة.."
كيف استطاع المبدع الراحل فؤاد المهندس أن يصف سفرة فطار رمضانية بهذه الدقة رغم أنها "ريحة الجيران"؟
يرى الألوان أمامه بعين الروح، ويتنفس روائح مفحفحة ومشوحة ومسبكة ولا يخلط بينهم في طريقة التحضير، وحتى الشوربة، كيف علم أن بها مستكة وليس حبهان مثلًا؟!
إنه سر "الاستطعام" وقوة الإحساس بالتفاصيل وإن كانت مجرد خيالات، لقد انغمس في رائحة طبيخ الجيران وكأنها رائحة تفوح من مطبخه هو، استخدم حواسه كلها في لحظة انفعال، الشم مع التذوق في تناغم حي، سيمفونية حسية مدهشة وبحق، استطاع خلالها أن يحول الخيال إلى واقع من المحمر والمشمر، ونحن أضعنا الواقع هذا وكأنه خيال وأوهام.. أليس كذلك؟
فينك يا عمو فؤاد!
انتهت التجربة على خير..
فهمت فيها بأنه لا شيء يدعونا إلى "السربعة" وإبادة اللحظة بدم بارد هكذا، والحمد لله أنني أدركت هذا المعنى قبل أن أفترس ما تبقى من حلة المحشي من أجل هذه السطور التي لا تنفع البطون، فإن فلسفتي قد تحرم أصحاب البيت من غدوة حلوة ساعة العصاري، لكن الوضع تحت السيطرة، وهُناك حلة ورق عنب قد تنقذ الموقف، إنها نجدة من السماء وبمثابة خطة بديلة وإصلاح ما أفسدته تجاربي، وهي الآن في أهم مرحلة، على نار هادئة.. جدًا.
***
بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية








