أقلام حرة
صابر الحميدي: الطريق إلى الذات
إن الطريق إلى الذات هو أطول الطرق وأقصرها في آنٍ واحد.. أطولها، لأن الإنسان قد يقضي عمرًا كاملًا وهو يفتش عن نفسه في وجوه الآخرين، وفي المرايا التي تعكس صورته ولا تعكس حقيقته. يركض خلف الأسماء والألقاب والإنجازات، ويظن أن هويته تتشكل مما يملكه أو مما يقوله الناس عنه، بينما تبقى ذاته الحقيقية جالسة في مكانٍ قصيّ من روحه، تنتظر أن يلتفت إليها.
وهو أقصر الطرق، لأن ما نبحث عنه ليس بعيدًا عنا. إنه يسكن في أعماقنا منذ البداية. غير أن القرب أحيانًا يكون أشد خفاءً من البعد؛ فنحن نرى النجوم البعيدة ولا نرى الضوء الذي يشتعل في داخلنا.
الإنسان كائنٌ غريب؛ يعبر القارات ليكتشف العالم، لكنه يتردد في عبور المسافة الفاصلة بين عقله وقلبه. يعرف أسماء المدن والأنهار والجبال، لكنه يعجز أحيانًا عن تسمية خوفٍ يسكنه أو حلمٍ يؤرقه. ولذلك كانت معرفة النفس أعظم المعارف وأشدها مشقة.
فالذات ليست شيئًا ثابتًا نعثر عليه مرة واحدة، بل نهرٌ يتجدد مع كل تجربة، ومرآةٌ تتغير مع كل سؤال. وكلما ظننا أننا أدركنا حقيقتنا، اكتشفنا طبقةً أخرى أعمق من الوعي، وأكثر غموضًا من اليقين.
وربما لهذا السبب كانت الحكمة الحقيقية لا تبدأ حين نعرف العالم، بل حين نكفّ عن الهروب من أنفسنا. ففي لحظة الصدق النادرة، حين يسقط ضجيج الخارج، ويهدأ صخب الرغبات، يسمع الإنسان ذلك الصوت الخافت الآتي من أعماقه؛ الصوت الذي لا يخبره من يكون فحسب، بل من يمكن أن يكون.
عندها يدرك أن الرحلة لم تكن نحو مكانٍ آخر، بل نحوه هو. وأن المسافات التي قطعها في الحياة لم تكن سوى دوائر واسعة تعيده إلى النقطة الأولى: إلى نفسه.
وهكذا يبقى الطريق إلى الذات أطول الطرق، لأن العمر كله قد لا يكفي لاكتشافها، وأقصرها، لأن أول خطوة فيه لا تحتاج إلا إلى شجاعة النظر إلى الداخل. فهناك، في أعماق الصمت، تبدأ الحكاية الحقيقية للإنسان.
***
د. صابر الحميدي







