عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رائد عبيس: وثائقيات صاحب الحكيم.. تجربة عراقية فريدة (3)

الكُورْدُ الفِيلِيُّون

يمثل التقرير المطول للدكتور صاحب الحكيم عمّا اقترفه النظام البعثي بحق الشعب العراقي عامة، والشعب الكوردي خاصة، وحدة الهدف في مشروعه التوثيقي؛ وهو الدفاع عن الشعب العراقي بأكمله، من دون تفرقة قومية أو دينية.

ولذلك، كان للضحايا الكورد نصيب كبير في الأدلة الوثائقية التي قدمها في هذا التقرير، بعد أن أوغل النظام البعثي فيهم تعذيباً وتهجيراً وقتلاً، وصولاً إلى الإبَادَةِ المتكررة في عمليات الأَنْفَال التي استمرت بحقهم طيلة سنوات من إجرام البعث الاستثنائي.

لقد كشفت تجربة السيد الحكيم عن حقد النظام البعثي المبالغ فيه بحق الكورد، لا سيما الكُورْدُ الفِيلِيُّون، عبر تهمة الارتباط بإيران في بدايات الحرب؛ والتي اتخذها البعث الصدامي ذريعة للنيل منهم وتصفية حساباته العُنْصُرِيَّة معهم، تحت حجج واهية وتشريعات مُجْحِفَة فككت النسيج الاجتماعي لهذا المكون والنسيج الوطني المرتبط به.

إن قرار التَّرْحِيل، والاعتقال، والاستبعاد، والتسفير، والطرد الذي مارسه البعث بهذه القسوة المفرطة جاء صادماً للوجدان العراقي والإنساني والديني، فبسببه تفككت روابط مهمة كانت تشكل عنصر قوة في جسد المجتمع العراقي. لم تكن تلك العملية بسيطة، بل اقترنت بقصص من العذاب والعدوان الوحشي، مخلفةً سجلاً مؤلماً من المآسي الفردية والجماعية التي شوهت فكرة الانتماء لهذا البلد والتي رافقت أبناء هذا المكون، وهم يواجهون المَقَابِرَ الجَمَاعِيَّة، والِاخْتِفَاءَ القَسْرِيّ، والتعذيب، والإعدام، والملاحقات، والاغتيالات، والقتل على الحدود، وحوادث الاغتصاب.

حاول السيد الحكيم تدوين جزء كبير من هذه الحوادث، وأولى خصوصية لما تعرض له الكورد عامة والفيليون خاصة؛ ليس بدافع التفرقة -كما أشرنا- بل نظراً لجسامة الحوادث التي طالت أبناء العراق من الكورد، كما حدث لاحقاً في حَلَبْجَة التي لم يدخر الحكيم جهداً في توثيق مأساتها.

أورد الحكيم في تقريره أسماء المعتقلين والمعدومين والمعذبين، وشهادات الناجين، وقصصاً منقولة بالواسطة، وحوادث عدة تشكل قرائن وأدلة متواردة حول ما ارتكبه البعث واقعاً بحقهم. كما أرفق صوراً وبَيانات وقوائم استحصل عليها من منظمات حقوقية دولية، ومستشفيات، ومخيمات النازحين والمهجرين، لتوثيق معاناة المعذبين والمعذبات جراء الاغتصاب، أو السلاح الكِيمْيَاوِيّ، أو الإيذاء الجسدي والنفسي في مستشفيات إيران وتركيا ومخيمات الصليب الأحمر الدولي.

وذكر على سبيل المثال، قصة اعتقال بنات عائلة "ناجي" السبع من بغداد، وغيرهن من المعتقلات اللواتي بقي وضعهن القانوني مَجْهُولاً، حتى تبيّنت مصائر بعضهن إثر اكتشاف المقابر الجماعية في العراق بعد عام 2003. كما استعرض نماذج من قوائم أسماء الشهيدات من الكورد الفيليين اللواتي ورد ذكرهن في قوائم "منظمة حقوق الإنسان للكورد الفيليين في العراق – السويد" واللواتي ظلت قصص شهادتهن مجهولة، فضلاً عن وثائق خطية تؤكد مثل هذه الحوادث، بحسب ما وثقه السيد الحكيم في هذا التقرير.

***

بقلم: د. رائد عبيس

في المثقف اليوم