من نحن حقًا بعد الصدمات والتجارب المؤلمة؟
ماذا فعلت المعاناة بنا؟
هل هي مجرد أوقات صعبة وظروف قاهرة قلبت حياتنا رأسًا على عقب، وأيقظت أوجاعها ليالينا الهانئة، وجرفت معها أحلامنا، وكشفت هشاشتنا وضعفنا؟ أم أن هناك قوة حقيقية خفية تكمن فيها، قادرة على إحداث تحولات عظيمة في النفس والتاريخ والحضارة؟
خيمياء حقيقية لها القدرة العجيبة على التدمير والبناء؟
سنبحث قليلًا في الفلسفة القديمة، شرقها وغربها، فالموضوع قديم، وقد تناوله الكثير من الفلاسفة والمفكرين.
الكندي، فيلسوف العرب الشهير، تناول الفكرة في رسالته «دفع الأحزان».
لماذا نحزن؟
يرى الكندي أن أحد أهم مصادر الحزن هو التعلق بالأشياء التي يمكن أن تزول. فالأشياء التي نملكها، والأشخاص الذين نحبهم، والصحة، والمال، والمكانة… كلها أمور معرضة للتغير والزوال.
فإذا جعل الإنسان سعادته متوقفة على أشياء خارجية قابلة للفقد، فإنه يجعل نفسه عرضة للحزن.
لكنه لا يقول ببساطة: لا تحزن.
بل يحاول أن يقدم طريقة عقلية للتعامل مع الحزن؛ فالفقد جزء من طبيعة العالم، وليس خللًا طارئًا فيه، ولذلك لا بد أن نتعلم كيف نتعامل معه.
كما تناول أبو بكر الرازي موضوع الحزن والخوف والغضب والرغبات في كتابه الأخلاقي «الطب الروحاني». فهو يرى أن جزءًا من المعاناة النفسية ينتج عن أفكار ورغبات وتوقعات غير منضبطة، وأن الإنسان يستطيع تدريب نفسه على تقليل أثرها.
وكأنه يضعنا في عمق السؤال: كيف تعمل النفس عندما تتألم؟
ويبقى السؤال الذي شغل الفلاسفة منذ القدم:
هل الألم شر نهرب منه، أم تجربة عميقة تكشف جوهر الوجود وتفتح طريقًا إلى النضج والوعي؟
نيتشه أشار إلى قوة المعاناة في تشكيل الإنسان، وكتب عبارته الشهيرة:
«ما لا يقتلني يجعلني أقوى».
فالمعاناة عنده ليست بالضرورة مجرد شيء ينبغي التخلص منه؛ فقد تصبح، إذا استطاع الإنسان أن يتجاوزها ويمنحها معنى، قوة تدفعه إلى إعادة بناء ذاته، كالنار التي تصهر المعدن ليخرج أصلب وأشد صفاء.
ولكن… هل كل ألم له هذا المفعول؟
هنا تكمن الفكرة الأعمق: الألم وحده لا يصنع الإنسان الجديد، وإنما الطريقة التي يتعامل بها الإنسان مع ألمه قد تحوّل التجربة إلى قدرة على إعادة خلق الذات.
بعد الصدمة قد لا نعود الشخص نفسه، لكن يمكن أن نصبح شخصًا أكثر وعيًا بما نريد، وما لا نريد، وما نستطيع احتماله، وما لم نعد مستعدين لقبوله.
وعند كيركغارد، يمكن للأزمات والقلق واليأس أن تكشف للإنسان شيئًا عن ذاته لم يكن يراه في حياته العادية.
أما مارتن هايدغر، فيرى أن مواجهة الموت والحدود النهائية للوجود يمكن أن توقظ الإنسان من الحياة التي يعيشها بصورة آلية، وتدفعه إلى مواجهة سؤال وجوده وحياته بصورة أكثر أصالة.
أحيانًا نحتاج إلى أن نفقد شيئًا حتى ندرك قيمة الأشياء التي كنا نعيشها دون أن ننتبه إليها.
الصدمة إذن قد تكسر وهم الاستمرارية:
كنت أظن أن حياتي ستستمر بهذا الشكل، ثم حدث شيء جعلني أدرك أن لا شيء مضمون.
إنها تكشف هشاشتنا الوجودية، وتضعنا فجأة أمام حقيقة كنا نعرفها نظريًا، لكننا لم نشعر بها من قبل.
أما جان بول سارتر، فيرى أن الإنسان ليس مجرد نتيجة لما حدث له؛ فهو يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما حدث.
وهذه فكرة عميقة في موضوع الصدمات:
الحدث جزء من قصتي، لكنه ليس بالضرورة القصة كلها.
قد لا أستطيع تغيير الماضي، لكن أستطيع أن أقرر ما الذي سيعنيه هذا الماضي بالنسبة إلى حياتي القادمة.
وقد يكون الرواقيون قد أشاروا إلى معنى قريب من ذلك:
الحدث لا يحددك بقدر ما تكشف استجابتك له عنك.
عند إبكتيتوس وماركوس أوريليوس، لا نستطيع التحكم بكل ما يحدث لنا، لكن نستطيع — بدرجات متفاوتة — التحكم في استجابتنا له.
الفقد يحدث.
المرض يحدث.
الخيانة تحدث.
الموت يحدث.
لكن السؤال الرواقي يصبح:
ماذا سأفعل بما حدث لي؟
وهنا نعود إلى السؤال الذي بدأنا منه:
هل الألم يغيرنا، أم يكشفنا؟
وقد نجد أنفسنا، بعد الفقد والتجارب القاسية، نسأل أنفسنا:
لماذا لم أعد الشخص الذي كنت عليه؟
لماذا تغيرت الأشياء التي كانت تسعدني؟
ما الذي حدث لداخلي؟
أهي خسارة، أم أنها شكل آخر من أشكال النضج؟
وربما لا يكون الإنسان بعد الألم أفضل أو أسوأ بالضرورة…
ربما يكون فقط أكثر معرفة بنفسه، وأكثر إدراكًا لهشاشته، وأقل وهمًا باستمرار الأشياء.
ومن هنا يبدأ السؤال الأصعب:
من أنا بعد كل هذا؟
سؤال لم تكتمل فصوله…
***
منى الصالح








