عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

ئاريان علي: ترانيم الوجد الأخير

الحب والموسيقى في صراع الوجود ضد عصر المادة

الحب العذري في الأزمنة الغابرة كان امتناعاً مقدساً يرتقي بالروح نحو المطلق، بينما تحول في عالمنا الحديث إلى صرخة وجودية صارخة تبحث عن دفء يستنقذ الإنسان من برد الآلة وجحيم المادة. وحين نتأمل هذا التحول، تتراءى لنا أساطير العشق الخالدة في القرن العشرين؛ كشجن محمود درويش وحبيبته (ريتا) حين أنشد مترنماً:

بَيْنَ رِيتَا وَعُيُونِي. رَصَاصَةٌ وَرِيتَا نَامَتْ عَلَى رَكْبَتِي عَشَقْتُ رِيتَا حَجْمَ السَّمَاءِ وَتُبَاعُ العُيُونُ وَتُشْتَرَى

أو لوعة الوجدان الشعري عند الشاعرة الرائدة نازك الملائكة (التي ولدت في عشرينات القرن العشرين)، حين جعلت من العاطفة مرآةً لليل المدينة وأسئلة الوجود الحزينة قائلة:

لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ مِصْبَاحِي. وَلَا نَارِي وَمَاقِي آهِ يَا لَيْلُ، أَكَادُ أَنْسَى

معبرةً بذلك عن حالة ضياع كلي تفقد فيها الروح بوصلتها؛ فلا مصباح يهديها في عتمة العزلة، ولا نار تمنحها دفء الشغف والحياة، ولا مآقٍ قادرة على البكاء ورؤية الحقيقة وسط صقيع المدينة المتسارع، لتتحول العاطفة من مجرد شعور فردي إلى ملحمة وجودية حية. وفي هذا المعنى، يصدق قول الفيلسوف أرسطو حين رأى أن «الحب مؤلف من روح واحدة تسكن جسدين»، وهو ذات الشجن العذب الذي ترجمه الشاعر أحمد رامي شريك أم كلثوم حين غرق في مناجاة روحه صائحاً بأبياته الخالدة:

يَا فُؤَادِي رَحِمَ اللَّهَ الهَوَى كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلَالِهِ

ليظل الحب المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

الفنون كـ "مختبر روحي" وملاذ عاطفي مشترك

لم تقتصر صحوة الحب على التأمل الفلسفي الفردي، بل وجدت متنفسها الأكبر في الفنون والآداب والموسيقى التي غدت "المختبر الروحي" للبشرية؛ فعلى مستوى العالم استطاعت السيمفونيات الرومانسية كأعمال شوبان وتشايكوفسكي، والروايات الكبرى، واللوحات التشكيلية أن تروّض صدمة الآلية الحديثة، ومعها كانت أصوات كـ إلفيس بريسلي وفرق مثل البيتلز وآبا، والأغاني الإيطالية الحزينة، تمثل صرخة جيل يبحث عن دفء إنساني، فتحولت الفنون برمتها إلى لغة مشتركة تعبر عن لوعة الفراق وعذابات الشوق وتمرد الفرد الباحث عن ذاته وسط زحام العالم المادي. وفي ذات السياق، مر الحب وتحولات التعبير عنه في العالم العربي برحلة فريدة وموازية؛ فبينما كانت جذورنا الأدبية تزخر بالغزل العذري والصوفي الرصين، جاءت تحولات القرن العشرين مع صعود السينما والإذاعة والأغنية الحديثة لتنقل الحب من القوالب التراثية والنخبوية إلى رحاب الوجدان اليومي الشعبي. وحين نتأمل رموزاً كبرى مثل أم كلثوم في سهرات الانتظار الطويلة، وعبد الحليم حافظ ببّحته النابضة بالانكسار عبر الأفلام والساحات، وفريد الأطرش بلوعة فراقه، نجد أن الأغنية العاطفية لم تكن ترفاً طربياً عابراً، بل أصبحت المساحة الحية والطقس الجمعي المقدس الذي ترجم أشواق المجتمع وانكساراته وحزنه النبيل، ليؤكد السامع وسط كل هذا التسارع أنه لا يزال يحمل قلباً ينبض بالحب والإنسانية.

الحب في مواجهة جحيم الحروب والأزمات طوق نجاة أم درع وقائي؟

لم يعد الحب مجرد عاطفة فردية تهذب الروح، بل ارتقى في محطات الأزمات الكبرى والصراعات الدامية ليصبح "طوق النجاة" الأخير والدرع الوقائي الذي تلجأ إليه البشرية حمايةً لآدميتها. فحين تشتعل الحروب وتتوالى المآسي التي تفكك الأوصال وتجرد العالم من إنسانيته، يبرز الحب كقوة مقاومة خفية لا تقل ضراوة عن أدوات الدمار، ولكنه دمار عكسي يهدد الفناء بالبقاء. إنه الملاذ الذي يعيد ترميم ما تهدم في النفس البشرية، واللغة الوحيدة القادرة على الانتصار للدفء الإنساني في وجه جحيم الآلية والخراب.

الصراع بين العاطفة والتفاهة. هل الحب مستحيل في زمن الرداءة؟

في عالم تسوده المادية الصارمة، ويحكمه المنطق العلمي البارد الذي يختزل الوجود في معادلات وتفاعلات، يبرز الحب باعتباره الحدث الأوحد الذي يستعصي على القياس. لقد انتصر الحب في القرن التاسع عشر كنزعة إنسانية تمردت على جمود الآلة، لكنه حمل هذا "العبء العاطفي" وانتقل به إلى القرن العشرين، ليواجه مصيراً مجهولاً وسط صراع الإنسان مع أخيه الإنسان.

اليوم، يتساءل المفكرون، وعلى رأسهم آلان دونو في نقده اللاذع لـ "نظام التفاهة"، عما إذا كان هذا القرن، بضجيجه وسطحيته، لا يزال يمتلك الأهلية الأخلاقية والروحية لاحتضان الحب؟ إن "التفاهة" هنا لا تعني الفراغ فحسب، بل هي محاولة ممنهجة لاختزال كل ما هو عميق ومقدس – كالحب والوجدان – إلى منتج استهلاكي خاوٍ. في ظل هذا النظام، تحول الحب من "صرح من خيال" إلى مجرد علاقة عابرة تفتقر إلى العمق، ليصبح السؤال الوجودي الكبير: هل لا يزال للحب مستقبل، أم أننا نعيش زمن "تلاشي العاطفة" في مهب الابتذال؟

حتى وإن بدا المشهد معقداً، فإن الحب الحقيقي يظل هو التعبير الأسمى عن الوعي بالآخر، وهو ما يمنح الحياة معناها في مواجهة العدم. إن الحب لا يمر بمرحلة نهاية، بل يمر بمرحلة "تنقية" قاسية؛ ففي زمن التفاهة حيث يسهل الوصول إلى كل شيء، يصبح الحب الحقيقي فعلاً ثورياً ومقاومة أبدية. المستقبل ليس للحب السهل أو العابر، بل للحب الذي يمتلك شجاعة أن يكون عميقاً، وشجاعة أن يتمرد على معايير الاستهلاك والسطحية التي تفرضها الآلة وعالم الرداءة، ليظل المعقل الأخير الذي نقاوم به عبث الوجود وقسوة العالم.

***

ئاريان علي

 

في المثقف اليوم