صادر جهاز الأمن الوطني، يوم أمس، كتاب "تخوم الوعي الديني" للصديق الدكتور علي المدن، خلال معرض بغداد الدولي، ومنع بيعه وتداوله، من دون تقديم أدنى توضيح بشأن الأسباب أو الحجج التي استندت إليها هذه المصادرة. وإنَّ مصادرةَ مثل هذه للكتب ومنعَ تداولها ونشرها ليست حادثةً ثقافيةً عابرة، وإنما هي حادثةٌ ثقافية -سياسية بامتياز. إذ لا يمتلك سلطةَ هذه المصادرة إلا من يمتلك سلطةً على المجال العام، كسلطةٍ سياسية أو أيديولوجية أو دينية. إنها سلطةُ الجماعات الدينية، وسلطةُ الأنظمة الأيديولوجية التي تحتكر المعنى، وتسعى إلى فرض تفسيرٍ واحدٍ للإنسان والعالم، وتضييق مساحة الأسئلة والنقد التي يمكن أن يتحرك فيها العقل خارج حدود ما ترسمه هذه الجماعات من يقينيات، تلتحم في الوجدان الشعبوي، وتلصق أفكارها في صدور الناس بدلًا من عقولهم. لقد اعتادت بعض الجماعات الدينية ومرجعياتها ممارسة الوصاية على الناس، ومراقبة إنتاجهم الثقافي والاجتماعي والسياسي، ومصادرة حقوقهم في التفكير والتعبير، والحدّ من قدرتهم على إنتاج وعيٍ حرّ ومستقل. وهي، في كثير من الأحيان، لا تستطيع مناقشة الأفكار التي تتضمنها بعض الكتب التي تنتقد المنظومة الدينية ومرجعياتها مناقشةً أكاديمية ومنهجية لأن النقد المنهجي، والتفحّص التاريخي، وإعادة قراءة الوقائع كما حدثت، وطرح السؤال "عمّا كان كما كان" قد يزعزع استقرار المنظومة الدينية وجماعتها، التي اعتادت تقديم نفسها بوصفها حقيقةً مكتملةً لا تقبل المساءلة. إنها، في جوهرها، علاقةُ السلطة الدينية ــ التي هي في أصلها سياسية ــ بالفكرة. فعندما تُصادَرُ الكتب، ويُمنَعُ القارئ من حقّه في القراءة والاطّلاع، ويُحرَم من حريته في التفكير فيما يقرأ، فإن الأمر لا يعود متعلقًا بكتابٍ بعينه، بل يصبح مصادرةً أوسع لمفهوم الإنسان، وتهميشًا لوجوده المعرفي والثقافي والاجتماعي. فالإنسان كائنٌ مفكّر، وحين ينفتح على القراءة، تتولّد في ذهنه الآراء والأفكار والرؤى الخاصة عن ذاته وعن العالم. وهذه الرؤى ليست معطياتٍ جاهزة، بل هي وليدة أسئلته الخاصة، المنبثقة من صميم وعيه، ومن تجربته الفكرية والمعرفية. لا تريد الجماعات والمؤسسات الدينية والقومية السياسية ومرجعياتها من الإنسان ان يكون حراً بهذا الشكل. ولهذا، تلجأ إلى مصادرة الكتاب بدلًا من مناقشته، وإلى إسكات الفكر بدلًا من إبطال حججه أو تفنيدها. وهنا تحديدًا تكمن خطورة المصادرة. فهي، مثلما تخشى الكتاب وكاتبه تخشى القارئ، وما يقرؤه بحرية، وما يفكّر فيه بحرية، وما ينتجه من أسئلةٍ خاصة به
***
بهاء سوادي - باحث في قضايا تجديد الفكر الديني وعلم الكلام الجديد








