(أزمة منتصف العمر)
دراما مصرية أخذتني من الأعماق، ووجدت نفسي أنهي في اليوم أكثر من خمس حلقات، متألمة ومفكرة. تساؤلات أعادتني لسنوات خلت، كنت أعيش نفس الألم ونفس الحيرة والحسرة أثناء عملي في الإرشاد النفسي، حيث كنت أستقبل الكثير من مثل هذه الحالات.
قد لا يصدق المشاهد أن ما تثيره هذه القصة موجود في مجتمعاتنا، وقد تكون حقًا فيها من المبالغات غير المقبولة، وقد تكون النهاية والحبكة تفتقران إلى الواقعية، ولكن القضية أكبر من هذه التفاصيل.
في نفس الفترة كنت أقرأ رواية (السيدة التي حسبت نفسها سوسة) للكاتبة شيماء هشام سعد، وما تحتويه من قصص نون النسوة، وما آلت إليه أحوالهن، وكيف تتنازع هذا الكائن الاحتياجات ومتطلبات الحياة ونوازع النفس ورغباتها.
كيف لنا أن نحكم على هذا الإنسان من موقف، متهمينه بالفسق والجنون والانحطاط، دون أن نكلف أنفسنا حتى عناء البحث عن خلفيات الموضوع؟ نسمع عن امرأة تركت بيتها فنكيل لها الاتهامات بالأنانية والانحراف والخروج عن القيم، وندير ظهورنا عما أوصلها إلى هذه المرحلة. نستعيذ من هذا الزمان حين تصل إلى أسماعنا شابة تحاول الانتحار، ونعزي ذلك للترف والانفتاح، دون أن نلتفت لمعاناتها وآلامها المبرحة من أقرب الناس إليها، حتى وصلت إلى هذا الاضطراب والتشوش الذهني.
هذا ليس دفاعًا عن الخطأ، ولا تبريرًا للسقوط، ولا تحميلًا للذنب لزوج نرجسي قاسٍ، ولا لمجتمع وأفكار وثقافة تنظر بعين عوراء، فتغفر لأحدهم وتتغافل عنه، وتحاكم الأخرى بأشد ألوان العقاب.
بل هو تعرية لحقيقة ضعفنا وهشاشتنا. هذا الكائن المعجز بتعقيده، المعجز بتفكيره وعبقريته، الخلاق الذي حمل الأمانة التي عجزت عن حملها السماوات والأرض، هو نفسه الضعيف والهش والجهول.
حين يعطش الإنسان أو يجوع قد يتحمل ساعات أو يومًا أو أيامًا، ولكن كما يقال: الجوع كافر. فهناك من الجوع من أكل أحباءه. ومثلما نستغرب فعلتهم ولا نعلم ما الذي قد نفعله لو وضعنا في مكانهم، نحاكم من يسقط نتيجة هذا الجوع العاطفي، ونصدر ألف حكم بالموت له ولعائلته، لخطأ قد تكون خلفه معاناة طويلة من الحرمان والألم، وليالٍ توسدت فيها دموعها.
هو يجد له ألف مخرج للإشباع، وهي تبقى حبيسة الجدران؛ حيث الأعراف والتقاليد والثقافة التي نشأنا فيها، وقيمنا وأخلاقنا التي تتصارع مع احتياجاتنا. وفي لحظة الضعف، حين تتهاوى كل السدود والأسوار خلف كلمة حب تسمعها، وتنساق وراء دفء فقدته.
ليست الخيانة فقط بالممارسة الجسدية، فالقصص التي كانت تصلني كانت مكالمات ورسائل، فتجد نفسها في منزلق خطر؛ حيث جلد الذات، وحقارة الذنب، تبدأ تكره نفسها، وبنفس الوقت غير قادرة على رفض هذا الإشباع وإن كان مدمرًا. كما يقول كارل يونغ: “إن ما لا نعالجه داخلنا قد يقود سلوكنا من الظل دون وعي”.
مقدار تحملنا يختلف، وردود أفعالنا تحددها الكثير والكثير من العوامل والمسببات. ما يكسرني قد يقوي الأخرى، وما لم أستطع تحمل فقده، فأسقط تحت سياط الحزن، لا يقارن بصبر أختي ورضاها، فتكون هي المؤمنة وأنا الجاحدة.
الله أعلم بالنفوس ومقدار اتساعها وتحملها: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، فلا نعطي لأنفسنا الحق بإصدار الأحكام.
صديقة لي تجاوزت الستين، تُرزق بزوج يسعدها، فتأكلها نظرات المقربين قبل البعيدين: ما لها وهي بهذا العمر والزواج؟
ما تحتاجه هي قد تكونين أنتِ بغنى عنه، بل نجده ضروريًا للرجل حتى لو تجاوز السبعين!
نحن بشر، والخطأ جزء من بشريتنا التي تكشف مقدار هشاشتنا وضعفنا. نتساوى بذلك بين الذكر والأنثى، ولكن تبقى نون النسوة محاطة بكم هائل من الأسلاك الشائكة التي تعجز عن القفز عليها فتتهاوى متحطمة.
الإنسان يخطئ أحيانًا لا لأنه يحب الخطأ، بل لأنه يبحث عن إشباع جرح لم يعرف اسمه.
***
منى الصالح







